الدرس في شرح كتاب الطهارة 22، الدرس الثاني والعشرون (والغسلة الثانية والثالثة ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة ... ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء مستحبة وليست واجبة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ بطرق مختلفة. الزيادة على الثلاث لا تجوز لأنها تعدٍ وظلم.
يُناقش حكم مسح العنق أثناء الوضوء والكلام أثناء الوضوء، حيث يرى أن مسح العنق ليس من السنة، وأن الكلام أثناء الوضوء لا يُسن ولكن لا يُكره إذا كان له حاجة.
يتناول المقطع عدة أسئلة وأجوبة حول أحكام الوضوء والصلاة، مثل جواز إرضاع المرأة الحامل وضوابط إعادة غسل أعضاء الوضوء ومسألة وصل الشعر.
التشهد يُفعل مرتين في الصلاة، ويجب أن يكون عدد الكلمات والأفعال صحيحًا، ولا يجوز الزيادة أو النقصان بشكل كبير.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الملف رحمه الله تعالى: «والغسلة الثانية والثالثة، ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا». ما زلنا في الكلام على سنن الوضوء، فذكر رحمه الله تعالى أن من سنن الوضوء الغسلة الثانية والثالثة؛ لأن الوضوء ثلاث غسلات كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالغسلة الأولى هي الغسلة الواجبة التي أمر الله عز وجل بها في كتابه، وفعلها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. والأصل في الأمر عدم التكرار، إلا ما دل الدليل على التكرار. وهذه مسألة من المسائل الأصولية التي ذكرها الأصوليون في كتبهم، ولها أدلة وتفاصيل. فالخلاصة أن الأصل في الأمر هو عدم التكرار، فإذا جاءت القرينة تؤيد ذلك تأكد ذلك. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في البخاري من حديث ابن عباس، أنه توضأ مرة مرة، أي كل عضو مرة مرة. وجاء عند الطبراني والحاكم بإسناد حسن، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة» عن أبي رافع رضي الله عنه، أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومرتين مرتين، ومرة مرة». وهذا يدل على أن اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على مرة مرة هو الحد الأدنى، وهو الواجب الذي أمر الله عز وجل به في كتابه. وأن المرة الثانية مستحب، أي الغسلة الثانية من المستحبات، وهكذا الغسلة الثالثة من المستحبات؛ لهذين الحديثين: حديث ابن عباس في البخاري، وحديث أبي رافع عند الطبراني والحاكم بإسناد حسن أو صحيح. وقوله رحمه الله: «ويجوز الاقتصار على الغسلة الواحدة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة» كما قلنا، جاء في حديث ابن عباس في البخاري، وحديث أبي رافع. وقوله: «مرتين مرتين» حديث أبي رافع، و«ثلاثًا ثلاثًا» حديث أبي رافع، وجاء من حديث عثمان في الصحيحين في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام، وحديث عبد الله بن زيد كذلك في الصحيحين. غير أنه جعل اليدين مرتين، أي في حديث عبد الله بن زيد، كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. نعم، ثلاثًا ثلاثًا في حديث أبي رافع المتقدم، وحديث عثمان في الصحيحين، وحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، ولكن بحديث عبد الله بن زيد أن اليدين مرتين إلى المرفقين، يعني كل الأعضاء ثلاثًا إلا اليدين مرتين إلى المرفقين. وطبعًا الرأس مرة واحدة، يقبل