تربية الأسرة على الكتاب والسنة

الدرس في تربية الأسرة على الكتاب والسنة، وكانت محاضرة للنساء بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 ربيع الثاني 1432هـ . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الالتزام بالكتاب والسنة في حل مشاكل المجتمع

يؤكد الخطيب على أهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة لحل مشاكل المجتمع، ويبين أن البعد عنهما يؤدي إلى البلاء والفرقة. التمسك بهما هو السبيل للاستقامة والنجاة.

دور الآباء في متابعة وتربية الأبناء

يجب على الآباء متابعة أبنائهم ومراقبتهم بدقة لضمان تربيتهم على الكتاب والسنة، وانتقاء صحبتهم وتوجيههم إلى الخير. إهمال التربية يمكن أن يؤدي إلى انحراف الأبناء.

خطورة إهمال تربية الأبناء وتأثيرها على المجتمع

الإسلام يحث على العناية بالأبناء وتوجيههم بشكل صحيح، وإهمال التربية يمكن أن يؤدي إلى انحرافهم وتأثرهم بالسلوكيات السيئة. يجب تعليم الأبناء العقيدة الصحيحة وتحذيرهم من الأخطاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. نحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وهو القائل جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ونخصه سبحانه وتعالى بالحمد والثناء بما هو أهله، على ما خصنا من نعمة الإيمان والإسلام، والتوفيق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ونحمد الله عز وجل الذي وفقنا لهذا المجلس المبارك من مجالس العلم، نتذاكر فيه ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وذلك من عظيم فضل الله عز وجل علينا وعلى من اختصهم من عباده، ووفق وهدى، ولكن أكثر الناس كذلك لا يعلمون. أيها الحاضرون والحاضرات والمستمعون والمستمعات، إن الله جل وعلا الحكيم أرسل لنا رسولًا كريمًا، ختم به جل وعلا الرسالات، وأرسل معه شريعة عظيمة ختم بها الأديان. والله جل وعلا الحكيم علِم أنَّه سيمر بالناس في حاضر ومستقبل زمانهم ما لا يجدون ما يدفعون ما يبتلون به، ولا ما يكشف ما بهم، ويصلون به لما فيه الخير لهم في دينهم ودنياهم، إلا بما كان من أمر هذا الدين العظيم. ولهذا كان إلزامًا على من وفقه الله لهذا الدين العظيم، وعرف قدر هذه النعمة الجليلة، أن يعلم أن الخير كل الخير في الاستمساك بما جاء به نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وما تضمنه ديننا -دين الحكمة والحلم والكمال- من أحكام عادلة وأخبار صادقة وأحكم عديدة، يكون به صلاح الناس في حاضر أمرهم ومستقبله. وتمر بالناس بين الفينة والأخرى أحداث ووقائع وأمور، ولو أنهم استناروا بنور هذا الدين العظيم، لفرج الله عز وجل عنهم، ولكشف ما بهم، ولكان سببًا في وصولهم إلى خير ما يريدون في دينهم ودنياهم. ولكن لما أعرض الكثير من الناس، فصاروا يبحثون عن الحل في غير موضعه، ويطلبون العلاج من غير مالكه، ويتخذون أسبابًا لم يجعلها الله عز وجل أسبابًا -لا شرعية ولا قدرية كونية- ينتفعون بها لا في دنيا ولا في دين، فكان ذلك سببًا عظيمًا في حصول ما قد يبتل به المجتمع من شر -من فرقة أو بلاء أو كذلك أمور أخرى- وكل ذلك بسبب البعد عن الطريق السوي والعلاج الصحيح الذي ينبغي على أهل الإسلام أن يسلكوه. وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، ويقول جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فالواجب على أهل الإسلام أن يعرفوا قدر هذه النعمة العظيمة التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وفيها الخير للناس في عاجل أمرهم وآجله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الصحيح- أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم في دينهم ودنياهم». فالله عز وجل جعل رسالة الرسل رحمة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾. ومن هذا المنطلق كان علينا تذكير بعضنا بعضًا بأهمية الرجوع إلى الكتاب والسنة والالتزام بما فيهما، والاستنارة من أحكامهما ومواعظهما وآدابهما، ما يكون سببًا لاستقامتنا -الاستقامة الصحيحة- ليست التي تهواها نفوسنا، ولا التي كذلك تشتهيها رغباتنا، أو توافق أحوال مجتمعاتنا، ولكن الذي يحبه الله جل وعلا ويرضاه. وهو في الحقيقة الذي تكون به السعادة وخيرية هذا الإنسان، وبه نعرف أن هذا الباب لا يتوصل إليه برأي ولا عاطفة ولا هوى ولا متابعة