شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 18

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 18، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

رد السلف على سؤال «أمؤمن أنت؟» وحكم الجزم بالإيمان

يستعرض المقطع أقوال أئمة السلف في النهي عن سؤال «أمؤمن أنت؟» واعتباره بدعة مرجئة، مبينين أن الجواب المشروع هو الإخبار بتصديق أصول الإيمان أو الاستثناء بقول «مؤمن إن شاء الله». كما يبيّن أن الإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص ويتجزأ، وينكر على من يجزم بالإيمان دون استثناء مستدلاً بأقوال الأوزاعي وأصل الإرجاء في الكوفة.

تحذير السلف من بدعة الإرجاء وبيان حقيقتها

يضرب ابن تيمية مثلاً للقلب بالإسفنجة والمرآة محذراً من التلقي السلبي للشبهات، ويستعرض أقوال الأوزاعي والزهري والنخعي وأحمد في ذم المرجئة الذين يجعلون الإيمان قولاً بلا عمل. ويوضح كيف جمع المرجئة بين قول الخوارج بوحدة الإيمان وقول السنة بعدم تكفير مرتكب الكبيرة، فصاروا وسطاً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وشبههم سعيد بن جبير بالصابين.

خطر المرجئة على العوام وموقفهم بين السنة والخوارج

يبيّن المقطع أن فتنة التساهل (المرجئة) أخطر على عامة المسلمين من فتنة الغلو (الخوارج) لأن النفس تميل للرخص فتهون المعاصي، مستدلاً بأثر حذيفة عن فريقين في النار. كما يُشبّه المرجئة بالصابئين الذين خلطوا الأديان فابتدعوا ديناً جديداً، محذراً من الابتداع ومؤكداً على لزوم السنة والدعاء بالهداية.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. فهذه عودة لقراءة هذا الكتاب النافع الجليل في معتقد السلف الصالح ومنهجهم. هذه الكتب تعتبر أمهات في أبوابها كما تقدم، لا يستغني طالب علم عن قراءتها والنظر فيها ومدارستها، لا سيما مع كثرة الأهواء والفتن والفرق الضالة، فكانت قراءة هذه الكتب كافية إن شاء الله تعالى في رد أصول انحرافات المنحرفين في أبواب العقيدة والسلوك. كنا وقفنا في الكلام على المرجئة، الوقف الذي عندي في باب: باب في من كره من العلماء لمن سأل. هذا الوقف عندي، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة في كتابه الجليل «الشريعة»: باب في من كره من العلماء لمن يسأل لغيره. هكذا عندنا: «لمن يسأل لغيره فيقول له: أنت مؤمن». هذا عندهم مبتدع، رجل سوء. هذا في مسألة امتحان الناس، امتحان الناس كما تفعل المرجئة في ذلك الزمان، فإنهم كانوا يسألون الناس: «أمؤمن أنت؟» هذا السؤال لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وهو من الأسئلة المجملة التي تحتاج جوابها إلى تفصيل. وكل من امتحن الناس بما يوجب الفتنة لهم وانصرافهم عن الحق أو التباس الحق عليهم، فهذا لا يصدر إلا عن مبتدع، رجل سوء، كما قال المصنف رحمه الله. قال محمد بن الحسين رحمه الله: «إذا قال لك رجل: أنت مؤمن، فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والموت، والبعث من بعد الموت، والجنة والنار. وإن أحببت أن لا تجيبه وتقول له: سؤالك إياي بدعة، ولا أجيبك، فهذا أيضا جواب آخر. إما أن تحكي له على وجه الإخبار أنك قد آمنت بالله، أنك آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخره، أو أن تقول: هذا السؤال سؤال هو بدعة، سؤالك إياي بدعة ولا أجيبك. وإن أجبته فقل: أنا مؤمن إن شاء الله، على النعت الذي ذكرناه، فلا بأس». هذا جواب ثالث: أن تقول له، وهذا هو الجواب المشهور عند أهل السنة، وهو مسألة الاستثناء في الإيمان. والاستثناء ليس واقعا على القول، وإنما هو واقع على العمل. فالإيمان قول وعمل، قد يقول