بهما ويدبر، أي باليدين. فالخلاصة علمنا أن الواجب مرة، وأن الغسل الثاني والثالث مستحب. والزيادة على الثلاث خلاف السنة، بل جاء ما يدل أنه من التعدي. جاء ما يدل أنه من التعدي، فقد جاء من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه النسائي وابن ماجة بإسناد حسن، وصححه العلامة الألباني في «الصحيحة» في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» يعني الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. فأعلم أن أساء وتعدى وظلم يعني الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. وهذا يدل على أن الزيادة على الثلاث لا تجوز؛ لأنه إساءة وتعدٍ وظلم. كما أن النقصان عن الواحد كذلك لا يجوز؛ لأنه فيه تفريط في الواجب الذي أمر الله عز وجل به، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته. قال رحمه الله تعالى: «وفي بعض أعضاء الوضوء مرة وبعضها مرتين» قاله في «الهدي» يريد في «زاد المعاد». قوله: «في بعض أعضاء الوضوء مرة» أي أنه يتوضأ في كل الأعضاء ثلاثًا إلا عضو واحد مرة واحدة. وقد روي ذلك عند الترمذي وغيره من حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، وهي تذكر صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: «غسل كفيه ثلاثًا، ووجهه ثلاثًا، ومضمض واستنشق مرة، وغسل يديه ثلاثًا، ورأسه مرتين بمؤخر رأسه ومقدمه، وأذنيه كلتيهما ظاهرهما وبطونهما». وهذا الحديث صححه بعضهم، وضعفه بعضهم؛ لأن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه. فالشيخ الألباني رحمه الله يرى أن حديثه يرتقي للحسن. وشيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله كان اختلف أمره فيه، والذي أعلمه أنه كان آخر أمره أنه في الشواهد ولا يرتقي حديثه إلى الحسن. وهذا الحديث انفرد بروايته عبد الله بن محمد بن عقيل، يعني بهذا اللفظ. فالشاهد هو محتمل للتحسين، وجماعة من أهل العلم يحسنونه. فعلى القول بتحسينه فيه دليل على جواز جعل بعض مواضع العضو الوضوء مرة واحدة. ولكن الأحسن أن نقيد هذا، فنقول: «وفي بعض أعضاء الوضوء مرة: المضمضة والاستنشاق» نقيد. وهذا هو الأكمل. وأما من حيث الجواز فكما مر معنا يجوز؛ لأن الواجب في كل الأعضاء مرة واحدة، فإذا تم الواجب فإنه ما بعد ذلك فهو مستحب. يعني الحديث ورد أن الذي حصل مرة واحدة إنما المضمضة والاستنشاق. وظاهر كلام المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وجعل بعض الأعضاء مرة مطلقًا، ليس فيه تعيين هذا العضو؛ لأن صاحب «الهدي» وهو ابن القيم رحمه الله ذكر ذلك كذلك. وابن القيم رحمه الله ذكر معنى الحديث؛ لأن الحديث فيه ذكر المضمضة والاستنشاق مرة واحدة، فأراد أن يبين رحمه الله -أي ابن القيم- أنه إذا جاز في المضمضة والاستنشاق، فدل على أن عضوًا ما إذا وُضئ مرة واحدة أجزأ، وهو الأصل كما تقدم؛ يعني من حيث الجواز يجوز، لكن من حيث الكمال ليس هو الأكمل. ومعناه: مثلًا لو أراد الإنسان أن يخفف في وضوئه، أحيانًا يكون الوقت ضيق، نقول: خفف في المضمضة والاستنشاق، اجعل الأعضاء ثلاثًا والمضمضة والاستنشاق مرة واحدة يكفي، خصوصًا إذا لم تقم من نوم أو لم تقم من ليل. وأما إذا قام من نوم فكما مر معنا يستنشق ثلاثًا كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. وقوله: «وبعضها مرتين» يعني وبعض الأعضاء