التعليق على كتاب الوصية الكبرى 5

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نعمة الإسلام والسنة وفضل أهل السنة

يؤكد شيخ الإسلام أن هداية العبد للإسلام والتمسك بالسنة من أعظم النعم التي تعصمه من البدع المضلة. وقد أثمرت هذه النعمة في أهل السنة كثرة الصالحين والمجاهدين والزهاد الذين ينصر الله بهم الدين.

تفسير المكاشفات والتصرفات في وصية ابن تيمية

يشرح المقطع أن المكاشفات والتصرفات في وصية ابن تيمية تعني استنارة القلب وصفاء البصيرة بتقوى الله لا بالمعنى الصوفي الشائع. ويذكر مشايخ الطريقة كأبي الحسين الهكاري وعدي بن مسافر ويثني على أتباعهما بالصلاح واتباع السنة.

خطر الغلو في المشايخ ووجوب اتباع الكتاب والسنة

يبين المقطع مكانة الشيخ عدي بن مسافر كعالم صالح ويحذر من الغلو فيه حتى يبلغ الكفر. ويؤكد أن العلماء يُطاعون في طاعة الله فقط، وأن المتأخرين أضعف علماً وأكثر أهواء مما يوقع في الجهل والظلم.

موقف المشايخ من أهل السنة والخطأ البشري

يؤكد النص اتفاق المشايخ مع أهل السنة في الأصول الكبرى مع جواز الخطأ في المسائل الفرعية. ويستشهد بقول الإمام مالك: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه. أما بعد، فمَازلنا مع الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهنا فصل جديد، عنوانه المعلق حفظه الله، فقال: فصل من فقه الدعوة. « قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأنتم أصلحكم الله، قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله، وعافاكم مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب. والإسلام أعظم النعم وأجلها، فإن الله تعالى لا يقبل من أحد دينا سواه. قال تعالى: ﴿ ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾. وعافاكم لانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة، مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث حصل عندكم من البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره، ويسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة. وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه الله بذلك، فإن هذا تمام الإيمان وكمال الدين ». يشير رحمه الله تعالى إلى أن من انتسب إلى دين الإسلام، وعافاه الله عز وجل مما ابتلى به كثيرا من الناس من المشركين ومن أهل الكتاب، فإن هذا من أعظم نعم الله عز وجل، بل هي أعظم نعمة أنعم الله عز وجل على هذا الإنسان حيث هداه لدين الإسلام، فإن من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. ثم بعد ذلك الانتساب للسنة وما كان عليه سلف الأمة، وأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بعبده الخير فإنه يوفقه للسنة والتمسك بها، ويعافيه من البدع المضلة كبدعة الروافض أو الجهمية أو القدرية أو الخوارج، أو من نحا نحوهم ممن ينفون أسماء الله أو صفاته، أو ليسوا على منهج السلف الصالح. فهذه نعمة أخرى، وهي الانتساب إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بها والعمل بها. لهذا قال: وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه الله بذلك، أو عليه الله بذلك. « قال: ولهذا كثر فيكم من أهل الصلاح والدين، وأهل القتال المجاهدين، ما لا يوجد مثله في طوائف المبتدعين. وما زال في عساكر المسلمين المنصورة، وجنود الله المؤيدة، منكم من يؤيد الله به الدين، ويعز به المؤمنين. وفي أهل العبادة والزهد منكم من له الأحوال الزكية، والطريقة المرضية، وله من المكاشفات والتصرفات. وفيكم من أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين ». ذكر في هذه الفقرة أن في هؤلاء الذين كان يخاطبهم شيخ الإسلام وأرسل لهم هذه الرسالة، وهي عبارة عن وصية، أن فيهم من هو من المجاهدين في سبيل الله عز وجل، ومن يعز الله به الدين وينصر به الدين، وأن فيهم من أهل العبادة، وفيهم من أهل الزهد، وفيهم من أهل الأحوال الزكية والطريقة المرضية، وفيهم من تحصل له المكاشفات والتصرفات. ولا يقصد شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مكاشفات الصوفية أو تصرفات الصوفية، وإنما المراد كما قال أحد المعلقين على هذا الكلام وهو الشيخ عبد الرزاق عفيفي: المراد استنارة القلب وصفاء البصيرة، أي المكاشفات من الله عز وجل لهذا العبد أن تحصل له استنارة القلب وصفاء البصيرة ونفوذ الفكر وإحقاق الحق وقوة الفراسة بتقوى الله والوقوف عند حدوده، كما قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ﴾. أي أن بتقوى الله عز وجل تحصل الفراسة لهذا