الرجل، قد يأتي بالقول: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لكن الأعمال كثيرة، وفيها يتفاوت الناس. فقولهم: «أنا مؤمن إن شاء الله»، أي: أرجو إن شاء الله أني آمنت وعملت، ولكني أحتاج أن أزداد في العمل، ولهذا يستثني ويقول: إن شاء الله. فإن شاء الله استثناء من العمل، كما سيأتي. «وإن أجبته فقل: أنا مؤمن إن شاء الله على النعت الذي ذكرناه، فلا بأس. وإن أجبته فقلت: لعلني أنا مؤمن إن شاء الله على النعت الذي ذكرناه، فلا بأس به. واحذر مناظرة مثل هذا، فإن هذا عند العلماء مذموم. واتبع أثر من مضى من أئمة المسلمين تسلم إن شاء الله». تقدم أن المناظرة فيها تفصيل عند أهل السنة، والأصل ترك المناظرة، وعليكم السلام، ترك مناظرة أهل البدع هذا الأصل، والبعد عنها لما فيها من إثارة الشبه، وقد لا يكون عندك الجواب التام عن كل ما ذكروه من شبههم، ولما فيها أيضا من تلبيس أهل البدع على بعض الناس. ولهذا أهل السنة يتركون المناظرة، يبينون الحق إلا في حالات يرون أن المناظرة ينصر بها الحق، مثل أن يكون ذلك عند السلطان وبأمره. حدثني، يقول رحمه الله: حدثني عمر بن أيوب السقطي، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن سليمان لوين، قال: قيل لسفيان بن عيينة، إمام أهل مكة وعالم الحرم: «الرجل يقول: مؤمن أنت؟» على سبيل الاستفهام. قال: «فقل: ما أشك في إيماني، وسؤالك إياي بدعة». وقال: «ما أدري أنا عند الله شقي أم سعيد، أم أقبول العمل أم لا». هذا جواب الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله، إمام أهل مكة رحمه الله. قال رحمه الله: وحدثني عمر بن أيوب، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الحسن بن عبيد الله، قال: قال لي إبراهيم: «إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: أرجو». أي: أن أكون قد أتيت بأعمال الإيمان. فالاستثناء هنا والرجاء في باب العمل، كما سيأتي، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثني سفيان، عن محل، قال: قال لي إبراهيم النخعي: «إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟» وهو من أئمة الكوفة، والكوفة اشتهر فيها الإرجاء، ولهذا كان أهل الكوفة أعلم الناس بأقوال المرجئة، لأنهم ابتلوا بها. «إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله». قال: وحدثني أحمد، قال: وحدثني أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثني سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله. وبإسناده قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن الحسن بن عمر، عن إبراهيم، قال: «إذا قيل لك: أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله». قال رحمه الله: حدثني، حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حسن بن عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: «سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة، لما يتضمنه من التشكيك والاشتباه، ولا يسأل هذا السؤال إلا أهل الأهواء والبدع من المرجئة، عافانا الله من ضلالتهم». حدثنا، قال: وحدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: وتكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه، عند علقمة بن مسعود، علقمة بن وقاص الليثي، علقمة هو ابن وقاص الليثي رحمه الله. وتكلم عنده رجل من الخوارج بكلام كرهه، فقال علقمة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال له الخارجي: «أو منهم أنت؟» قال: «أرجو». أي: ممن يدخل في هذه الآية. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان إذا قيل له: «أمؤمن أنت؟» قال: «آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله»، لا يزيد على هذا. سيأتي بيان الكلام على مذهب المرجئة إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: وبإسناده عن أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان... أحمد بن حنبل رحمه الله قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الحسن بن عمر، عن فضيل، عن إبراهيم، قال: «إذا سئلت: أمؤمن أنت؟ فقل: لا إله إلا الله، فإنهم سيدعونك أن يتركونك وشأنك، ولا يجادلونك، لأنك أتيت بالقول، وهم لا يستطيعون أن يردوا ويقولوا: أنت كاذب». الإيمان قول وعمل. متى يدخل الرجل في الإسلام؟ إذا نطق بالشهادتين، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، صار مسلما مؤمنا. فحكاية القول لا مدخل فيها، وإنما المدخل في العمل: هل أنت عملت جميع خصال الإيمان؟ وهل قبل الله منك أعمالك وإيمانك؟ تقول: أرجو، أرجو إن شاء الله. هذا وجه الاستثناء. الإيمان عند أهل السنة يزيد وينقص، وعند المرجئة لا يزيد ولا ينقص. الإيمان عند أهل السنة يتجزأ ويتبعض، قد يكون عنده شعب من الإيمان ويفقد شعبا أخرى، وهو في دائرة الإيمان حتى يخرج عن أصله. أما المرجئة والخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان جزء واحد، إما أن يذهب كله وإما أن يبقى كله. تقدم الكلام في شرح مقالة هؤلاء الضلال. أما أهل السنة فيقولون: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، زادتهم إيمانا، كانوا مؤمنين والآن ارتفعت درجتهم في سلم المؤمنين، درجات أعلى مما كانوا فيه. ولا يقول بهذا الخوارج ولا المرجئة، على هذا يقولون: «اجزم وقل: أنا مؤمن»، لأنه شيء واحد، شيء واحد. لكن نحن نقول: كيف تجزم في شيء أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه بضع وستون أو سبعون شعبة؟ فإذا قلت: أنا مؤمن، على وجه أنك أتيت بالجميع، فهذا تزكية. وإذا قلت: أنا مؤمن، على وجه أنك عند الله مقبول، هذا تزكية. فكأنك تقول: هل قبل الله إيمانك؟ هذا تقدير السؤال: هل قبل الله إيمانك؟ لا تسألني: أنا مؤمن، قل لي: هل قبل الله إيمانك؟ أقول لك: إن شاء الله، أرجو. هذا وجه الاستثناء، هذا وجه الاستثناء. هل قمت بجميع أعمال الإيمان وخصاله وتقبلها الله منك؟ تقول: أرجو. فلا شك أن مذهب المرجئة مذهب باطل. قال رحمه الله تعالى: حدثنا ابن عبد الحميدي، حدثنا ابن عبد الحميدي، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: أخبرنا معاوية بن عمر، عن أبي إسحاق الفزاري، قال: قال الأوزاعي: «فالرجل يسأل: أمؤمن أنت؟ فقال: إن المسألة عما تسأل عنه بدعة، والشهادة به تعمق» أي تكلف، «والشهادة به تعمق، لم نكلفه في ديننا ولم يشرعه نبينا، ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام». هذا كلام عظيم، أي: هذا السؤال محدث، ولم يأت به الكتاب ولا السنة، ولا نبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سأله أحد، ولا الصحابة بعده رضي الله عنهم. ولهذا يقول: «ليس لمن يسأل عن ذلك فيه إمام، القول به جدل والمنازعة فيه حدث. ولعمري ما شهادتك لنفسك بالتي توجب لك تلك الحقيقة إن لم تكن كذلك». أي: كونك أيها المرجئي تقول: أنا مؤمن جزما، نقول: لا ندري ما يكون أمرك عند الله عز وجل، ربما تكون من الذين قال الله فيهم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، ربما تكون من هؤلاء، ما يدريك؟ فالجزم لا يدل على أنك حقا كما تجزم به. هكذا يحتج الأوزاعي، إمام أهل الشام، وكان إماما في السنة رحمه الله. يقول رحمه الله: ﴿وَلَعَمْرِي مَا شَهَادَتُكَ لِنَفْسِكَ بِالَّتِي تُوجِبُ لَكَ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلَا تَرْكُكَ الشَّهَادَةَ لِنَفْسِكَ بِهَا بِالَّتِي تُخْرِجُكَ مِنَ الْإِيمَانِ إِنْ كُنْتَ كَذَلِكَ، وَإِنَّ الَّذِي يَسْأَلُكَ عَنْ إِيمَانِكَ لَيْسَ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مِنْكَ، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُنَازِعَ اللَّهَ تَعَالَى عِلْمَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَزْعُمَ أَنَّ عِلْمَهُ، أَيْ هَذَا الْمُرْجِئُ، وَعِلْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. فَاصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى السُّنَّةِ». انظروا إلى هذا الكلام الجليل من هذا الإمام العظيم: «فاصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم»، أي السلف من الصحابة ومن تبعهم رضي الله عنهم وأرضاهم، «وقل فيما قالوا»، أي ما تكلموا به تكلم به، «وكف عما كفوا عنه»، أي ما سكت عنه السلف فاسكت عنه، وأعرض عنه، «فإن الدين قد كمل، ولا يمكن أن يأتي متأخر بشيء جهله من سبق، أو أنه عمل أعمالا أعظم مما سبق». فاقف على السنة. يقول رحمه الله: «فاصبر نفسك على السنة»، أي: التزمها وابق عليها. «وقف حيث وقف القوم»، المراد بالقوم: الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم. «وقل فيما قالوا»، أي: قل كما قالوا. «وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعه». وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة، لأنها بدأت في العراق. أين بدأت بدعة الإرجاء في العراق؟ في الكوفة. إذن هذه البدعة أول ما ظهرت ظهرت أين؟ في العراق، وأين في العراق؟ في الكوفة. فكان أهل الكوفة وعلماؤها كإبراهيم النخعي وشريك بن عبد الله وغيرهم من الأئمة أعلم الناس ببدعة الإرجاء. ثم جاءت وانتشرت. وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربتها قلوبهم، فأشربتها قلوب طوائف منهم. سبحان الله، والله جل جلاله يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، هؤلاء ناس قصرت علومهم وقلت معرفتهم بمذهب السلف، وأرادوا شيئا من الظهور، فتمسكوا ببدعة الإرجاء، عياذا بالله، جادلوا عنها وجادلوا بها. ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا. استغرب من انصراف بعض القلوب إلى أنواع من الباطل، لو أنه تدبر فيها لعلم أنها تناقض العقل وتخالف صريح النقل، وهو الكتاب والسنة. ولكن كما قال الله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. فالإنسان لا يغتر بمكانه ولا بزمانه ولا بثيابه ولا باسمه ولا بغير ذلك، وإنما يخاف على نفسه أن يزيغ قلبه. فقد جاء في الأحاديث، في حديث أبي سعيد عند البخاري وغيره: «يأتي على الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». يقول رحمه الله: «وقد كان أهل الشام في غفلة من هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة بعدما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم». هل رجعوا؟ الجواب: المفتون لا تنفعه الحجج، ولا تغنيه الأدلة، ولا يزداد بكثرة الحجج إلا بعدا. نسأل الله العافية والسلام. من أعظم أسباب الهداية أن يتضرع المسلم بين يدي الله في أوقات الإجابة، فيسأله الهداية: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لمختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل. إنسان يدعو: «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه»، يهديه الله عز وجل. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. فالإنسان يسعى في أسباب الهداية ويلجأ إلى الله سبحانه وتعالى. عقلك صغير وضعيف، فالله الله في التعلق والانطراح على باب الرجاء والسؤال. يقول رحمه الله: «بعدما رد عليهم فقهاؤهم وعلماؤهم، فأشربتها قلوب طوائف منهم، وذلك لفراغ القلوب». القلوب مثل الإسفنجة، وهي المعروفة عندنا اليوم الإسفنجة، تمتص ما حولها. إن كان ما حولها شيئا طيبا امتصته، وإن كان ما حولها شيئا رديئا امتصته، فيقع فيها ذلك الرديء أو ذلك الطيب. تأخذ الإسفنجة فتضعها عند الماء، وإذا بها قد شبعت من الماء. تأخذ الإسفنجة فتضغطها وتضعها على حبر، وإذا بها شربت ذلك الحبر. هكذا الإسفنجة. عرفت الإسفنجة؟ الإسفنجة، نعم، أيوة، هذا اللي يغسلون به الصحون، هذه الإسفنجة، ايش اسمها؟ سمولس؟ طيب، زاك الله خير. ها، أيوة، هذه، هذه الكبيرة، نفس الشيء. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية لابن القيم، موصيا تلميذه ابن القيم في باب الشبه، وكان ابن القيم حاذقا، ربما ترد عليه الشبه: «لا تجعل قلبك كالإسفنجة تمتص ما تأتي عليه، ولكن اجعل قلبك كالمرآة الصافية المصمتة، يمر عليها فتراه ولا يدخل إليها». هذه نصيحة، هذه نصيحة ابن تيمية لمن؟ لتلميذه ابن القيم. يقول: «لا تجعل قلبك مثل الإسفنجة تمتص ما عندها، ولكن اجعله مثل الزجاجة المصمتة، زجاج مصمت، أي ليس له مداخل، يلمع، فيأتي الشيء يمر على الزجاج فيراه بمواده، بلونه، بشكله، يعرفه، لكن هل يدخل إليه؟ لا يدخل إليه». هكذا يوصي ابن تيمية تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى ورحمهم الله تعالى جميعا. هؤلاء، يقول الأوزاعي: «فأشربتها قلوب طوائف منهم»، يعني: قلوبهم مثل زجاجة، ولا مثل الإسفنجة؟ قلوبهم مثل الإسفنجة، أول ما جاء، يعني كما قال الشاعر: «أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ** فصادف قلبا خاليا فتمكنا» هذا حالهم، وهذا وصفهم. «فأشربتها قلوب طوائف منهم، واستحلتها ألسنتهم، لعظيم جهلهم، وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف»، أي: نفس أهل المقالة يدخل بينهم، فتراهم مختلفين. والمرجئة طوائف، طوائف ذكرها العلماء، «وأصابهم ما أصاب غيرهم من الاختلاف، ولست بآيس أن يدفع الله تعالى شر هذه البدعة، إلى أن يصيروا إخوانا في دينهم، ولا قوة إلا بالله». أي: أرجو من الله أن يهديهم الله سبحانه وتعالى وأن يردهم إلى الحق، فإن بعضهم عوام، وبعضهم جاهل، ونسأل الله أن يردهم إلى الحق. هكذا يرجو الأوزاعي رحمه الله. ثم قال الأوزاعي: «ولو كان هذا خيرا ما خصستم به دون أسلافكم». أي: لو سألناكم هذا القول الذي قلتموه، هل قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لا. هل صرح به الصحابة؟ قالوا: لا. هل قال به الأئمة؟ قالوا: لا. إذن قول انفردتم به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته الكرام، وعن الأئمة المهديين. أي هدى هذا وأي صلاح؟ لا شك أن هذا ضلال. قال: «ولو كان هذا خيرا ما خصستم به دون أسلافكم، فإنه لم يدخر، فإنه لم يدخر، لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم، لفضل عندكم، وهم أصحاب نبينا الذين اختارهم الله له وبعثهم فيهم، ووصفهم بهم، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، هذا وصفهم في التوراة وفي الإنجيل». وصف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى: باب في المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء. قلنا: المرجئة من الإرجاء، والإرجاء هو تأخير العمل عن الإيمان، فيقولون: لمن تلفظ بكلمة التوحيد: هذا مؤمن كامل الإيمان، وإن لم يعمل شيئا. والإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد وينقص. قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب والجوارح. هكذا عقيدة أهل السنة والجماعة. فالعمل على نوعين، والقول على نوعين: قول باللسان، وقول بالقلب. وقول القلب هو التصديق، وقول اللسان هو النطق بالشهادة ونحوها. وعمل القلب هو أعمال القلب من التوكل والإنابة والخشوع والإخلاص ونحوها من أعمال القلوب. وعمل الجوارح: مثل الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأعمال. فالإيمان قول وعمل، قول ظاهر وقول باطن، والعمل عملان: عمل ظاهر وعمل باطن. هذا معتقد السلف، أهل السنة والجماعة. والمرجئة قالوا: الإيمان قول. وعلى قولهم ففرعون مؤمن، لأنه قال: ﴿آمَنْتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وليس بمؤمن. نعم، ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: باب في المرجئة وسوء مذاهبهم عند العلماء. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا زهير بن محمد المروذي، قال: أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: «ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهلها من هذه»، يعني الإرجاء. هذا الكلام عظيم من السلف، لأن المرجئة تهون من العمل، فتجد من تلبس بها من أعظم الناس تهاونا بالأعمال، وربما تساهلوا في المعاصي أيضا. نسأل الله العافية والسلام. ولهذا فضرر هذه البدعة على أهلها ضرر عظيم، ضرر عظيم، لأنها تجعلهم أرق الناس دينا وأضعفهم إسلاما وأقلهم عملا، يتهاون في دينه لأنه يغتر أنه قد آمن، ويتساهل في المعاصي لأنه يرى أن المعاصي أمرها هين وسهل. فلهذا يقول الزهري: «ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهلها أو على أهله من هذه»، يعني الإرجاء. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي، قال: حدثنا إسحاق بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا شهاب بن خراش، عن أبي حمزة التمار، عن أبي حمزة التمار الأعور، قال: قلت لإبراهيم، يعني النخعي. قلنا: إبراهيم النخعي، من أئمة البصرة، أو من أئمة الموصل، أو من أئمة الكوفة عندك يا إخوان؟ عدّ من أئمة الكوفة وعلماء الكوفة، من أعلم الناس بمقالة المرجئة، لأنها ظهرت أول ما ظهرت في الكوفة. «قلت لإبراهيم: ما ترى في رأي المرجئة؟ فقال: أوه، لفقوا قولا، فإني أخافهم على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياه». أوه: كلمة تألم وتوجع لحال هؤلاء الذين ضلوا، ضل بهم فئام من العوام والشباب، فقالوا بقولهم. من العجائب في مذهب هؤلاء: يتساهلون في الطاعات وفي فعل المعاصي، ومع هذا ينتهي أمرهم إلى حمل السيف وقتل المسلمين، فهم ينتهي أمرهم إلى مذهب الخوارج، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: فقال: «أوه، لفقوا قولا، فإني أخافهم على الأمة»، أي: أن يجعلوا دين الأمة رقيقا لشدة تهاونهم وتهوينهم من الطاعات والمعاصي، «والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياه». قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نصر، وانظروا كيف يحفظ العلماء، وكيف يحفظ هؤلاء كلام العلماء، يحفظ كلامه: «قال لي كذا وكذا وكذا»، هذا يدل على يقظته وضبطه. قال: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثني سعيد بن صالح، عن حكيم بن جبير، قال: قال إبراهيم: «المرجئة أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة». هذه مسألة مهمة: المرجئة، يقول إبراهيم النخعي: «أخوف عندي على الإسلام من عدتهم من الأزارقة». الأزارقة هم الخوارج، الأزارقة هم الخوارج. وذلك أن فتنة الغلو تأخذ من الناس من تأخذ، ولكن فتنة التميع والتساهل تأخذ في الناس أكثر من الغلو. فتجد الناس إلى الرخص والتساهل أكثر