الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 65، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
القاعدة السادسة تحدد ضابط ما ينفى عن الله تعالى من الصفات، حيث يجب نفي كل ما يدل على العيب أو النقص في كمال الله أو مماثلته للمخلوقين. استدل المؤلف بآيات قرآنية تؤكد ذلك.
الدرس يبين أن خلق الله للسماوات والأرض في ستة أيام دليل على الحكمة وليس العجز، كما ينفي المماثلة بين الله والمخلوقين في الأسماء والصفات. الاعتماد على مجرد نفي التشبيه غير كافٍ في ضابط النفي.
المقطع يوضح أن وجود صفة مشتركة بين الخالق والمخلوق لا يعني المماثلة التامة، حيث تختلف صفات الخالق عن المخلوق في الكيفية والخصائص. مثال ذلك حياة الخالق والمخلوق.
الدرس يشير إلى أن التخصيص والإضافة تجعل كل شيء مميزًا بخصائص فريدة، ويعد تمهيدًا لاستكمال شرح القاعدة في الدرس اللاحق.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال مؤلف كتابنا، رحمه الله تعالى: القاعدة السادسة في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه نفيًا وإثباتًا. قال رحمه الله: صفات الله تعالى دائرة بين النفي والإثبات كما سبق، فلابد من ضابط لهذا وذاك. فالضابط في النفي أن ينفى عن الله تعالى أولًا: كل صفة عيب، كالعمى والصمم والخرس والنوم والموت ونحو ذلك. ثانيًا: كل نقص في كماله، كنقص حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته أو نحو ذلك. ثالثًا: مماثلته للمخلوقين، كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق، ونحو ذلك. فمن أدلة انتفاء الأول عنه قوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، فإن ثبوت المثل الأعلى له -وهو الوصف الأعلى- يستلزم انتفاء كل صفة عيب. ومن أدلة انتفاء الثاني قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾. ومن أدلة انتفاء الثالث قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه، وذلك لوجهين. وسيأتي تكملة هذا. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه القاعدة، وهي القاعدة السادسة في ضابط ما يجوز لله تعالى ويمتنع عنه نفيًا وإثباتًا. ما هو الضابط في هذا؟ يجب معرفة الضابط في هذا فيما ينفى عن الله، وفيما يثبت لله جل وعلا. لأن معرفة هذا الضابط ترد كثيرًا من الإشكالات، ويرد به على أهل البدع وعلى شبهاتهم. لكن إذا لم يسِر العبد على هذا الضابط فيما يتعلق بما يثبت لله وما ينفى عنه، فإنه ربما يحتج عليه أهل البدع من أهل التعطيل، بل ربما يحتج عليه حتى اليهود والنصارى. ذكر المؤلف رحمه الله هذا في هذه القاعدة في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه، ما يجوز لله ويمتنع عنه نفيًا وإثباتًا. فذكر رحمه الله تعالى أولًا ضابط ما ينفى عن الله، بعد أن بيّن رحمه الله أن صفات الرب جل وعلا دائرة بين النفي والإثبات. قال: فلابد من ضابط لهذا وذاك، والمراد بقوله: "لهذا وذاك" أي لما ينفى ولما يثبت لله جل وعلا. فذكر الضابط في النفي، وأنه أن ينفى عن الله تعالى أولًا كل صفة عيب. فكل صفة فيها نقص وفيها عيب فتنفى عن الله جل وعلا. ذكر أمثلة لذلك كالعمى والصمم والخرس، العمى الذي هو عدم البصر والروية، والصمم وهو عدم السماع، والخرس عدم الكلام، والنوم والموت ونحو ذلك، أي من صفات النقص والعيب تنفى عن الله. وقدم هنا الضابط في النفي على الضابط في الإثبات مسايرة ومتابعة للنص، لأن النفي قدم على الإثبات، "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، فبدأ أولًا بالنفي "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" إثبات. بل حتى كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" تضمنت النفي والإثبات، والنفي فيه مقدم على الإثبات، لأنه لابد كما يقال من التخلية قبل التحلية. فلذلك قدم الضابط في النفي، لأن النصوص جاء فيها تقديم النفي عن الإثبات في المحكم في هذا الباب. فنفى عن الله جل وعلا كل نقص عيب، ثم أثبت له جل وعلا الكمالات التي تليق به جل وعلا. ثم قال رحمه الله، وسيأتي تفصيل عند ذكره للأمثلة. ذكر الثاني: أن ينفى عن الله جل وعلا كل نقص في كماله، كنقص