الدرس في كلمة الأخ الفاضل عبد الغفور اللحجي، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن حسن الخلق يعد أصلاً من أصول أهل السنة، مستنداً إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء، ويحذر من تقليد الأخلاق الغربية السيئة. يدعو إلى التحلي بالأخلاق الحسنة قولاً وعملاً بصدق وإخلاص بعيداً عن الرياء.
يبيّن المتحدث أن كمال الأخلاق يتطلب الدعاء والمجاهدة، وأن الأدب مع الله يتجلى في توحيده وطاعته ووصفه بما وصف به نفسه، بينما الإساءة تشمل الشرك وسب الله وترك الصلاة والبدع. كما يوضح أن الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم يكون باتباع سنته، ومع القرآن بالعمل به وتعظيمه وعدم إهماله.
يشدد المقطع على أهمية حسن الخلق مع كتاب الله بالتدبر والعمل به، وبر الوالدين وتجنب عقوقهما، وتعظيم العلماء واحترامهم بوصفهم ورثة الأنبياء. يحذر من الطعن في العلماء واتباع أهل البدع الذين يسقطون قدرهم.
يختتم المتحدث حديثه معتذراً عن الإطالة، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يسلم على الحضور بتحية الإسلام.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فنحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا في هذه البلدة، وفي هذا المسجد من مساجد أهل السنة والجماعة الذين يسيرون بدعوتهم على ما سار عليه سلف الأمة. وأشكر لإخواني المتكلمين ما أزدوه وبدلوه من النصائح والتوجيهات، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه اللقاءات، وأن يجعلها سببًا لصلاح قلوبنا واستقامة ألسنتنا وأحوالنا. وأجد أن أتكلم في هذه اللحظات على أصل من أصول أهل السنة خاصة، وأصل أيضًا من أصول أهل الإسلام لا يستغني عنه العالم ولا طالب العلم، ولا العامي، ولا الذكر، ولا الأنثى، ولا الصغير، ولا الكبير. يكون أحيانًا واجبًا في حق الغير، ويكون أحيانًا مستحبًا. قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فهذا الأصل، وهو حسن الخلق، يعتبر من الأصول التي دعا إليها الإسلام. وإن من الفوارق بين أهل الإسلام والأوثان والشرك وبقية الأديان هذه من الفوارق. فالمسلمون يعتبرون من أهل الأخلاق الحسنة، بل يدعون الناس إليها. وكم دخل أناس من أهل الكفر بأخلاق الصحابة، وبأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك. وهكذا أيضًا ما زال الكثير من الكفار يرى ما عليه أهل الإسلام من الأخلاق الحسنة فيؤثر في نفوسهم فيدخلون في هذا الدين. فحسن الخلق لا يستهان به يا عباد الله، وإن كنا نرى في هذه الأيام انحلالًا وتقهقرًا وعزوفًا عن هذا الأصل. وما ذاك إلا بسبب أن كثيرًا من المسلمين اغتروا بما عند الغرب، الذين قد تخلقوا بالأخلاق السيئة، فظهر منهم من الأخلاق السيئة المذمومة، والتي للأسف الشديد صار بعض المسلمين يلهث خلفها ويسميها بالحضارة، والصحيح أن تسمى بالقذارة. ولهذا نرى في شوارع المسلمين ما يندى له الجبين وتدمع له العين من الأخلاق السيئة، ليس فقط مع الناس، بل وصل التمادي حتى مع الله سبحانه وتعالى، كما سيأتي في أثناء هذه الكلمات. أيها الإخوة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة، وقد سئل: ما يدخل الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقوى الله وحسن الخلق». وفي حديث أبي الدرداء قال عليه الصلاة والسلام: «ليس شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق». وقال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر: «إن أحبكم إلي وأقربكم مجلسًا مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا». وقال عليه الصلاة والسلام: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحاسنهم أخلاقًا». فهذه الأحاديث والآيات الكثيرة التي تدل بصريح العبارة وتدعو إلى هذا الأصل، وهكذا تدل ضمنا والتزامًا على هذا الأصل. كلنا أيها الإخوة جميعًا بحاجة إليها، ليس فقط أن نسمعها، ولكن نتخلق بها. ولهذا قال القائل: ليس الجمال بأثواب تزيننا *** إن الجمال جمال العلم والأدب وقال آخر: لا خير في فتى حسن وجهه *** إذا كانت الأخلاق غير حسان فالثياب لا تجمل سيء الأدب، ولو لبس من أعظم الملابس. ورب مؤدب تخلق بالأخلاق الإسلامية وعليه أثواب متواضعة، تجد له من الوقار والسمت والهيبة ما الله به عليم. إذن الأصل الأخلاق. ولا شك أن أولى الناس تطبيقًا قولًا وعملًا لهذا الأصل هم العلماء، فلا يصدر من العالم إلا الكلام الطيب والنصيحة الطيبة. عالم سباب لعان، هذا والله قد أساء للعلم الذي يحمله. ولهذا تجد أن سيرة العلماء، وقبل ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وهو سيد العلماء، لم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم سبابًا، ولم يكن لعانًا، ولا طعانًا. وهكذا هو المؤمن. ويأتي كذلك العلماء لأنهم ورثة الأنبياء، ثم طلبة العلم، ثم من سار في هذه الدعوة. والأصل أن جميع المسلمين ينبغي أن يتعايشوا مع هذا الأصل، وأن يجعلوه نصب أعينهم، وأن لا يتلوثوا بقذارة الغربيين التي وصل بهم الحال من الأخلاق السيئة إلى أمور شنيعة فضيعة. وللأسف تجدها هذه الأيام في أوساط المسلمين. يقول الماوردي رحمه الله كما في «تسهيل النظر» عن الأخلاق: «هي غرائز كامنة في النفوس تظهر بالاختيار وتقهر بالاضطرار». وقال أيضًا في نفس الكتاب مبينًا حسن الخلق والمتصف بهذا الأصل: «مبينًا ذلك أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة». هذا باختصار معنى حسن الخلق. وهذه الألفاظ إذا اجتمعت في إنسان فقد وصل إلى مرتبة عالية بحسن الخلق. والإنسان قد يجد قصورًا في بعض ما يتعلق بحسن الخلق، لكن لا بد أن يجاهد نفسه، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولأهمية حسن الخلق كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل: «اللهم اهدني إلى أحسن الأخلاق»، مع أنه خير من تخلق بالأخلاق الحسنة، صلوات ربي وسلام عليه. ولكن لأهميتها، ونحن بأمس الحاجة لهذا الدعاء، أيها الإخوة في الله: «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهديني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيء الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت». إن أهل السنة لا يتقمصون بحسن الخلق ويخالفونه إذا خلوا بأنفسهم. لا، هذا فعل بعض أهل التبليغ والمتصوفة، فيظهر للناس التواضع والسكينة والوقار، ثم إذا خلوا بأسرته أو بنفسه فإذا به من حيث الهيئة والألفاظ يعني يختلف تمامًا. وقد رأيت هذا بعيني، تجد أن بعض أهل التصوف يلبس القميص والعمامة ويظهر... فكما حصل لي مرة: ذهبت مرة وأنا أعرف رجلًا على هذه الحالة، فجئت وإذا به بمجموعة من الشباب ومخزن، وعنده المداعة، وفي مكان لا يليق بشخص عادي، إلا أن الحاجة... ماذا جعلتني أذهب إليه؟ لكن أن يتخذه مجلسًا لا يليق بإنسان عادي، فكيف بمن يدعي الصلاح؟ لهذا أهل السنة... أهل السنة حسن الخلق لهم أصل سجية، لأن الخلق كما يقول العلماء في اللغة: السجية، الخلق السجية وهو بضم اللام، كما قيل: يتعلق بالأفعال، وبالتسكين يتعلق بالهيئات. وإلا كما قال بعضهم: الأصل أنه بمعنى واحد، لكن فرق هذا التفريق. إذن يقولون: إن معنى الخلق السجية أي أنها سجية لهم، ليست مسألة التصنع يفعلون فترة من الأوقات ثم يعودون كما كانوا عليه مما هو مخالف لهذه السجية. والإنس... كما سمعت، كلنا أيها الإخوة في الله، لا يدعي أحدنا أنه قد اكتملت أخلاقه، كلنا عندنا من النقص. ولكن من أراد أن يكمل له ربه هذا الأصل وهذا الأمر العظيم، فليدعُ الله سبحانه وتعالى، وليجاهد نفسه، ليجاهد نفسه. والله سبحانه وتعالى هو من أعظم ما نتخلق له. فإذا أسأنا الأدب مع الله فهذا خطر عظيم، أيها الإخوة في الله. والله يقول: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. فحسن الأدب مع الله يكمن في توحيده، وفي طاعته وامتثال أمره، وفي أن نصفه بالأوصاف التي وصف بها نفسه ورسله، كذلك لا نعطل ولا نبدل، ونستمر على طاعته سبحانه وتعالى. وهذا الأمر حققه أهل السنة، فهم الموحدون المعظمون لربهم، الممتثلون له سبحانه وتعالى. وقد خالف في هذا الأصل طوائف، فأساءوا الأدب مع الله. وفي مقدمة هؤلاء المشركون الذين جعلوا لله ندًا، دعوا غير الله. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. فالذي يدعو غير الله من الأشجار والأموات فقد أساء الأدب مع الله، وتكبر على الله سبحانه وتعالى. الذي يذبح لغير الله، ويستغيث بغير الله، ويلجأ إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا قد أساء الأدب. من ادعى لله ولدًا وندًا كما فعلت اليهود والنصارى فقد أساء الأدب مع الله سبحانه. وانظروا إلى اليهود الذين قالوا في الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. الآية، الشاهد أنه لما قالوا هذه المقولة استحقوا اللعن. والآن في أوساط المسلمين من بلغ في إساءة الأدب مبلغًا عظيمًا، فيسب الله سبحانه وتعالى جهرًا بألفاظ سيئة قبيحة، والناس وكثير من المسلمين لا ينكر عليه. بل ربما إذا قام أهل الصلاح ووقفوا له وذكروه ومنعوه، فإذا بطوائف من الناس يقولون: «دعوه، أنتم لستم ربه»، بمثل هذه الكلمات التي لا يجوز أن تخرج من المسلمين. بل أن يقفوا يدًا واحدة ضده. في كل من يستهزئ بالله سبحانه وتعالى. لهذا تعجب يوم أن تسمع السب لله، ربما حتى من الصغار، سب فظيع وشنيع بألفاظ سيئة، ما يقدر الإنسان أن يتلفظ بها على سبيل الحكاية والإخبار، فكيف يجري هذا ممن ينتسب إلى الإسلام وأهله يتلفظ بها في حق الله سبحانه وتعالى؟ فهذا من سوء الأدب مع الله سبحانه. الانقطاع عن طاعة الله: بعض الناس لا يعرف ربه إلا في رمضان، وإذا ولى رمضان انقطع عن عبادة الله وعن الصلاة. هذا أيضًا من سوء الأدب. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. يأمرك ربك، لأن من حسن الأدب مع الله امتثال أوامره. فكونك تنقطع ولا تبالي بأوامر الله فقد أسأت الأدب مع الله سبحانه وتعالى. فاحذر أيها المسلم أن تسيء الأدب مع خالقك ورازقك، والمسد لك النعم بالليل والنهار. ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. علينا أن نحسن أخلاقنا مع الله، حتى وإن عادانا، وإن فعل بنا الناس ما فعل. ولهذا يقول القائل: فليت الذي بيني وبينك عامر *** وبيني وبين الناس خراب الإنسان لا بد أولًا أن يحسن خلقه مع الله، ويعظم ربه، ويمتثل أوامر ربه سبحانه. وكذلك من أحق ما يجب علينا أن نحسن خلقنا معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبيبنا عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. هذا قيس بن... أنتم تعلمون، كان رفيع الصوت، يعني ما هو تعمدًا، فلما نزلت هذه الآية قال: «حبط عملي، أنا في النار»، ومكث في بيته. فلما سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال أحدهم: «أنا سآتيك بخبره». فذهب فجاء بخبره، فقال له: «قل له: بل أنت في الجنة». انظروا إلى الصحابة، كان بعض الصحابة يقول: «والله لا أستطيع أن أصف رسول الله، فإني كنت لا أستطيع أن أطرف بصري إليه» تعظيمًا له عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك أساء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم طوائف ممن ينتسب إلى أهل الإسلام. فأهل البدع، أهل البدع يعتبرون في المقدمة في الإساءة للأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين خالفوا سنته. لأن من لوازم حسن الخلق مع رسول الله أن نتأسى به وأن نتبع سنته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. ولهذا قال الإمام مالك: «من أحدث في الدين شيئًا ما ليس منه فقد اتهم محمدًا صلى الله عليه وسلم بالخيانة»، أي خان الأمانة. هذا سوء أن نحدث في دين الله، وأن نأتي بأشياء لم يأتِ بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا القرآن، أيها الإخوة في الله، القرآن أيضًا مما يجب أن نحسن أخلاقنا معه، فالقرآن كتاب ربنا. ولهذا أوجب بعض أهل العلم الوضوء عند مس المصحف: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. من حسن الأدب، إن لم نقل وجوبًا، الوضوء إذا قرأنا القرآن من المصحف. وهكذا أيضًا أن نصدق الأخبار التي فيه، وأن نعمل بالأوامر، وأن ننتهي عن النواهي التي جاءت في هذا الكتاب، الذي قال الله عز وجل فيه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وربنا سبحانه وتعالى أثنى على كتابه في كثير من المواطن، وما ذاك إلا من أجل أن نعظمه. ألا وإن من سوء الأدب مع كتاب ربنا أن لا نعمل بما جاء فيه، وأن لا نصدق بما جاءت فيه من أخبار، وأن نهمش هذا الكتاب ونضعه في الرفوف، ونقبل على القنوات والأفلام والمسلسلات نظرًا وجلوسًا وتفحصًا وتمعنًا، وكتاب ربنا صار في الرفوف، حتى أنه صار في بعض البيوت كالزينة فقط. هذا من سوء الأدب مع القرآن يا عباد الله. لقد صار كثير من المسلمين الآن يقبلون على ما يعود عليهم بالشر، وما هذه الأخلاق السيئة إلا يوم أن ترك المسلمون كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا على ما يصدر وما يأتي من أعدائنا، حتى لو جاء على ألسنة ممن ينتسب إلى الإسلام. فهؤلاء إما متصوّف على الإسلام وأهله، وإما متعاون عن جهل مغرر به. هذا مسوء الأدب. وقال الرسول: «يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا». فالقرآن صار مهجورًا. بعض الناس لا يعرف القرآن إلا في رمضان، ويقرأه قراءة عابرة، لا يتدبر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. فالقرآن يا عباد الله علينا أن نحسن أخلاقنا مع كتاب ربنا، وأن نؤمن أنه كلام ربنا، تكلم به بحرف وصوت، منه صدر وإليه يعود. وقد أساء كما سمعتم طوائف، طوائف أساءت في القرآن، أساءت الأدب، وقالوا فيه ما ليس فيه، وحرفوه، وعطلوه، واستدلوا به على باطلهم. ربما يستدل على الشرك والكفر، ويأتي بآية من القرآن. بل صار القرآن دعاية وإعلانات على بعض المحلات وعلى بعض الدكاكين، وهو لا يعمل بما جاء بالقرآن. ولهذا يقول حذيفة أو عبد الله بن مسعود: «عليكم بكتاب الله، فمن تمسك به ساقه إلى الجنة، ومن لم يتمسك به زجه من قفاه إلى النار». فمن حسن الأدب كما سمعتم عن القرآن أن نعمل بما جاء فيه، فهو يدعو إلى توحيد الله، وإلى طاعة الله، وإلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أيضًا أيها الإخوة في الله، حسن الخلق يكون أيضًا مع الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». ومن أولى الناس أن نحسن أخلاقنا لهم الأبوان، الأبوان. فالأب والأم في المراتب الأولى. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. إن بعض المسلمين ربما لم يسلم أبوه من الضرب، والعياذ بالله، بل تمادى بعضهم إلى القتل. وبعضهم ربما ممن يظهر منه الخير والصلاح، ومع ذلك تجد أنه سباب لوالديه، شتام لوالديه، وهذا من الكبائر والعياذ بالله. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، ليس هناك كلمة أقل من هذا، ومع ذلك لا يجوز لك أن تقول لوالديك. فالله الله أيها الإخوة، بالله، خاصة إذا كبر الأبوان، يحتاجان إلى الصبر ومصابرة بسبب ذلك. وختامًا أيضًا من الناس الذين هم في المرتبة الأولى أن نحسن أخلاقنا لهم: العلماء، ورثة الأنبياء، الذين رفعهم الله، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. والآيات كما تعرفونها، والمقام لا يتسع إلى بسطها. لكن ظهرت نابتة الآن، ربما ممن ينتسب لأهل الحق، ويدعي أنه يذب عن السنة وأهلها، وهو يطحن السنة طحنًا بأفعاله وأقواله. لأن السنة، بل القرآن، يدعوان إلى تعظيم العلماء، التعظيم الشرعي من غير إفراط ولا تفريط، نعرف حقهم ومكانتهم. كيف لا وهم ورثة الأنبياء؟ فمن أهان العلماء فقد أهان الأنبياء، وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه دعا عليه الصلاة والسلام إلى احترام العلماء، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». والسيرة معروفة، والتاريخ معروف، ومنهج السلف... حتى قال السلف: «إن من علامات أهل البدع الطعن في أهل الذكر»، أي في أهل العلم. ولا تغتر بمن يدعي زورًا أنه يدافع عن الحق ويريد الحق، وهو يطعن في العلماء، ويسقط العالم تلو العالم. والله ما عرفنا هذا إلا من أهل البدع. ما عرفنا تعظيم العلماء إلا من أهل السنة، وتحقير العلماء إلا من أهل البدع، حتى وإن انتسب إلى أهل السنة، فانتسابه لا ينفعه إذا كان قد اتخذ هذا أصلًا يطعن في العلماء. وإذا أسقطنا العلماء، فمن للناس يا عباد الله في مثل هذه الفتن؟ والله يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. الله يقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وهذا يحط العلماء. هذه مخالفة صريحة لكلام الله. إن من حسن الخلق أن نرفع من قدر العلماء، خاص بهذا الزمن الذي صار أهل البدع يرفعون من علمائهم، وربما لا يحسن أن يقرأ الفاتحة، وقد خالف في أصول الإسلام، وإذا بهم يظهرونهم بأنهم الجهابذة والأئمة. وقد صار أهل البدع الآن يقال لواحد منهم: «هذا مفتي، مفتي الأمة، وهذا عالم الإسلام»، وهو لا يسوى شيء. ونحن نسعى لإسقاط علمائنا واحتقارهم وتزهيد الناس عنهم، نرميهم بالرذائل والقبائح. من يفعل هذا يا عباد الله في هذا الزمن؟ بل هذا الزمن أحرى أن نذب عن علمائنا، وأن نعرف لهم قدرًا، وأن نعرف الناس بعلمائنا. وإلا إن صرف الناس إلى علماء السوء، علماء القنوات الباطلة، إلى علماء الشر من الرافضة وغيرهم، إذا أسقطنا علماءنا. فإذن العلماء هم أيضًا من الناس الذين يجب علينا أن نحسن أخلاقنا معهم. واقرؤوا، اقرؤوا سيرة السلف: كان الإمام أحمد إذا فتح الكتاب يفتحه يعني بهدوء، فلما سئل قال: «لا أريد أن يرتفع صوته في مجلس الإمام الشافعي». وكان بعد أن مات الإمام الشافعي يدعو له ويستغفر له، كما أنتم تعلمون. فهكذا هم العلماء، تربينا على احترام العلماء وتقدير العلماء. أما أن يربي طلبة العلم وأحداث الأسنان على مجاراة العلماء والطعن فيهم والتطاول عليهم، لا خير في دعوة لا تعرف لعلماء حقًا ولا تقدر علماء. هذه دعوة فاجرة، والله لو كان عنده من العلوم ما كان عنده، لن يربي عام من ينتسب إلى أهل العلم، ويقيم دعوة تقوم على إسقاط العلماء وطعن العلماء. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن أخلاقنا، وأن يرزقنا الإخلاص، وأن يثبتنا وإياكم على طاعته، وأن يختم لنا ولكم بالحسنى. وسامحوني على الإطالة، والله أعلم. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.