ميلا منهم إلى الشدة. ولهذا من ناحية الضرر على عوام المسلمين، فضرر فتنة الإرجاء أعظم من ضرر فتنة الخوارج. لو قيل لعامي: اقتل هذا فإنه كافر، ثقيل على العامي، ربما لا يستطيع أن يفعلها، يعني بسهولة. لكن لو قيل له: لا بأس لك أن تفعل المعاصي، ربما، ربما، ربما قد يتجرأ، لأن النفس تميل إلى التساهل. فمن حيث الضرر على أمة الإسلام والعوام والجهال، فالتساهل أعظم. مع أن الخوارج كلاب النار وجرائمهم عظيمة، لكن هذه الكلمة نسبية، أي: من ناحية الضرر على الجهال والعوام في ترك الطاعات والتهاون بها، والتهاون في ركوب المعاصي، فمذهب المرجئة في هذا أشر من مذهب الخوارج في هذه الجزئية. الخوارج يعظمون الدين، يعظمون المعاصي، ويرونها ذنبا عظيما، قد يصل ببعضهم إلى أن يراها كفرا. قال رحمه الله: حدثنا ابن عبد الحميدي، قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمر السيباني، عن حذيفة، قال: «إني لا أعرف أهل دينين، أهل ذلك، ذلك الدينين في النار. قوم يقولون: الإيمان كلام، وإن زنا وقتل. وقوم يقولون: إن أولينا بالتشديد لضلال، ما بال خمس صلوات؟» أي: السلف الذين مضوا، «إن أولينا لضلال، ما بال خمس صلوات؟ وإنما هما صلاتان: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ الآية». هذا الأثر، يقول المعلق: سنده صحيح، وبين أنه فيه انقطاع، لكن في مستدرك الحاكم جاء ذكر الواسطة في هذا الأثر. هذا الأثر عن حذيفة، وحذيفة رضي الله عنه، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أعلم الناس بالفتن، وكان صاحب السر، هكذا يلقب: صاحب السر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسر إليه بأسماء المنافقين وبأخبار الفتن. «كنت أسأل رسول الله»، كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، إلى آخره. حذيفة، حذيفة لا يقول مثل هذا الكلام إلا بتوقيف، فإن مثل هذا الرأي لم يظهر في زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وإنما ظهر بعد فتنة ابن الأشعث. رأي المرجئة إنما ظهر بعد فتنة ابن الأشعث. متى ظهر رأي المرجئة؟ بعد فتنة ابن الأشعث. وفتنة ابن الأشعث كانت في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي. فكلام حذيفة رضي الله عنه في هذا الأثر عن شيء لم يدركه، لأنه مات قبل ذلك رضي الله عنه، فيكون هذا من علم الغيب. كذلك مقالة الخوارج، ظهر رأسهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين: «يخرج من ضئ ضئ هذا»، لكن تفصيل هذه المقالة التي عناها حذيفة إنما جاءت بعد ذلك. فمثل هذا الأثر مما لا يقال بالرأي، وإنما هو مما أخذه حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما يظهر في هذا الأثر، والله أعلم. قال حذيفة: «إني لأعرف أهل دينين»، أي: جماعة يتدينون بدينين مختلفين، كل يدعي الإسلام. «أهل ذلك الدينين في النار»، نسأل الله العافية والسلام، أي: على وجه العموم. فمقالة الخوارج من المقالات التي هي من المقالات التي تدخل النار على وجه العموم، كذلك مقالة المرجئة. يقول: «أهل ذينك، أهل ذلك الدينين في النار. قوم يقولون: الإيمان كلام، وإن زنا وقتل»، أي: يجعلون الإيمان قولا بلا عمل، والإيمان عندهم قول بلا عمل، وإن فعل ما فعل لا يضر مع الإيمان عندهم ذنب. هؤلاء هم المرجئة. «وقوم يقولون: إن أولينا لضلال»، أي: الصحابة ومن بعدهم، «ما بال خمس صلوات؟» أي: من أين جاءوا بخمس صلوات؟ الجواب: من السنة، من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم. لكن الخوارج، من أصول ضلالهم، كما تقدم، لعله في شرح السنة للبربهاري، من أصول الخوارج أنهم لا يحتجون بالسنة ويردون السنة، ويقولون: نأخذ بالقرآن. هذا من أصول الخوارج: أنهم يردون السنة ويحتجون بالقرآن. هذا مثال لهذه الضلالة: احتجاج بالقرآن، ورد للسنة. تفصيل خمس الصلوات جاء في السنة. الله جل جلاله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، الله جل جلاله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. تفصيل إقامة الصلاة بينه النبي صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في كل يوم وليلة، في حديث جبريل، حينما علم النبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، قال: «هذا وقت صلاة الظهر»، فإذا بلغت الشمس كذا، قال: «هذا وقت صلاة العصر»، ثم قال له: «هذا وقت صلاة المغرب»... إلى آخره. الحديد، تفصيل البيان لما في القرآن جاء في السنة. والله جل جلاله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾، القرآن، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فالسنة بيان. «إن أولينا لظلال»، وقال: «وقوم يقولون: إن أولينا لظلال، ما بال خمس صلوات؟» أي: من أين جاءوا بها، وهي ليست في القرآن؟ «إنما هما صلاتان»، الدليل عندهم: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، وهذا لا يقتضي نفيا أن لا يكون بين دلوك الشمس وغسق الليل صلاة أخرى، وإنما هذا بيان لأوقات الصلاة على وجه الإجمال. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، أي: صلاة الفجر، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. إذن هذه الضلالة سببها وأصلها أن الخوارج لا يرون الاحتجاج بالسنة، ويردون السنة، ويقولون: إنما نأخذ بالقرآن. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نصر... كم بقي من الأذان؟ 12 دقيقة. طيب، نقرأ إن شاء الله. حدثنا، قال رحمه الله: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمر السيباني، عن حذيفة، قال: «إني لا أعلم أهل دينين، هذينك الدينين في النار. قوم يقولون: الإيمان كلام، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان». قال رحمه الله: حدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثني حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: «مثل المرجئة مثل الصابئين». الصابئين هم جماعة ظهروا في غابر الزمان، أخذوا شيئا من التوراة، وأخذوا شيئا من الإنجيل، وخلطوا ذلك، ثم تعبدوا به، فسموا صابئة. فليسوا يهودا خالصا، وليسوا نصارى خالصا، وإنما أخذوا من هذين الدينين شيئا فخلطوه بعضه ببعض، حتى صار دينا جديدا، يسمون الصابئة. وهم قسمان: صابئة التوحيد، الذين فيهم شيء من التوحيد، وصابئة الشرك، الذين زادوا بعد ذلك عبادة الكواكب والنجوم. فهؤلاء اخترعوا لهم دينا، الأوائل منهم كانوا أفضل حالا، وإن كانوا ضلالا، من المتأخرين. فالمتأخرون مشركون شركا أكبر، لأنهم عبادة كواكب، عبادة كواكب. والمرجئة كذلك، المرجئة كذلك، أخذوا شيئا من قول أهل السنة، وشيئا من قول الخوارج، وخلطوهما، فصار قولا لهم، سموا به مرجئة. هل عرفنا هذا؟ هذا مراد سعيد بن جبير بهذا الكلام، وهذه الفتوى منه رحمه الله: «مثل المرجئة مثل الصابئين»، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. ويقول أهل السنة: لا نكفر أحدا فعل ذنبا إلا أن يستحله. الخوارج يقولون: الإيمان جزء واحد، لا يزيد ولا ينقص، ومن فعل المعاصي كفر. جاء هؤلاء، وقفوا، قالوا: نحن مع الخوارج في أن الإيمان جزء واحد، هذه النقطة الأولى، ونحن مع الخوارج في أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لكننا نخالفهم في أن من ركب المعاصي كفر. وجاءوا إلى السنة، قالوا: نحن لسنا معكم في أن الإيمان يزيد وينقص، قول وعمل