حياته أو علمه أو قدرته أو عزته أو حكمته. فكل نقص في كمال الله جل وعلا، وكل صفة توهم النقص في كمال الله جل وعلا أو في علمه أو في قدرته، فإنها تنفى. كذلك تنفى صفة النقص، والصفة التي توهم النقص تنفى عن الله جل وعلا، صفة النقص والصفة التي توهم النقص في كمال الله جل وعلا، في كمال حياته أو علمه أو قدرته أو قوته أو عزته. ثالثًا: ينفى مماثلته للمخلوقين، ينفى عن الله المماثل للمخلوقين، فلا يجعل الله جل وعلا مثيلًا ولا ندًا ولا كفوًا ولا سميا، لا لأسمائه ولا لصفاته جل وعلا. ثم ذكر رحمه الله تعالى الدليل على انتفاء الأول، وهو ما ينفى عن الله جل وعلا كل صفة عيب، وأنه ينفى عن الله جل وعلا كل صفة عيب. قال: قوله تعالى: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، فإن ثبوت المثل الأعلى له -وهو الوصف الأعلى- يستلزم انتفاء كل صفة عيب. ينفى عن الله جل وعلا كل نقص وعيب، نعم، وكل صفة عيب نقص، لأن الله جل وعلا له المثل الأعلى، ﴿ولله المثل الأعلى﴾، ومعنى المثل الأعلى الوصف الأعلى. ومن اتصف بالوصف الأعلى، نعم، يستلزم هذا الوصف له انتفاء كل صفة نقص وعيب. قال رحمه الله تعالى: ومن أدلة انتفاء الثاني، أي نفي كل نقص في كماله، قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾. هذه الآية ربما توهم النقص في كمال الله، وفي كمال قدرته جل وعلا. يقول القائل: لماذا خلق الله جل وعلا السماوات والأرض في ستة أيام؟ ربما يتوهم أن هذا فيه مشقة على الله جل وعلا، وأن هذا الأمر لا يتأتى بسرعة لله جل وعلا. فاحتاج إلى هذه المدة، فلما كان هذا يتوهم، فإن الله جل وعلا نفى ذلك عنه، قال سبحانه: ﴿وما مسنا من لغوب﴾، يعني من نصب ولا تعب. لا تفهم أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في ستة أيام لأنه غير قادر على أن يخلق السماوات والأرض في أقل من ذلك، لا، أو أن يلحقه التعب إذا كان يخلق السماوات والأرض في أقل من "ذلك، أو أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأصابه التعب والنصب، لا. اليهود -عليهم لعنة الله- هم الذين وصفوا الله جل وعلا بالنقائص والعيوب، فزعموا أن الله جل وعلا تعب، فاستراح في اليوم السابع. ولذلك يجعلون هذا اليوم استراحة وإجازة عندهم. قال سبحانه: ﴿وما مسنا من لغوب﴾، لكن لحكمة، نعم، خلق الله جل وعلا السماوات في ستة أيام. وإلا لو شاء الله جل وعلا أن يخلق السماوات والأرض في لحظة، "وكلمح البصر" نعم، لما ذلك على الله جل وعلا ببعيد، كما قال جل وعلا: ﴿إنما أمرنا واحدة كلمح بالبصر﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: أي إذا أراد شيئًا أن يكون وأن يحصل، فإنه لا يتأخر طرفة عين، فإنه لا يتأخر طرفة عين. بمعنى أن الله جل وعلا إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: "كون" فيكون. لو أراد أن تكون السماوات والأرض في لحظة، لقال جل وعلا وأمر بأن تكون السماوات والأرض في لحظة، فكانت، نعم، لكن لحكمة علمها الله، وقدرها الله، وقضاها. أن جعل هذا الخلق للسماوات والأرض بهذا التقدير في ستة أيام. ولعل بعضهم استنبط حكمة من هذا، وهي تعليم عباده، تعليم عباده يتدرج في الأمور، وأن الأمور يتدرج فيها. وإلا فالله جل وعلا لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فمن أدلة انتفاء كل نقص في كمال الله جل وعلا، أو حياته أو علمه أو قدرته سبحانه وتعالى. فكل ما يكون نقصًا لكماله ولصفاته، فإنه ينفى عن الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ومن أدلة انتفاء الثالث، أي نفي مماثلة المخلوقين لله جل وعلا، قال سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء﴾. فالله جل وعلا نفى المماثلة له جل وعلا لأسمائه ولصفاته، لأنه متفرد جل وعلا بالأسماء الحسنى والصفات العلى، فلا يماثل أحدًا لأسمائه ولصفاته جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وبهذا علم أنه لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه، وذلك لوجهين. الوجه الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق، أي نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق، فإن