الدرس في كتاب الإيمان 27، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان ينقص بالمعاصي كما يزيد بالطاعات، ونفي الإيمان في الأحاديث يعني نقصانه وليس الكفر. هذا الفهم يستند إلى تفسيرات العلماء للأحاديث النبوية.
نفي الإيمان عن العاصي يعني نقصانه وقت المعصية وليس الكفر المطلق، وتختلف آراء العلماء في تفسير ذلك. التوبة تمحو الذنوب وتعيد الإيمان إلى كماله.
التوبة لها ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، الندم عليه، وعدم العزم على العودة. إذا استوفيت هذه الشروط، فإن التوبة تجب الذنوب وتكفرها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». وزاد في رواية: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن». قال: أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب، الباب الرابع والعشرون، وهو في سياق ذكره لأبواب كتاب الإيمان، وعلى قاعدته، فالباب هو ما بوّب له على أحاديث مسلم. والحديث الذي أورده قد اتفق عليه الشيخان، البخاري ومسلم، وهو على قاعدته. لفظ الإمام البخاري في الموضع الذي ذكره، فقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الأشربة، كما أشار رحمه الله، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا بن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن المسيب يقولان: قال أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث بلفظه إلى قوله: «حين يسرق وهو مؤمن». ثم قال البخاري رحمه الله: وقال ابن شهاب، وأخبرني عبد الملك عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، النبابكر كان يحدثه عن أبي هريرة، فزاد فيه: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف إلى قوله: حين ينتهبها وهو مؤمن». فهذه الزيادة من طريق ابن الشهاب عن عبد الملك، كما أشير إليه. فاللفظ لفظ الإمام البخاري، قد رواه الإمام مسلم رحمه الله بلفظ قريب منه أو مثله. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها في هذا الحديث أولا: ما بوّض له من أن الإيمان ينقص بالمعاصي ويزيد بالطاعات، فالإيمان كما تقدم: اعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وفيه كذلك: أن ما جاء من الأحاديث فيها نفي الإيمان، فليس نفيه إثبات للكفر، ولكنه يفسر بأحد تفسيرين: إما أن النفي نفي للكمال، كما أشار رحمه الله هنا بقوله: «ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله». هكذا جاء. وجاء أن بعضهم فسره بتفسير آخر. وعلى هذا: يحكى المروية عن أحمد وسفيان أنهما كره تأويل أحاديث الوعيد، فرارا وكراهية الوقوع في التحريف، لأن هذا الباب ضلت فيه طائفتان: طائفة المرجئة الذين غلبوا أحاديث الوعد، وطائفة الوعيدية الذين غلبوا أحاديث وأدلة الوعيد. ودين الله عز وجل بين هؤلاء وهؤلاء. فكراهية الوقوع في التحريف الذي سلكه من المرجئة، ولكن ليس معنى ذلك أنهما كان يقولان بالتكفير، وهو الخطأ الآخر الذي سلكه من ظل في باب الوعيد. ولكن كره تأويل أحاديث الوعيد بأن تمضي كما جاءت على العدل والحق الذي هو بين ظلال الوعيدية. وهكذا في المقابل المرجئة. وعلى هذا: هل يحمل معناه نفي عدم نفي كماله، أنه يستلزم القول بالتكفير؟ لا شك أنه لا يستلزم ذلك، لكن يفسر كما فسرت به بعض الأحاديث من أن الإيمان يرتفع عن صاحبه في وقت المعصية، فلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أي: إيمانه يرفع عنه. وهكذا لا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف كذلك يرفع الناس إليه أبصار فيها حين ينتهب وهو مؤمن. وهكذا ما جاء في بعض الروايات الأخرى، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ذكر الغلول، قال مسلم رحمه الله في رواية: «ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن». قال في آخر الحديث: «فإياكم إياكم». فكل هذه المعاصي: نفي الإيمان فيها على تفسير هذين الإمامين ومن وافقهما، ليس نقصا في الإيمان ونفي الكمال فحسب، ولكنه على ظاهره من نفي الإيمان بمعنى ارتفاعه، لكنه لا يكون به كافرا. وبسره شيخ الإسلام رحمه الله بأنه يكون على أحد تفسير ثلاثة: قال: فمثله كمثل مضطرب العقيدة الذي يغلب معنى الرجاء، فإنه إذا غلب معنى الرجاء صار عنده بهذا التغليب الإيمان مرتفعا عنه. والثاني: وهو مما يلحق بهذا الوصف، أنه تغلب عليه الشهوة حتى يكون الإيمان عنده كالعقل بالنسبة للنائم والسكران، النائم والسكران: هل نصفه بأنه مجنون؟ الجواب: لا. وهل هو يعقل كما يعقل من في صحوه؟ الجواب: كذلك لا. فعقله موجود، لكنه لا ينتفع به. فهكذا كذلك بالنسبة للمؤمن في حال معصيته. وكذلك فسر أو قرب المعنى ثالثا بقوله رحمه الله: أنها كالغفلة والذهول التي تقع عن عظمة الرب أثناء تلك المعصية. وهذا واقع. وقد جاء عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان كأنه ظلة، فإذا انقطع منها رجع إليه الإيمان». معناه: أن الإيمان يرتفع من صاحبه في وقت المعصية، ويكون في وقت المعصية ذاهلا عن إيمانه وبعيدا عن إيمانه، وفي نفس الوقت لا يصح أن نصفه بأنه كافر، وفي نفس الوقت يصح أن نصفه بأنه مؤمن ناقص الإيمان. فعلى كل الأقوال: التفسير بهذا الذي عليه جمهور أهل السنة: أنه نقصان في الإيمان ونفي للكمال صحيح، وعلى التفسير الآخر المروي عن إمام أحمد وسفيان وجماعة: كذلك صحيح، ولا تعارض بينهما. وفي الحديث مسائل منها: ما سبقت الإشارة إليه من أمر التبويب، وأن الإيمان ينقص. وعلى التفسير الآخر: كذلك الإيمان يرتفع. وفيه كذلك: التحذير من هذه الكبائر خصوصا، وسائر المعاصي عموما. وبيه نعرف أن المذكور ليس على وجه الحصر، بل به نصل إلى أن كل ما كان بمعناه من المعاصي يلحق هذا الحكم. ولهذا جاء ببعض الروايات زيادة الغلول والنهبة، ويلحق بها سائر المعاصي خصوصا الكبائر، فاستوجب ذلك على المسلم أن يحذر منها. وفيه كذلك: أن التوبة تجب تلك الذنوب والمعاصي إذا صدق الإنسان، فقد جاء في رواية للإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد هذا الحديث: «والتوبة معروضة بعد»، يعني: معروضة على أصحاب هذه الذنوب إن تابوا وصدقوا في توبتهم، قبلت هذه التوبة. والتوبة الصحيحة هي التي استوفى ثلاثة شروط: الشرط الأول: الإقلاع الصحيح عن الذنب، والشرط الثاني: الندم ندما يستوجب انكسارا، كما قال الإمام ابن القيم: بغير علة. والثالث: عدم العزم على الرجوع فيه. وإذا تأمل المسلم هذه الشروط الثلاثة وجد أنه لا يمكن أن تكون توبة صحيحة إلا وهي بإذن الله تكفر عن صاحبها هذا الذنب، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. أما إذا كانت غير صحيحة، وهذا حال الكثير من الناس ممن يرجع إلى ذنبه بعد زعم توبته، فإنه لا يرجى له ذلك، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه لم يكن صادقا في توبته، إذ لم يوفر ويستوفي الشروط المذكورة في التوبة. فهو لم يقلع عن الذنب إقلاعا حقيقيا، بل كان إقلاعا مؤقتا، ولم يندم ندامة حقيقية، ولم كذلك يعزم على عدم الرجوع، بل كان يبيت الرجوع بنية سيئة، فلذلك لم ينتفع بتوبته، ولم تستمر هذه التوبة. فالتوبة الصحيحة تجب ما قبلها وتكفرها، وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «التوبة تجب ما قبلها»، كما في حديث عمرو بن العاص، قال: ما شعرت أو ما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، والحج يهدم ما قبله. وجاء في رواية: «والتوبة تجب ما قبلها». فالتوبة كذلك تجب ما قبلها، وهذا من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى. وفيه كذلك من المسائل: أن هذه الأعمال من نصيب الشيطان، ولهذا ففاعلها والمعين عليها هو من شياطين الإنس، وهو جند من جند الشيطان، وهو عدو من أعداء عباد الرحمن. فأعداء الأنبياء هم شياطين الجن والإنس، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك. وأولياء الشيطان هم كذلك، وولايته تكون بمعصية الله والقرب منه وموافقته بهذه المعاصي. ولهذا بوّب البخاري رحمه الله بالآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. فإذا كان كذلك، فحق أن يرفع عنه الإيمان، فهو لا يزني حين يزني، ولا يشرب حين يشرب الخمر، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، أي: إيمانه يرفع فوقه، كما تقدم في رواية حديث أبي هريرة: كالظلة. والله تعالى أعلم. يقول: كيف نجمع بين حديث أبي هريرة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت»، وبين كون النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف دخل الجنة ورأى بعض النعيم فيها، بل أخذ عنقودا من العنب إلى آخره؟ الجمع بين الأحاديث بأن يقال: هذا الإعداد لعباده سبحانه وتعالى: ما لا عين رأت، على وجه الحقيقة، على وجه الحقيقة الذي يكون به تحقق هذه الرؤية، وهذا لم يقع. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف أري الجنة وأنه دخلها، ولم يدخلها حقيقة، وأري العنقود ولم يقبضه حقيقة، وأري النار ولم يمر بها حقيقة. والأحاديث الواردة في هذا الباب كلها تدل على أنها رؤى كان يراها عليه الصلاة والسلام، فلا معارضة. وهذا وجه. والوجه الآخر: أن يقال: لو قدر أن أحدا من الأنبياء دخلها أو كذلك أدركها، سواء في حياته أو بعد وفاته، والأنبياء أحياء في قبورهم، فهذا مما لا ينافي هذا الإعداد، لأنه المراد بالإعداد لمن لم يدخلها. وأما من دخلها، فهذا قد ناله بعض فضل الله عز وجل. فالأحاديث في حق من لم يدخلها: أليس الشهيد يلحقه هذا الفضل؟ لكن قبل دخولها: ماذا يقال؟ لم يلحقه. وبعد أن دخلها: هل يبطل هذا الحكم عن من يلحقه من الناس؟ الجواب: لا. والشهداء أحياء، بل يرزقون وينعمون، والله أعلم.