التعليق على كتاب الوصية الصغرى 3

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الصغرى 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح الأمر باتباع السيئة الحسنة وأنواع المكفرات

يبيّن المقطع معنى الأمر باتباع السيئة الحسنة لمحوها، موضحًا أن الحسنة تشمل التوبة والأعمال الصالحة المكفرة. كما يفصل في أنواع التكفير: التوبة الواجبة للكبائر، والأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة وذكر تكفر الصغائر بشرط عدم الإصرار عليها، مع الإشارة إلى أن الحدود كفارات أيضًا.

تكفير الكبائر بالحدود والأعمال الصالحة وخلاف العلماء

يوضح المقطع أن إقامة الحد على مرتكب الكبيرة تكفر عنه ذنبه عند جمهور العلماء حتى دون توبة، بينما من ستر الله عليه كبيرة ومات عليها فأمره إلى مشيئة الله. ويناقش خلاف العلماء في تكفير بعض الأعمال العظيمة كقيام ليلة القدر وبر الوالدين للكبائر، والراجح عند الجمهور وجوب التوبة للكبائر.

التوبة والأعمال الصالحة وموقفها من تكفير الكبائر

يناقش المقطع خلاف العلماء في هل تمحو الأعمال الصالحة الكبائر بمجرد فعلها، ويرجح قول الجمهور بوجوب التوبة النصوح. ويبين أن الحسنات قد ترجح السيئات في الميزان يوم القيامة، وأن الاستغفار الكثير سبب لمحو الذنوب وتغيير السيئات إلى حسنات.

الدعاء بالتوبة والاستغفار والختام بالحمد

يطلب المتحدث من الله أن يوفق الجميع للتوبة والاستغفار والإنابة إليه. ويختتم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بعد، ما زلنا مع الفقرة الثانية من الوصية العظيمة التي وصى بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم معاذًا في الحديث العظيم. ما هو هذا الحديث؟ وذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». أخذنا الفقرة الأولى: «اتق الله حيثما كنت» من كلام شيخ الإسلام رحمه الله، والآن مع الفقرة الثانية وهي: «أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» - الفقرة الثالثة. طيب، قال شيخ الإسلام رحمه الله: ثم قال -أي صلى الله عليه وسلم-: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». قال: فإن الطبيب متى تناول المريض شيئًا مضرًا أمره بما يصلحه، والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات. وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة، فصار كقوله في بول الأعرابي: «صبوا عليه ذنوبًا من ماء». وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو. والذنوب يزول موجبها بأشياء: أحدها التوبة، والثاني الاستغفار من غير توبة، فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتُب، فإذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال. والثالث الأعمال الصالحة المكفرة، إما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان، والمظاهر -أي الذي ظاهر من امرأته-، والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك بعض واجباته، أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهي أربعة أجناس: هدي، وعتق، وصدقة، وصيام. وأما الكفارات المطلقة كما قال حذيفة لعمر: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير في الصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التي يقال فيها: «من قال كذا وعمل كذا غفر له» أو «غفر له ما تقدم من ذنبه». ويكثر لمن تلقى من السنن خصوصًا ما صنف في فضائل الأعمال. هذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بيان هذه الفقرة من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها». أي أن الإنسان إذا ارتكب سيئة عليه أن يبادر بالحسنة تلو هذه السيئة. والعلماء قالوا: هذا إما أن يشمل التوبة، أي إما أن يراد بهذا