هذا لغو من القول، إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه. بحيث يثبت لأحدهما من الجائز والممتنع والواجب ما يثبت للآخر. ولا يمكن أن يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه. وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة. وإن أريد بالنفي نفي مطلق التشابه، أي نفي التشابه من بعض الوجوه، فهذا النفي لا يصح، إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن آخر، فيشبهان من وجه ويفترقان من وجه. ذكر رحمه الله تعالى أن الاعتماد على ضابط النفي في ما ينفى عن الله جل وعلا على مجرد نفي التشبيه، هذا لا يصح. معناه: إذا قلنا: ما هو الضابط فيما ينفى عن الله جل وعلا؟ إذا قال شخص: الضابط أنك تنفي عن الله جل وعلا التشبيه. تنفي عن الله جل وعلا التشبيه لصفاته، هل هذا يصح الضابط؟ الجواب: لا يصح. قال: وذلك لوجهين. الوجه الأول: أنه أريد بالنفي نفي التشابه المطلق، معنى التشابه المطلق يعني التشابه من كل الوجوه، تشابه مطلق بمعنى التشابه من كل الوجوه، المطابقة والتطابق، نعم. فإذا أريد بقوله: "ينفى عن الله جل وعلا التشبيه" بمعنى التشبيه المطلق، فإن هذا لغو من القول لا فائدة منه، لماذا؟ لأنه لم يقُل أحد بذلك. لا يوجد هناك أحد من المخلوقين، نعم، من أول الزمن إلى آخره يقول وسيقول بأن المخلوق يماثل الخالق من كل الوجوه، يعني يطابقه، نعم. ما أحد قال بهذا، لا كفار قريش الذين عبدوا اللات والعزى ومناة وهبل، نعم، ولا النصارى ولا اليهود، ما أحد قال: هناك رب العالمين له مثيل يماثله من كل الوجوه، نعم. لأن هذا قول بأن في الكون ما لا إلهين، نعم، متماثلين. وهذا لم يقُل به أحد حتى المجوس، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قد ذكر في "مجموع الفتاوى" أنه لم يقُل أحد بهذا أبدًا. ما أحد هناك قال بأن المخلوق يماثل الخالق من كل الوجوه، ويشابهه التشابه المطلق حتى المجوس الذين قالوا: إن الكون خالقين، خالق الشر وخالق النور. لم يجعلوا هذين الآلهين متساويين، لا، بل قالوا: إله النور أفضل من إله الشر. فإله النور يستحق أن يحمد ويمدح، وأما إله الشر فيستحق أن يذم ويلعن. حتى مع قولهم بأن في هذا الكون، نعم، خالقين، قالوا: خالق النور أفضل من خالق الشر، وإله النور أفضل من إله الشر. إذن ما جعلوهما حتى جعلوا إلهين ولم يجعلوا هذين إلهين متساويين. حتى المجوس، معنى هذا أنه لم يقُل أحد أصلا لم يقُل أحد أصلا بأن هناك تماثل بين الخالق والمخلوق من كل الوجوه، التشابه المطلق والمطابقة. فإذا اعتمدت في نفي الصفات عن الله جل وعلا على ضابط نفي التشبيه، وأردت به أن ينفى عن الله المماثلة، يعني من كل الوجوه، فهذا لغو من القول لا فائدة منه، لأنه لم يقُل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه. بحيث يثبت لأحدهما من الجائز الممتنع والواجب ما يثبت للآخر. حتى المجوس جعلوا لإله الخير -إله النور- ما لم يجعلوه لإله الشر، فجعلوا لإله النور ما يحمد وما يمدح، ولإله الشر ما يذم وما يلعن. وهكذا كفار قريش ما قالوا: اللات والعزى مثل رب العالمين، نعم، هي مثل رب العالمين تخلق وترزق وتحيي ولها صفات كصفات رب العالمين أبدًا. وإن لم يتخذوهم شركاء ووسائط، نعم، تشفع لهم عند الله جل وعلا، ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال رحمه الله تعالى: ولا يمكن أن يقوله عاقل، ما أحد ما في عاقل يقول هذا الكلام، نعم، يتصور ما يقول ويعلم ما يقوله. بل ربما حتى المجنون ربما لا يقول هذا الكلام. ما هو إلا العاقل حتى المجنون ما يمكن أن يقول هذا الكلام، نعم، يقول: لله سبحانه وتعالى مثيل يماثله، نعم. المجنون ما سيقول، فضلا عن العاقل، فضلا عن العاقل الذي أنعم الله جل وعلا عليه بالعقل الذي به ينظر في ملكوت الله جل وعلا. قال: فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، يعني هذا منتفي غير موجود أصلا في الواقع لا يقول به أحد. قال: وإذا كان كذلك لم يكن لنفيه فائدة. قال: وإن أريد بالنفي نفي مطلق التشابه، أي نفي التشابه من بعض الوجوه، فهذا النفي لا يصح. إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك من بعض الوجوه، فهذا النفي لا يصح. فقال: وقدر مختص يتميز به كل واحد عن آخر، فيشبهان من وجه، عندي في النسخة: "فيشتبهان" لعل الصواب "فيشبهان". لعل التاء سقطت، تاء الذي بعد الشين سقطت، "فيشتبهان من وجه" ويفترقان من وجه. وضرب مثالا بالحياة، الحياة وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، كيف وصف مشترك بين الخالق والمخلوق؟ أي أن الله جل وعلا حي، والمخلوق كذلك حي. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يخرج الحي من الميت﴾. فالله جل وعلا وصف نفسه بأنه حي سبحانه وتعالى، ووصف عبده بأنه حي، قال: ﴿يخرج الحي من الميت﴾. إذن هذا وصف مشترك، وصف مشترك بين الخالق والمخلوق. لكن هل هذا الوصف المشترك بين الخالق والمخلوق يستلزم المماثلة بين الخالق والمخلوق؟ أبدًا. الخالق حي وحياته تليق به جل وعلا، لأنه الحي الذي لا يموت. أما حياة المخلوق فإنها آيلة إلى الموت وتنقطع، لخلاف حياة الخالق. ولذلك قال جل وعلا: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾. وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه: "فإنك الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون". فإذا وصف مشترك بين الخالق والمخلوق في الحياة، نعم، لكن حياة الخالق تليق به جل وعلا، فتختص به. وإن حياة كاملة من جميع الوجوه، لم تسبق بعدم، حياة الخالق لم تسبق بعدم. حياة المخلوق المخلوق قبل أن يكون حيا كان معدوما. المخلوق قبل أن يكون حيا كان معدوما، السماوات كانت معدومة، الأراضون كانت معدومة، أوجدهما الحي الذي لم تسبق حياته بعدم، وهو الله جل وعلا. فحياة الخالق غير مسبوقة بعدم، وغير منتهية بفناء، بخلاف حياة المخلوق. فهي مسبوقة بعدم، كان عدما. وهكذا هي حياة منقوصة ومتبوعة بفناء، كما قال جل وعلا: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. والأفضل في هذه الآية الوصل، كما ذكر السلف، الأفضل الوصل. يعني أن تقرأ هكذا: "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" أفضل من الوقف عند قولك: "كل من عليها فان" و "يبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". الأفضل أن تصل، قال السلف ذلك، لماذا؟ لأن هذا فيه إظهار نقص المخلوق وضعف المخلوق وأنه هالك. أما الله جل وعلا فإنه الباقي سبحانه وتعالى، الذي هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام". قال رحمه الله: بخلاف حياة المخلوق، فإنها حياة ناقصة، مسبوقة بعدم، متلوة بفناء. قال الله تعالى: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. قال: فالقدر المشترك وهو مطلق الحياة، كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر. لكن ما يختص به كل واحد يتميز به، لم يقع في اشتراك. ولعله كذا صواب: فيه اشتراك لم يقع فيه اشتراك. وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي. الكل، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركا للآخر فيما يختص به. فهذا الكلام واضح، يعني المشاركة في الوصف، وفي ذلك القدر لا يلزم المماثلة بين الموصوفين، لأنه اشتراك في المعنى. في المعنى الكلي الذي قد تقدم معنا مرارا، وهو اشتراك الألفاظ في المعنى في الأذهان. اشتراك الألفاظ في المعنى في الأذهان، المعنى الكلي الذهني قبل الوجود والاختصاص في الواقع. لأنه إذا حصل وجود وحدود في الواقع اختلف. أما في الذهن فالألفاظ لها معنى تشترك فيه، ومعنى واضح. وهذا معنى كلي يكون في الذهن قبل الوجود في الواقع. وأما عند الاختصاص وبعد الاختصاص والإضافة فيحصل التمييز. فهذا لا محذور فيه، الاشتراك بين اسم الله الخالق، بسم الله الحي، بسم الله العليم. وهكذا واتصاف العبد بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، اشتراك بين هذه الألفاظ. وفي الوصف الذي اتصلت عليه في المعنى الكلي الذهني لا محذور فيه. لكن المحذور أن تجعل الخالق مثل المخلوق، وأن تجعل ما للخالق هو للمخلوق، ويشاركه في ذلك. لأن كل واحد بعد الإضافة والتخصيص يتميز عن غيره، ويختص بأمور يختص بها عن غيره. وإن شاء الله تعالى نكمل ما في هذه القاعدة في الدرس اللاحق إن شاء الله.