الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 139، الدرس التاسع والثلاثون بعد المائة:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر ... ورزق عمر الشهادة على يدي أبي لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن ترجمة الإمامين و أهمية الرحلة إلى العلماء والحفاظ على العلم. طلب العلم يحتاج إلى صبر وتعب.
يشرح حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم دعا فيه لعمر بن الخطاب بالشهادة واستجاب الله لدعائه. هذا دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم.
يناقش حكم المضاربة وضرورة اشتمالها على الغنم والغرم معا. كما يتناول شرح حديث ابن عمر وتصحيحه أو تضعيفه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، أحد أئمة الحفاظ المتأنين، مصنف له تصنيفات كثيرة. وكما قيل: لم يرحل إلى أحد كما رحل إلى عبد الرزاق، رحمه الله تعالى. ومع حفظه عمي في آخره، فتغير حفظه، وكان ذلك قبل موته بإحدى عشرة سنة، تكلم فيه بعض تلاميذه وبعض الناس بغير حق. ومن هؤلاء عباس بن عبد العظيم، طعن في عبد الرزاق، رحمه الله تعالى. قال شيخنا الوادعي، رحمه الله: عن عبد الرزاق -يعني- كيف يطعن فيه، وهو ممن أكثر في الرواية عنه؟ فرحمه الله رحمة واسعة. قال: حدثنا معمر، من مثل عبد الرزاق في الرحلة؟ هل أحد رحل إليه مثل عبد الرزاق؟ معمر بن راشد، نعم. كذلك معمر كان شيخنا محمد بن عبد الله الصومالي، رحمه الله، وهو شيخ الشيخ مقبل، يقول: ما أظن أن أحدًا رحل إليه في اليمن مثل عبد الرزاق ومعمر، وبعدهما الشيخ مقبل، رحمه الله. فما رحل إلى أحد في اليمن مثل ما رحل إلى الشيخ مقبل، رحمه الله، بعد هذين الإمامين. بعض الإخوة أحصى تقريبًا عدد طلاب الشيخ، فقال: أكثر من مئة ألف، أكثر من مئة ألف طالب علم من داخل اليمن ومن خارج اليمن. فعلى هذا تكون الرحلة إلى الشيخ ربما أكثر من الرحلة إلى من سبقه من هؤلاء الحفاظ. قال: حدثنا معمر، وهو ابن راشد الأسدي، أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل من الحفاظ المشهورين، جاء إلى اليمن فزوجه أهل اليمن، فبقي عندهم فحفظوا علمه، رحمه الله تعالى. وهكذا ينبغي أن يحرص على العلم أهله. وهذا يدل على خير كان في أهل اليمن، فكانوا يجلون أهل العلم وحملته، ويحافظون عليهم، ويعتبرونهم من الغنائم العظيمة التي ينفع الله عز وجل بها العباد والبلاد. وروايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة وعاصم بن أبي النجود فيها شيء من الضعف. وهكذا روايته عن البصريين والبصريين عنه، وروايته عن قتادة كذلك فيها ضعف. وبعض أهل العلم يفصل في ذلك. قال: عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الأئمة المعروفين الحفاظ الفقهاء المتقنين. وكان مع جلالته وحفظه، فهو من الحفاظ الذين قد وسع حفظهم، كان يقول، رحمه الله: «تكرار الحديث أشق علي أو أشد علي من نقل الصخر أو الحجر». وهذا يدل أنهم كانوا يعانون مشقة وشدة في حفظ الحديث وتعلم العلم، ومع ذلك لم يكن ذلك عقبة، بل جدوا واجتهدوا حتى بلغوا هذه المنازل العلية. فكذلك نحن طلبة العلم، إذا وجدنا مشقة في طلب الحديث والعلم وحفظه وتكراره، فلا ينبغي أن يكون ذلك عقبة، ولا أن نيأس من طريق العلم، بل نعلم أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن المشقة تزول بالصبر والتكرار. فهؤلاء الأئمة صبروا حتى صاروا على هذه الإمامة وهذه المنازل العلية، رحمهم الله تعالى. لأجل أن تعلم أن العلم لا ينال براحة الجسد، هؤلاء ما صاروا علماء، ولا صاروا كذلك أئمة براحة الجسد أبدًا، بل تعبوا في ذلك وتعبوا، فجدوا واجتهدوا حتى وصلوا إلى هذه المنازل، وكذلك تفوقوا هذا التفوق، رحمهم الله. وله قصة تدل على نبله، رحمه الله، قيل: إنه دخل مرة على هشام في ملك سليمان بن عبد الملك، فسأله عن تفسير قول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ من هو؟ فقال له: إنه أبي، عبد الله بن أبي. فقال: «كذبت، بل هو علي». وكان فيه نصب، بعض آل أمية فيهم شيء من النصب. فقال: «بل هو علي». فقال: «أنا أكذب؟ لا أبى لك، والله لو نادى منادي من السماء أن الكذب اليوم حلال لما كذبت». وهذا يدل على نبله وفضله، رحمه الله تعالى. لو نادى منادي من السماء أن الكذب اليوم حلال، يقول: «لما كذبت»، لأن الكذب ليس فقط محرم شرعًا، بل تمجه وترفضه النفوس والفطر السليمة، فهو شيء لا يستصاغ، فضلًا عن كونه محرمًا. روى عن بعض الصحابة، ولكنه روى شيئًا يسيرًا، ويروي أحيانًا عن آخرين، ولكن يرسل، ومراسيله من أضعف المراسيل. روى عن ابن عمر حديثين، وروى عن سهل بن سعد، وابن برجس، وابن سرجس، وأنس، وبعض الصحابة. وإذا روى، فينبغي أن يتثبت في روايته عن الصحابة، لأنه مقل في هذا الباب. قال: عن سالم، وهو ابن عبد الله بن عمر، ويظهر به فضل العلم على أهله، وكيف حرص هؤلاء الصالحون من الصحابة ومن بعدهم على نقل العلم إلى ذريتهم، فكانت ذرية بعضها من بعض. قال: عن ابن عمر، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: «رأى النبي صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبًا أبيض، فقال: أجديد ثوبك أم غسيل؟ فقال: لا أدري، ما رد عليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلبس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا -أظنه قال- ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة». قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وقد استجاب الله دعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ورزق عمر رضي الله عنه الشهادة على يدي أبي لؤلؤة المجوسي، غلام المغيرة بن شعبة. أورد شيخنا، رحمه الله، هذا الحديث في ثنايا ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام في إجابة الدعاء. والشاهد منه أنه دعا لعمر رضي الله عنه أن يموت شهيدًا، فمات شهيدًا، رضي الله عنه أرضاه. وهذا علم من أعلام نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته عليه الصلاة والسلام، مع نظائر كثيرة، إذ كان يدعو بالدعوة فيجاب فيها عليه الصلاة والسلام، منها ما هو في الحال، ومنها ما هو بعد حين، وهذا من الثاني. وهو يتضمن كذلك معنى آخر من دلائل النبوة، كما تقدم في الحديث الذي قبله، أنه يدعو بما أعلمه الله من الغيب. فلما طلب الشهادة من علم أنه ينالها دعا له، ولما طلبها من علم أنه لا ينالها دعا له بدعوة أخرى. وعمر دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وهذا من الغيب الذي أعلمه الله عز وجل به، وهو موضع آخر من مواضع دلائل نبوة وصدق رسالة عليه الصلاة والسلام. وقد صح أنه قال عليه الصلاة والسلام -أو وصف عمر رضي الله عنه بالشهادة- في مواضع، ومنها: لما صعدوا إلى جبل أحد، فاهتز جبل أحد، فقال: «أثبت أحد، إنما عليك نبي وصديق وشهيدان». وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان، فالصديق أبو بكر، والشهيدان عمر وعثمان، رضي الله تعالى عنهما. وهذا يدل كذلك أن موت الشهادة لا ينحصر بالموت في أرض المعركة، فإن من مات في سبيل الله لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فهو في سبيل الله، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا منه، فعمر قتله هذا اليهودي -من الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل- هذا المجوسي، السبق لسان هذا المجوسي من الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل. وهذا يدل على أنه رضي الله عنه وأرضاه قد نال الشهادة، وقد مات في المدينة. وكان يدعو رضي الله عنه أن يرزق الشهادة في مدينة رسوله، فيتعجب الصحابة من هذه الدعوة، فاستجاب الله عز وجل دعوته، فرزقه الله عز وجل الشهادة وهو في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا كذلك فيه مشروعية هذا الدعاء، مشروعية هذا الدعاء. وشيخنا في هذه الطبعة كما نرى يصحح هذا الحديث، وذكر هذا الحديث في حديث معلة. والشيخ الألباني رحمه الله لا يزال يصحح هذا الحديث، والحديث معناه صحيح، تدل عليه نصوص أخرى، فقد جاء معنا هذا الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أوجه أخرى، ومر معنا قريبًا نحوه مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك مشروعية الدعاء لمن لبس