المتقي فيبصر ما لا يبصر غيره، ويرى ما لا يرى غيره، ويعلم ما لا يعلم غيره. بتقوى الله عز وجل تحصل لهم ذلك. قال: كما أن المرادة بالتصرف تدبير الأمور على مقتضى الحكمة وإيقاعها حسب المصلحة ووفق النظم الدينية، لا المعنى الذي يفهمه العامة وجهلة الصوفية. هذا تعليق الشيخ عبد الرزاق رحمه الله تعالى، وهذا هو الموافق لما يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مثل هؤلاء أهل الزهد وأهل العبادة وأهل التمسك بالسنة وأهل العلم والبصيرة في الدين، أنه يحصل لهم ذلك من الله سبحانه وتعالى. ولهذا عند حصول الفتن فإن أهل البصيرة من أهل العلم والراسخين في العلم، وأيضا من عرف بزهده وورعه وتقواه، فإنه تحصل له البصيرة في الفتنة. ولهذا قال الحسن: إن العلماء إذا أقبلت الفتنة عرفوها، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل. يعني أن هذا كان من المحقين، وأن هذا كان من المبطلين، بخلاف العلماء فإنهم يعرفون تلك الأمور من أول وهلة تقع. « فأما قدماء المشايخ الذين كانوا قبلكم، مثل الملقب شيخ الإسلام أبي الحسين علي بن أحمد بن يوسف القرشي الهكاري ». وهنا ذكر المعلق أنه توفي سنة أربعمائة وستة وثمانين، وترجمته في المنتظم والكامل. « قال: وبعده الشيخ العارف القدوة عدي بن مسافر الأموي، وهو كردي أيضا، وقد تقدمت ترجمته في أول كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الوصية، وأنه كان يخاطب هؤلاء المتبعين لهذا الشيخ. قال: ومن سلك سبيلهما فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ورفع به منارهم. والشيخ عدي قدس الله روحه كان من أفاضل عباد الله الصالحين وأكابر المشايخ المتبعين، وله من الأحوال الزكية والمناقب العلية ما يعرفه أهل المعرفة بذلك، وله في الأمة صيت مشهور ولسان صدق مذكور، وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن عقيدة من تقدمه من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ الإمام الصالح بالفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي الدمشقي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما ». هنا يذكر رحمه الله تعالى أن هؤلاء المشايخ الذين هم لهم لسان صدق، وأيضا لهم أحوال ولهم مناقب ولهم فضائل، وأن الله عز وجل رفعهم بعملهم بما علموا، هؤلاء ينبغي أن يقتدى بهم ولا يغلى فيهم. وقد تقدم شيء من ذلك في مقدمة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأن هذا الشيخ عدي بن مسافر حصل فيه غلو من أتباعه، غلو وصل هذا الغلو إلى حد الكفر كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. فمهما عظم الشخص في قلوب الناس لا ينبغي أن يتخذ إلها من دون الله أن يصرف له شيء من العبادات، بل ينبغي في ذلك الذي هو من أهل الفضل وأهل الصلاح وأهل التقى وأهل العلم أن ينزل منزلته التي أنزله الله جل وعلا. فكونه من العلماء لا يعني أنه يطاع في معصية الله عز وجل، بل يطاع في طاعة الله تبارك وتعالى، ويعرف له قدره، وكذلك تعرف له منزلته وشرفه وفضله في هذه الأمة. « قال: وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة، بل كان لهم من الترغيب في أصول أهل السنة والدعاء إليها والحرص على نشرها ومنابذة من خالفها مع الدين والفضل بل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم وأعلى به منارهم. وغالب ما يقولون في أصولها الكبار جيد، مع أنه لا بد أن يوجد في كلامهم وكلام نظارهم من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة كأحاديث لا تثبت ومقاييس مضطربة ما يعرف أهل البصيرة. وذلك أن كل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب والسنة والفقه فيهما ويميزوا صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس وعقيمها، مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلغل الاختلاف والافتراق وحصول العداوة والشقاق، فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة الجهل والظلم الذي نعت الله به الإنسان في قوله تعالى: ﴿ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ﴾ ». يذكر رحمه الله في هذه الفقرة أن هؤلاء المشايخ غالب ما يقولون موافق لأهل السنة والجماعة في قولهم، أي في الأصول الكبار موافق تماما لما كان عليه السلف الصالح، مع أنهم لا يخلون من حصول شيء من المسائل المرجوحة التي يقولون بها، أي أنه قد يحصل منهم الخطأ، وهذا لازم في كل إنسان فإنه معرض لذلك. فإذا كان كما قال الإمام مالك رحمه الله: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كان في الأمة من هو أجل من