الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 302، ألقاها
ذكر حديث زيد بن خالد الجهني الذي يبين حكم قول المرء مطرنا بنوء كذا وكذا، حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى مؤمن وكافر بناء على نسبة المطر إما إلى الله أو إلى النجوم. الإمام البخاري ترجم لهذا الباب في كتابه الأدب المفرد.
النبي عليه الصلاة والسلام بين أن من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهو مؤمن، ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهو كافر بالله، نسبة المطر إلى النجوم كفر إما أكبر أو أصغر حسب اعتقاد الشخص. يناقش أيضًا الفرق بين قول "مطرنا بنوء كذا" و"مطرنا في نوء كذا".
أول واجب على العبيد هو تحقيق التوحيد لله تعالى. يُظهر المقطع أسلوبًا تعليميًا يستخدمه النبي عليه الصلاة والسلام في التعليم ويشير إلى أهمية التوحيد وتعلم أحكامه وخطورة الإخلال به.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب قول الرجل: "مطرنا بنوء كذا وكذا". قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني، أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليلة، فلما صرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب قول الرجل: مطرنا بنوء كذا وكذا"، وأنه منزل من منازل القمر. والقمر عدة منازل، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ وهي ثمانية وعشرون منزلا، على مدار السنة، في كل منزل يطلع القمر من المشرق، ويسقط آخر من المغرب. وقوله: "قول الرجل: مطرنا بنوء كذا وكذا"، أي: ما حكم قول المرء: مطرنا بنوء كذا وكذا، أي: بنسبة المطر إلى النوء وإلى الكوكب أو النجم. فذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية، أي: في وقت صلح الحديبية الذي كان في السنة السادسة من الهجرة. قال: "على أثر سماء كانت من الليلة"، يعني: مطر أمطرت في تلك الليلة، فصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلما انصرف، أي: من صلاته، أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: "الله ورسوله أعلم". قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، أي: قال الله عز وجل: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر". والمراد بالعبودية هنا عبودية الربوبية، فجميع الخلق عباد لله سبحانه وتعالى، ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. فأما من قال: "مطرنا بفضل الله ورحمته"، فذلك مؤمن بالله جل وعلا كافر بالكوكب؛ لأنه نسب المطر إلى المنزل له والخالق لها، هو الله سبحانه وتعالى، ونسب النعمة إلى المنعم سبحانه وتعالى. وقوله: "بفضل الله ورحمته"، هاتان صفتان لله جل وعلا من الصفات الفعلية. ومن قال: "مطرنا بنوء كذا وكذا"، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، الذي نسب النعمة إلى غير الله، إلى هذا النوع وهذا الكوكب. فنسبة المطر إلى النوع يعتبر كفر، وهو على قسمين: إما كفر أكبر إن اعتقد أن هذا النوع ينزل المطر بنفسه، فذلك كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأنه حينئذ يعتقد أن هناك فاعلا مع الله سبحانه وتعالى ومتصرفا. وإن اعتقد أن هذا النوع سبب لنزول المطر، فهو كفر أصغر؛ لأنه اعتقد شيئا أنه سبب، وهو ليس بسبب في إنزال المطر. فتبين جواب الترجمة الذي ترجم بها الإمام البخاري رحمه الله في هذا الباب: "باب قول الرجل: مطرنا بنوء كذا وكذا"، فيكون هذا القول كفر؛ كفر أكبر إن اعتقد أن النوع ينزل المطر بنفسه، ويكون كفرا أصغر إن اعتقد أنه سبب لإنزال المطر. والواجب نسبة المطر إلى الله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث بيان حكم من قال: "مطرنا بنوء كذا وكذا". وأما من قال: "مطرنا في نوء كذا وكذا"، فهذا جائز؛ فرق بين أن يقول: "مطرنا بنوء" بالباء، وبين من قال: "مطرنا في نوء" بالإتيان ب "في" الظرفية. فالإتيان بالباء السببية فهنا لا يجوز كما في هذا الحديث، وأما إن قال: "مطرنا في نوء كذا وكذا"، أي: في وقت المنزل الفلاني من منازل القمر، فهذا ليس فيه شيء؛ لأنه حينئذ لم ينسب المطر إلى النوء، وإنما أخبر أن نزول المطر كان في نوء كذا وكذا. وفيه أيضا أسلوب من أساليب العلم وطرحه، وهو بالسؤال، كفي قوله عليه الصلاة والسلام: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" هذا أسلوب من أساليب التعليم أن يسأل المعلم. وفائدة ذلك أن ينتبه المستمع إلى الجواب، فإنه إذا سئل كان متشوقا لمعرفة الجواب، فيكون ذلك أدعى لحفظه وفهمه. وكذلك أيضا قولهم رضي الله تعالى عنهم: "الله ورسوله أعلم"، هذا كما قال أهل العلم: يقال في حياة النبي عليه الصلاة والسلام. وأما بعد موته، فيقال: "الله أعلم". وكذلك أيضا في قوله: "أصبح من عبادي مؤمن به وكافر"، فيه بيان أهمية التوحيد، وما ينبغي على المسلم أن يعتني به من معرفة مسائل التوحيد وتعلم أحكامه؛ فرب قول يقوله الإنسان يكون سببا في كفره وإخلاله بتوحيده. وهذا يدل على أن أمر التوحيد أمر مهم ينبغي أن يعتني به المسلم، وهو أعظم الواجبات والفرائض التي فرضها الله سبحانه وتعالى، وأرسل لأجلها الرسل، وأنزل الكتب، هو أمر التوحيد وتحقيقه، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فأول واجب على العبيد هو تحقيق أمر التوحيد لله سبحانه وتعالى. والحديث حديث زيد بن خالد، هو في الصحيحين، فهو حديث صحيح.