اللفظ التوبة، فيراد بالحسنة هنا التوبة: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» أي أتبع السيئة بالتوبة، فتكون الحسنة هنا المراد بها التوبة. ومنهم من قال: بل هي أعم بأن يأتي بأعمال صالحة مكفرة لهذه السيئة، ومن ضمن الأعمال الصالحة التوبة. لأن هناك أدلة كثيرة جاءت بتكفير السيئات، وقد ذكرنا شطرًا منها في الدرس المتقدم، منها أحاديث الوضوء كحديث عثمان رضي الله تعالى عنه: «الذي يتوضأ تخرج خطاياه من وجهه ومن يديه ومن شعره ومن رجليه مع الماء، مع آخر قطر الماء». وهكذا أيضًا أحاديث الصلاة مثل حديث أبي هريرة: «الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، وكذلك الجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وأيضًا حديث عثمان في الذي يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه إلا غفر له ما تقدم من ذنبه. وكأحاديث الأذكار: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ومحيت عنه مائة سيئة، وكتبت له مائة حسنة». وهكذا أيضًا: «من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر». وأحاديث كثيرة في الصيام وفي الصدقة أنها تكفر كثيرًا من الأعمال -كثيرًا من ماذا؟ من الأعمال السيئة. فإذن هذا القول الثاني هو الراجح، وهو أن المراد بأتبع السيئة الحسنة أن الحسنة تعم التوبة وكذلك الأعمال الصالحة: التوبة والأعمال الصالحة. لكن ينبغي أن نتنبه أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، وهذا قول الجمهور. الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة لأن التوبة فرض، التوبة واجبة كما قال عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. دل على وجوب التوبة، وأن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة، وتمحوها التوبة النصوح بشروطها المعروفة: وهي الإقلاع عن ذلك الذنب، والندم، وكذلك العزم على أن لا يعود. وإن كانت بحق مخلوق فإنه يرد المظالم إلى ذلك الذي ظلمه سواء كان في عرضه أو في ماله أو نحو ذلك. فالتوبة واجبة وهي التي تكفر الكبائر. وقد قال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. إلا اللمم يعني الصغائر. فإذن تكفرها ماذا؟ تكفرها هذه الأعمال الصالحة من صلاة ومن صيام ومن صدقة ونحو ذلك. ولهذا لما سأل عمر حذيفة رضي الله تعالى عنهما عن الفتنة، قال له: يا أمير المؤمنين، فتنة الرجل في أهله وماله تلك تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أسألك، ولكنني أسألك عن الفتنة التي تموج كموج البحر. رواه مسلم. إذن في بداية الحديث بيّن حذيفة رضي الله تعالى عنه أن الصغائر تكفرها هذه الأعمال الصالحة التي يقوم بها المسلم، سواء كان من وضوء أو كان من صلاة أو كان كذلك من صدقة أو كان كذلك من ذكر وتسبيح، فإن هذا يكفرها -يكفر الصغائر- مع عدم الإصرار، مع عدم إيش؟ الإصرار على الصغائر، وإلا فإن الإصرار على الصغائر يصيرها كبائر. إذن الإنسان لا يصر، فإن الله عز وجل ذكر في كتابه الكريم في صفات المتقين بأنهم لم يصروا على ما فعلوا. فمن يصر على ماذا؟ على فعل الصغائر ولم يتب منها فإنه لا يكون من ماذا؟ ممن حقق صفات أهل التقوى. وبحديث أنس: أن الرجل الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أصبت حدًا فأقمه علي. انظروا: هذا فعل أمرًا الله أعلم به، فقام وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: أصبت حدًا فأقمه علي. ظنًا أن هذا الذي ارتكبه هو مما يوجب الحد. وهذا يبين أن الحدود كفارات، أن الحدود كفارات كما سيأتي معنا في حديث ماذا؟ عبادة بن الصامت الذي في الصحيحين. فهذا الرجل قال: يا رسول الله، أصبت حدًا فأقمه علي. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك قبل إقامة الصلاة. ثم قامت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعدما انقضت الصلاة: أين ذلك الرجل الذي قال: يا رسول الله، أصبت حدًا فأقمه عليه؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: «قد غفر لك ذنبك، قد غفر لك ذنبك». إذن هذا الفعل الذي ارتكبه ليس من الكبائر لأنه بالصلاة كفر، بالصلاة كفر ومُحي. فإذن الإنسان يتبع السيئة بالحسنة، يقابلها بالحسنات الماحية، فإن هذا من فضل الله عز وجل على عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. والمسلم مأمور باجتناب الحدود والمحارم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. الآيات كثيرة في أن من تعدى حدود الله جل وعلا فهو ظالم لنفسه. الحدود هذه وهي المحارم لها كفارات، تدل على أن الحدود التي يرتكبها الإنسان -أي المحارم التي يرتكبها الإنسان- كبائر والعياذ بالله. لهذا رتب عليها الحد والعقوبة من الله سبحانه وتعالى. جاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا». ثم تلا عليهم الآية التي في الممتحنة. ثم بعد ذلك قال: «فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله» -أي أنه لم يرتكب شيئًا من الكبائر: لا الإشراك بالله، ولا كذلك القتل، ولا الزنا، ولا السرقة-. قال: «فمن وفى ذلك منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، فهو كفارة له». إذن هذا الذي يصيب مثل هذه تعتبر ماذا؟ كبائر، لأن الكبائر مرتب عليها ماذا؟ الحدود. والصحيح من أقوال أهل العلم هو أقوال جمهور: أن الحدود كفارة لأهلها، خلافًا لمن قال أنها ليست كفارة. لماذا لأهلها؟ إلا مع ماذا؟ مع التوبة. إلا مع التوبة. وهو قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وذهب إلى ذلك أيضًا البغوي. ولكن الصحيح أن حتى لو لم يتب فأقيم عليه الحد من ذلك من تلك الكبيرة -كحد الزنا: إن كان ثيبًا رجمًا، أو إن كان بكرًا جلدًا، وهكذا السارق قطعت يده- هذا الحد يعتبر كفارة، يعتبر كفارة وإن لم ماذا؟ وإن لم يتب منه. فما دام أقيم عليه الحد فهو كفارة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أقيم عليه الحد فعوقب به في الدنيا». وانظر إلى لفظة «عوقب به» تشمل العقوبات الشرعية والعقوبات ماذا؟ كذلك القدرية: العقوبات الشرعية مثل التعزيرات، وكذلك الجلد أو القتل أو قطع اليدين أو نحو ذلك، هذه عقوبات شرعية مقدرة. أو العقوبات القدرية مثل الآلام والمصائب، هذه أيضًا كفارة لأصحابها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كما في حديث أبي هريرة وأبي سعيد الذي في الصحيحين: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». إلا كفر الله بها من خطاياه. فهذا الحديث حديث عظيم، وهو حديث عبادة: «فمن عوقب به في الدنيا فهو كفارة له». من أصاب شيء من هذه المحارم والحدود وأقيم عليه الحد فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله: إن شاء عذبه وإن شاء ماذا؟ عفى عنه. إن شاء عذبه وإن شاء عفى عنه. إنسان ارتكب كبائر لم يتب، ولكن الله ستره عليه، الله ستره عليه في الدنيا، فجاء يوم القيامة بهذه الكبائر، أمره إلى الله تحت المشيئة: إن شاء عذبه وإن شاء غفره. بخلاف ذلك الذي ارتكب كبيرة فأقيم عليه الحد، فأقيم عليه الحد في الدنيا، فهذا لا يعاقب به مرة أخرى في الآخرة، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. لأن الله عز وجل قد جعل الحدود كفارة لماذا؟ لأصحابها. فمن لم يقم عليه الحد وقد ارتكب الكبائر ومات على ذلك وستره الله في الدنيا فهو إلى الله يوم القيامة: إن شاء عاقبه وإن شاء ماذا؟ وإن شاء غفر له. لهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لم أسمع حديثًا أحسن من حديث عبادة بن الصامت في أن الحدود كفارة لأهلها. هذا حديث عظيم: الحدود كفارة لأهلها. فإذا أقيم حد على إنسان فهو كفارة له مما ماذا؟ مما ارتكبه. فنحن في هذه المسألة المهمة وهي مسألة: هل الكبائر تكفرها هذه الأعمال أم لا بد من التوبة؟ الجواب: قول الجمهور كما رجحه الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى أن الكبائر لا بد لها من التوبة. مع أن بعض العلماء قد قال أن هناك أعمالًا صالحة ربما تكفر الكبائر، مثل ماذا؟ مثل قيام ليلة القدر. قيام ليلة القدر: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وبعضهم قال: ليلة القدر قيامها، من وفق لها فإن الله عز وجل يكفر عنه سائر ذنوبه الكبير والصغير. وهذا ما ذهب إليه ابن المنذر رحمه الله، أنه قال: أرجو، أرجو أن الله عز وجل يكفر ماذا؟ الصغائر والكبائر، أي لمن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا. ومن العلماء من قال: بر الوالدين، بر الوالدين أيضًا يكفر الله عز وجل الصغير والكبائر. ومن العلماء من قال: ذلك خصها ببعض الأعمال لا ماذا؟ سائر الأعمال، كابن حزم رحمه الله تعالى. وقد رد قوله الإمام ابن عبد البر في التمهيد، رد قول ابن حزم. ابن حزم ذهب إلى أن الأعمال تكفر الكبائر، خلافًا للجمهور. والراجح قول الجمهور، إلا أن بعض العلماء قال: بعض الأعمال الصالحة لعظمها عند الله عز وجل ربما تكفر أيضًا ماذا؟ الكبائر، مثل بر الوالدين. فقد جاء في الترمذي وأحمد أن رجلًا قال: يا رسول الله، أصبت ذنبًا عظيمًا. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألك أم؟ قال: قد ماتت يا رسول الله. قال: ألك خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها، فبرها. وهذا الحديث مرسل، الصحيح أنه مرسل، هو من حديث ابن عمر. قد رجح الإرسال الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى وكذلك الترمذي. فهذا الحديث مرسل. وقد صح في الأدب المفرد عن ابن عباس وهو على شرط الشيخين: أن رجلًا أتى إلى ابن عباس فقال له: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني، فأبت أن تنكحني. قال: فخطبها غيري فأرادت أن تنكحها فغرت عليها فقتلتها. فهل لي من توبة؟ فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: ألك والدة؟ قال: لا، يعني أنها قد ماتت، ما هي حية. فقال له: ألك خالة؟ قال: نعم. قال: فبرها، فبرها. أو قال: تب إلى الله واعمل من الأعمال ما استطعت، تب إلى الله واعمل من الأعمال ما استطعت. ثم سئل ابن عباس رضي الله عنهما: لماذا قال له: ألك والدة؟ قال: إني لا أرى شيئًا من الأعمال أفضل من بر الوالدين، أرجو أن الله عز وجل يغفر له ذلك الذنب. فبعض العلماء يرى أن بعض الأعمال الصالحة لعظمها عند الله عز وجل كبر الوالدين أنها تكفر الكبائر. والجمهور على ماذا؟ على أن الكبائر لا بد لها من التوبة، وأن لا تمحى بمجرد ماذا؟ بمجرد الأعمال الصالحة، جمعًا بين الأدلة كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مجتنبات الكبائر»، فيدل على أن الكبائر من شرطها التوبة النصوح التي يقدمها صاحبها. فهذه المسألة ذكرها بتمامها الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم، وقد ذهب إلى هذا القول الذي ذهب إليه الجمهور. قال رحمه الله -أي ابن رجب-: والأظهر والله أعلم في هذه المسألة أنه إن أريد أن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر -يعني الصغائر متى تكفر؟ إذا اجتنب الإنسان الكبائر كفر الله عز وجل له الصغائر إذا اجتنب الكبائر ولم يصر على الصغائر كفر الله له تلك الصغائر بماذا؟ بهذه الأعمال الصالحة من وضوء ومن صلاة ومن صدقة ومن كذلك وماذا؟ بر ونحوها- قال: فهذا باطل. يعني يقول: من يقول إن الكبائر تمحى بمجرد الفرائض هذا قول باطل، بل لا بد من التوبة معها. قال: وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب، فهذا قد يقع. فهذا قد يقع. القول الثاني يقول: أن من عنى بأن الكبائر تمحى بالأعمال الصالحة يوم القيامة فهذا قد يقع. كيف يوم القيامة؟ مثلًا إنسان عمل كبيرة، عمل كبيرة من الكبائر كعقوق الوالدين، ثم أتى بعد ذلك ببر الوالدين. يوازن بين بر الوالدين وبين عقوق الوالدين: عنده كبيرة وعنده ماذا؟ حسن مقابلها، توازن بين هذا وبين هذا. وهكذا عنده كبيرة أخرى من سرقة وعنده ماذا؟ حسن أعظم منها. قال: هذا قد يقع، أن هناك أعمالًا صالحة توزن مع الأعمال السيئة التي عنده من كبائر، فإن رجحت حسناته على الكبائر فهذا قد يقع، بمعنى أن الكبائر هنا ذهبت لأن الحسنات غلبتها في الميزان. فلا شك أن لكل عبد يوم القيامة ميزان توزن فيه أعماله، فتوزن حسناته وتوزن سيئاته. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. فالإنسان يكثر من الأعمال الصالحة التي تمحو الكبائر أو تمحو الصغائر مع تقديم التوبة بين يديه، وكذلك كثرة الاستغفار. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». حديث عبد الله بن بسر: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». فقد ذكر شيخ الإسلام هنا رحمه الله تعالى أن الاستغفار قد يمحو ذلك ماذا؟ الذنب، وإن لم يتب منه. قد يمحو ذلك الذنب لأن الاستغفار أعم من ماذا؟ من خصوصية التوبة. والتوبة خاصة يقدمها الإنسان لذلك الذنب الذي ماذا؟ ارتكب. والاستغفار: يستغفر على تقصيره وعلى تفريطه وعلى كذلك معاصيه وسيئاته. فالاستغفار سبب لكل خير، لهذا يكثر بعد الصلوات من الاستغفار، وكذلك في أوقات الخلوة وغيرها من الأوقات يكثر من ماذا؟ من الاستغفار، فإنه ينجو بذلك الاستغفار بإذن الله رب العالمين يوم القيامة. كما أيضًا ينجو بالأعمال الصالحة من بر للوالدين ومن كذلك المحافظة على الفرائض في أوقاتها بشروطها التي قد حدت لها في الشرع. فهذا إن فعل ذلك ثقل ميزانه، وإن كان عنده ماذا؟ بعض الكبائر التي لم يتب منها، فعسى أن الله سبحانه وتعالى يمحو عنه تلك الكبائر. وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. انظر إلى هذه الآية العظيمة، ففيها أن التوبة تمحو تلك الكبائر، بل يبدل الله عز وجل تلك السيئات إلى حسنات عظيمة يجدها الإنسان في ميزان حسناته. فالله الله في التوبة، الإنسان يندم على ما فعل من المعاصي السابقة ويتذكر ذنوبه، عسى الله عز وجل يغفرها له، ما يجعل نفسه من الذين لا يبالون بالمعاصي والسيئات ولا يقدمون بين أيديهم الاستغفار والتوبة. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله وكان يتوب إلى الله وهو معفوٌّ عنه، صلى الله عليه وسلم، في اليوم أكثر من سبعين مرة، وفي اليوم مائة مرة. هذا لأجل أن يحرص الناس، يحرص المسلمون جميعًا على المحافظة على الاستغفار والتوبة. فإن الإنسان لا يخلو من زلل، ولا يخلو من نقص، ولا يخلو كذلك من ماذا؟ من ذنوب ومعصية وسيئة. لهذا لا بد يتذكر ذلك دائمًا وأبدًا. ولهذا شرعت هذه الأذكار العظيمة، سواء كان أذكار الصباح أو أذكار المساء أو أذكار دبر الصلوات أو أذكار كذلك الدخول إلى المنزل والخروج منه، دخول إلى المسجد والخروج منه، أذكار الوضوء. فما أعظم هذه الأذكار التي فيها محو كثير من ماذا؟ من السيئات التي يرتكبها الإنسان في الصباح وفي المساء. فهذه مسألة عظيمة: إذا فقهنا هذه المسألة أن الكبائر خطيرة على الإنسان، وأن الله سبحانه وتعالى يغفرها بالتوبة، فالعبد يبادر بالتوبة النصوح إلى الله، ولا يتمادى في الذنب أو يصر عليه، سواء كان كبيرًا أو كان صغيرًا، فإنه ربما يهلكه في الدنيا والعياذ بالله قبل الآخرة. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للتوبة والاستغفار والإنابة إليه، والحمد لله رب العالمين.