مرتين، أي وكل الأعضاء ثلاثًا، وهو يشير إلى ما ذكره ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد». وابن القيم رحمه الله يشير إلى حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، ففيه أنه عليه الصلاة والسلام جعل كل الأعضاء ثلاثًا إلا اليدين مرتين إلى المرفقين. إلا اليدين مرتين إلى المرفقين. ومعنى يجوز في أحد كيفيات الوضوء التخفيف في اليدين مرتين إلى المرفقين كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. وهل يجوز في غير اليدين؟ الجواب: يجوز، لكن الأفضل أن تفعل السنة كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي حديث الربيع المتقدم ذكرت مسح الرأس مرتين، وهذا يحمل على الإقبال والإدبار؛ لأنها قالت: «بمؤخر رأسه ومقدمه» يعني من الأمام إلى الخلف مرة، ومن الخلف إلى الأمام مرة أخرى، كما جاء في حديث عبد الله بن زيد. فبدأ بمقدم رأسه حتى ردهما إلى قفاه، ثم رجع إلى المكان الذي بدأ منه. فهي عبارة عن مرة مسحة واحدة باعتبار أن الشعر أخذ نصيب المسح من أعلى ومن أسفل: من أعلى؛ لأنه إذا مسحه إلى مقدمة الرأس إلى أسفل فقد مسح الشعرات من الجهة العليا وهو الظاهر، وإذا رد اليدين مرة أخرى إلى المقدم مسح نفس الشعرات لكن من الباطن، مسح نفس الشعرات من الباطن. وهذا الحديث يدل على أنها مرة واحدة، وليست أكثر من مرة. وعليه حديث الربيع كذلك، فلا إشكال حتى لا يظن أن فيه دليلًا على جواز المسح أكثر من مرة للرأس. بل الصحيح أن الرأس يمسح مرة واحدة، خلافًا لما اشتهر عند الشافعية من أنه يمسح ثلاثًا. وقوله رحمه الله: «قاله في الهدي» أي هدي العباد «زاد المعاد» في ذكر هدي خير العباد، يريد كتاب ابن القيم رحمه الله المشهور بـ «زاد المعاد». ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يسن مسح العنق عندنا» بنونين، وهو خطأ، الذي عنده النسخة والكتاب يعدل أحد النونين زائدة. «ولا يسن مسح العنق» ولا الكلام على الوضوء. «ولا الكلام على الوضوء» يشير رحمه الله تعالى إلى أنه ليس من السنة مسح العنق؛ لأنه لم يصح بذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويُذكر حديث عن ابن عمر أنه كان يمسح على عنقه إذا توضأ، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ ومسح عنقه لم يغلب الأغلال يوم القيامة». والحديث رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان»، وهو ضعيف لا يصح، وهو ضعيف لا يصح. وهذه عبادة لا يجوز للمسلم أن يتعبد الله عز وجل إلا بما صح وثبت. فما دام أنه لم يثبت مسح العنق، فإننا لا نمسح العنق في الوضوء. صحيح أن النظافة مستحبة، لكن ليس بإضافة عضو ليس من أعضاء الوضوء. توضأ كما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم، وأما عنقك فاغسلها في وقت آخر، عندك أوقات أخرى لغسل العنق وسائر الجسد. كما أن الصدر يترك والظهر يترك، فكذلك العنق يترك. وأقول هذا؛ لأن بعض الشافعية أطال الكلام في هذا الباب، وبدأ يذكر الأقيسة والعلل، ولكن ليس الدين بالرأي، بل الدين بالاتباع. وما دام أنه لم يصح شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، فلا يسن. وأما قوله رحمه الله: «ولا الكلام على الوضوء» أي كذلك لا يسن الكلام على الوضوء. وليس هناك حديث صحيح صريح يدل على ذلك. ولكن لعله لأن بعض أهل العلم ذكره؛ ولأنه قد يشغل المتوضئ فيخرجه عن الاقتصاد والاختصار في وضوئه، إذا صار يتحدث ويتوضأ طال الوضوء، وربما دخل عليه باب الوسواس، ما يدري كم توضأ وهكذا، ربما جفت الأعضاء. وانتقل إلى مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وهكذا إلى غير ذلك مما لا ينبغي أن يكون. فينبغي للمسلم أن لا ينشغل بحديث ولا شيء، إذا جاء الوضوء توضأ وانصرف. وليس معنى أنه لا يجوز، ولا معنى أنه يكره، لو احتاج للكلام. لكن معنى لا ينبغي أن ينشغل عن الوضوء بحديث وكلام. وأما إذا احتاج لكلام، مثلًا يتوضأ وقال: «يا فلان، اذهب جهز الشيء الفلاني، أو ائتني بالشيء الفلاني»، شيء لابد منه، فإن شاء الله لا حرج في ذلك. إلى هنا والله تعالى أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا سائل من بلجيكا يقول: أنا سمعت قصة الرجل الذي ذهب إلى المسجد فسقط على الأرض مرتين في الطريق إليه، ثم بعد ذلك غفر الله له ذنوبه، هل هذا صحيح؟ بارك الله فيكم. أحسن الله إليكم، وأنتم كذلك بارك الله فيكم. أنا ما أعرف هذا الحديث، ولم أسمع به، والله تعالى أعلم به. وهذا سائل يسأل يقول، وهو من السويد، يقول: ما حكم الكلام أثناء الوضوء؟ بار، الله فيكم. سمعت في الدرس مسألة الكلام على الوضوء، بما يغني إن شاء الله عن الإعادة. وهذا سائل آخر من بلجيكا يقول: هل يجوز لامرأة أن ترضع ولدها وهي حامل؟ الجواب: يجوز للمرأة أن ترضع ولدها وهي حامل إذا كان ذلك لا يضر الولد. وأما إذا كان يضر الولد، وهذا هو الغالب، فلا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». وقد عرف الأطباء من قديم، واشتهر كذلك في عرف الكثير من الأمم. فعند العرب مثلًا كانوا يكرهون إرضاع الحامل، ويرون أن ذلك سبب لضعف الولد. وبعضهم يذكر مبالغات وخرافات ليس لها أصل. فالشاهد والخلاصة في هذا يقال: إذا كان هناك ضرر على الولد فلا يجوز، وإن كان لا يضر فإن شاء الله يجوز. وفي الغالب هناك آثار ظاهرة تظهر تدل على حصول الضرر، مثل انتفاخ البطن. فالمرأة الحامل إذا أرضعت طفلها فإنه في الغالب يصاب بإسهال وانتفاخ في البطن، وأشياء أخرى. وممكن أن يستعان بأهل الطب في هذا الباب، وهذا أمر مباح، وهو يعين على اجتناب الضرر. والله تعالى أعلم. وهذا السائل يسأل يقول: إذا شخص نوَّى يتوضأ بغسل أعضاء الوضوء مرة واحدة، ثم أثناء الوضوء ذراعه لم يصبها الماء كاملة، فهل يمكن أن يغسلها اثنين أو يرجع ويبدأ الوضوء من جديد؟ الجواب: لا بأس أن يغسل الذراع أو مكان الذراع التي لم يصبها الماء. وإن كان يرى أنه لا يمكن إلا بإعادة غسل الذراع، فلا بأس إن شاء الله، ولا حاجة أن يعيد الوضوء من جديد. وكما مر معنا أن الأمر في هذا واسع، فالأصل والواجب هو مرة واحدة، لكن مرة فيها إسباغ للوضوء، ليس مرة فيها تقصير في الواجب. والله أعلم. وهذا يسأل يقول: هل يجوز وصل الشعر بالحرير والقماش؟ الجواب: إن كان هذا الوصل بالحرير الأسود والقماش الأسود، فهو يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم في لعن الواصلة التي تصل شعرها بغيره مما هو أسود أو يوافق لون شعرها. إن كان الشعر غير أسود، مثلًا أصفر فأصفر، أو أبيض فأبيض، حتى يظهر كثيرًا وهو ليس بكثير، وهو من الكذب، والكاذب ملعون بنص كتاب الله، وكذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان هذا الوصل بالحرير والقماش الذي لا يوهم زيادة الشعر، كان يكون للزينة مثلًا، مثل بعض القباضات الكبيرة، أو ما يسمى يعني ما يوضع على الرأس لتزيين الشعر بألوان وبكيفيات لا تجعل هذا يكثر من الشعر كذبًا، فهذا إن شاء الله مباح. وأما ما كان فيه إيهام أنه من الشعر ويكثر الشعر، فهذا لا يجوز. وقد يحصل أحيانًا أنه ليس لونه كلون الشعر، لكن يوضع في وسط الشعر حتى يظهر أن الشعر كثيف وكثير، وهو ليس كذلك، وهذا من الكذب كذلك. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أسماء: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» يعني لا يجوز للمسلم أن يتشبع بما لم يعط، وهو كذب لا يليق بالمسلم، مع ما فيه كذلك من الغرور، يحب أن يظهر للناس بشيء ليس فيه، وهذا مرض ينبغي للمسلم أن يتنزه ويترفع عنه. والله تعالى أعلم. وهذا السائل يقول: ما الفرق بين المداهنة والمدارة؟ الجواب على وجه الاختصار: المداهنة هو التنازل عن شيء من الدين لأجل الدنيا، والمدارة هو التنازل عن شيء من الدنيا لأجل الدين. وقد يكون أي المدارة التنازل عن شيء من الدين مما يجوز التنازل فيه. مثال الثاني: الأول واضح، لكن هذا الثاني قد يقول: كيف يمكن التنازل عن شيء من الدين فيما يجوز؟ الجواب: مثلًا في حال الضرورة، أو فيما هو فيه فسحة، ولدرء مفسدة أكبر. مثل ما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، لما كتبوا الصلح قال: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم». قال: «والله ما ندري من الرحمن، ولكن أكتب باسمك اللهم». فباسمك اللهم حق، وإن كان إنكار اسم الرحمن باطل، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل الباطل، لم يقل: «ليس من أسماء الله الرحمن» لا، ولكن قال: «باسمك اللهم» وهذا حق، وفرق بين الأمرين. وهكذا لما قال: «أكتب هذا ما اتفق عليه محمد رسول الله». قالوا: «لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إني رسول الله، ولكن اكتب محمد بن عبد الله» وهو حق كذلك، وهكذا نحو هذا. وأما مثال التنازل عن شيء من الدين لأجل الدنيا، وهو المداهنة: كالمتملق الذي يتزلف إلى بعض المسؤولين يريد الوظيفة، ويريد الرتبة العالية، فيبيع دينه، ربما يترك الصلاة؛ لأن مجلس هذا المسؤول يستلزم ذلك، أو مجالسته تستلزم ذلك، وهكذا. قس عليه أشياء أخرى كثيرة من المداهنات التي لأجل المحافظة على الدنيا أو طلب الدنيا. والله تعالى أعلم. هذا السؤال الأخير إن شاء الله، يقول السائل: بالنسبة لغسل أعضاء الوضوء، هل هي توقيفية محددة بعدد معين، أم يمكن غسل العضو حتى يغسل كامل ولو كانت الأعداد مختلطة بين العضوين؟ الجواب: كما سمعت، لا يجوز النقصان عن المرة الواحدة، ولا يجوز الزيادة عن المرات الثلاثة. فالسنة: مرة مرة، أو مرتين مرتين، أو ثلاثًا ثلاثًا، فلا تنقص ولا تزيد. ولله حكمة في ذلك، فإن هذا يضبط هذه العبادة، ويزيل عن المسلم العبث والشك والوسوسة. فإن بعض الناس لو ترك من دون عدد لأضاع وقتًا طويلًا وهو يعبث بالماء، كما أن بعض الناس سيتساهل وسيعبث بالوضوء. ودين الله بين الغالي والجافي. ولله حكمة في ذلك. وكما سمعت الحمد لله الكيفيات كثيرة، وفيها فسحة ويسر. فإن فعلى مرة مرة، واحتاج بعض الأعضاء أن يزيد زاد. وإن فعلى مرتين مرتين، واحتاج بعض الأعضاء ينقص أو يزيد نقص أو زاد، لكن لا يزيد عن ثلاث، ولا ينقص عن واحدة. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.