جديدًا، وكذلك تهنئته به، وهو من حسن العشرة بين المسلمين، يورث التآلف والتحاب. وهكذا يقاس عليه معناه مما يكون فيه التآلف والتحاب. أما الأدعية فهي توقيفية، وأما إدخال الأنس على الغير فهو من حسن الخلق. يعني إذا رأيت أخًا لك لبس شيئًا جديدًا، فمثل هذا الدعاء، أو كذلك امتلك شيئًا جديدًا، فتقول: «بارك الله لك فيما أعطاك، وأعطاك خيره، وكفاك شره»، ونحو ذلك من الأدعية التي لها أصل. وكذلك يكون فيها إدخال الأنس على أخيك المسلم. تنبيه: للحديث السابق الذي مر معنا، حديث عبد الله بن عمر، مر معنا أن الشيخ رحمه الله أشار في التعليق إلى أنه وجده بعد ذلك أنه معل، وأنه أنكره يحيى القطان، وأشار كذلك إلى كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله، وأن ظاهر الإسناد الصحة، وأنه لا يضره ذلك ولو تفرد به معمر. وعلق الشيخ بأنه وإن كان قد قبله الشيخان -أي بهذه الرواية- لكن هذا الحديث بعينه معل. ثم ذكر تصحيح الشيخ الألباني رحمه الله، وأنه ذكر له شاهدًا معضلًا، وقال: «والظاهر أنه لا يصلح -كأنه- للاعتضاد، وأن يكون شاهدًا». فلهذا كأنه يشير إلى ضعف هذا الحديث. والحديث كذلك أعله جماعة من الحفاظ، منهم ابن أبي حاتم في «علله»، فقد أشار إلى أن الحديث معل، وأن الأصح ما جاء من رواية ابن إدريس عن أبي الأشهب عن رجل من مزينة، فذكر القصة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحوه. ذكر الترمذي رحمه الله تعالى في «العلل» عن الإمام البخاري أنه سأل محمدًا عن هذا الحديث، فبين أن الحديث رواية، وأفاد شيئًا آخر: أنه رواية من طريق معمر، وكذلك من طريق الثوري عن عبد الرزاق، رواية من طريق عبد الرزاق، ومن غير طريق عبد الرزاق من طريق الثوري. ومع ذلك فهو معل، وأن الصواب ما روي مرسلًا من طريق أبي الأشهب عن رجل من مزينة. ونحو ذلك كذلك ذكر النسائي رحمه الله تعالى، فيدل هذا على أن الحديث معل -يعني- من حديث ابن عمر، لاتفاق الحفاظ: ابن القطان، والنسائي، والبخاري، وابن أبي حاتم، وهكذا إقرار الترمذي على إعلال هذا الحديث -يعني- من قصة من رواية ابن عمر. وكونهم صححوه مرسلًا، والمرسل مما يصلح للاعتضاد. ولهذا فقول الشيخ الألباني رحمه الله في تصحيح هذا الحديث، بعد أن ذكر هذه الرواية المرسلة -رواية أبي الأشهب عن رجل من مزينة- قال: «وهذا يدل أن للقصة أصلًا». فلهذا حسن شيخ الألباني رحمه الله الحديث بهذا المرسل أو المعضل، مع كذلك هذا الحديث المعل. فكيف إذا انضاف أن الحديث كذلك رواه البزار من طريق جابر بن عبد الله، من حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي. وجابر بن يزيد الجعفي، وإن كان أكثر أهل العلم على تضعيفه، إلا أن بعض الحفاظ -كما لا يخفى على بعضكم- يصحح حديثه في أحوال. ومن هؤلاء شعيب رحمه الله، وهكذا كذلك جماعة آخرون، منهم الثوري، فيرون إذا صرح بالتحديث فإن حديثه يقبل. وزاد بعضهم: إذا لم يكن يوافق بدعته، لأنه كان فيه رفض، كان فيه شيء من الرفض. والحديث كما نرى على خلاف عقيدة الرافضة، ففيه الثناء على عمر رضي الله عنه. وكذلك له شواهد، فيدل أن الحديث له أصل، فيكون الحديث -حديث ابن عمر- لا يمنع أن يصح من الأوجه الأخرى، والله أعلم. يقول: هل يعد الأخ إذا مات وهو في خدمة الدين -مثل بناء مسجد- ثم صار له حادث فمات، هل يعد شهيدًا؟ إن شاء الله نرجو له الشهادة، فهو بمعنى المهدوم. وكذلك إن شاء الله في باب نصرة هذا الدين، خصوصًا أن المساجد اليوم مساجد أهل السنة، منابر من منابر العلم، وباب العلم موضع آخر من معنى الجهاد في سبيل الله، فنرجو له الشهادة، والله أعلم بالشهيد. نحن حتى لو مات في أرض المعركة ما نجزم له بالشهادة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله أعلم بمن قتل في سبيله». طيب، يقول: ما حكم هذه الصورة التي يتعامل بها بعض المؤسسات والأفراد، حيث يدفع الطرف الأول للآخر ما لن يعمل به، فيكون الربح بينهما، وأما الخسارة فرضي العامل أن تكون عليه فقط، هل هذا من المضاربة الجائزة؟ الجواب: لا، هذا لا يجوز، لأن المضاربة لابد أن يكون فيها شراكة في الغنم وفي الغرم. طيب، إلى هنا، وجزاكم الله خير.