الأكثرين. فإن متابعة الأكثرين ربما يكون سببًا لضلال الإنسان، كما قال جل وعلا: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. ولكن الأمر كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾. والأمر كذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم -في حديث عند الحاكم وغيره- من حديث ابن عباس ومعناه عن أبي هريرة رضي الله عنه: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه». فمن تمسك بالكتاب والسنة -التمسك الصحيح- الذي يترك معه عوائده، ويخرج فيه عن أحوال الناس والمجتمع، فيعيش حياة ليست كحياة الناس -في عقيدته وعبادته وأخلاقه وسلوكه وسائر أموره- يزن ذلك كله بميزان الشرع، لا بميزان العاطفة ولا مسايرة الناس والواقع، ولا على قواعد المجاملات والمداهنات. بل يرسم لنفسه طريقًا مستقيمًا، معنى هذه الاستقامة مأخوذ من أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة في كل باب من أبواب الحياة، وفي كل جانب من جوانب حوائج هذا الإنسان -دينية كانت أو حتى دنيوية-. ولا ينبغي لمسلم ولا مسلمة أن يفصل الدين عن الدنيا، وللعبادة عن العادة. فكما أن العبادات أمرنا أن نحتكم فيها للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فكذلك العادات ينبغي فيها الاحتكام بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. كما كان بعض علمائنا وأتباع سلفنا يقولون: «إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل». وذلك لأن هذا معناه كمال الانقياد والاتباع، وغاية الحرص والصدق. ومتى ما كان هذا حال الإنسان -ذكرًا كان أو أنثى- كان سببًا -بإذن الله- لصلاح حاله بعاجل أمره وآجله، ليس صلاح نفسه فحسب، بل بإذن الله تعالى صلاح ذريته وأهل بيته. وبهذا بإذن الله يصلح المجتمع بأثمله. وهل المجتمع الكبير إلا هو من اجتماع تلك المجتمعات الصغيرة المتمثلة بتلك الأسر التي تتكون من آباء وأمهات وأبناء وإخوة وأخوات؟ فمتى ما حرص الناس في إصلاح أحوال أنفسهم في مجتمعاتهم الصغيرة، أصلح الله عز وجل لهم مجتمعاتهم الكبيرة. ولكن لما أعرض الكثير، ابتلوا بسبب إعراضهم بما كان سببًا في وجود بعض المصائب والمحن والبلاء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾. والسبب الأعظم الذي يبتلَى به الناس في مجتمعاتهم هو يرجع إلى أنفسنا. وكما قال القائل: «نعيب زماننا والعيب فينا». وصدق، فإن حقيقة العيب ليس في الزمان، ولكنه من أهله، كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومن هنا كذلك ننتقل إلى نصيحة أخرى، وهي من النصائح التي ينبغي أن يعتني بها المسلمون ويتواصوا بها، خصوصًا الآباء والأمهات وأرباب الولايات. تلك النصيحة تتعلق بتفاصيل التربية على الكتاب والسنة -تربية النفس والأسرة- بمقتضى ما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. لأنه كما تقدم، إصلاح هذه الأسرة سبب لإصلاح المجتمع. وأول ذلك أن نعلم عظم الأمانة التي تعلقت في أعناقنا -آباء وأمهات وأولياء-، جعل الله عز وجل تحت أيدينا أمانات عظيمة سنسأل عنها يوم القيامة. والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم -في حديث ابن عمر المشهور في الصحيحين-: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، ألا كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته». ومعناه أن أرباب الرعايات والمسؤوليات جميعًا مسؤولون عن تلك الرعايات والمسؤوليات. فوجب على الجميع أن يحرص على ما يجب في هذا المقام. وكما قيل: «سمي الراعي راعيًا لما يلزمه من استمرار المراعات والمتابعة». فلو أن إنسانًا وكل برعاية غنم، فنام عنها وتركها من غير مراقبة، لم يحمها مما يضرها، ولم يمنع قويها من ضعيفها فتعتدي عليها، ولم يوردها إلى ما فيه نفعها، ويحجبها عما قد تأكله فيضرها، لكان مفرطًا في الأمانة، فربما تسقط واحدة من مكان عالٍ، أو كذلك يعتدي عليها من يعتدي، أو غير ذلك. فإذا كان مثل هذا إذا فرط صار مضيعًا للأمانة -وهي بهائم- فكيف بمن استرعاه الله عز وجل رعية أعظم من ذلك -من البشر-؟ فكيف إذا كان ذلك من أقرب الناس إليك؟ فالأمر أعظم وأعظم. ونعجب لبعض الآباء والأمهات وأولياء الأمور كيف تبلغهم مثل هذه الأحاديث والآيات وغيرها كثير، ثم بعد ذلك يهملون أبناءهم، يغيبون عن أعينهم الساعة والساعات، وليس اللحظة واللحظات فحسب. فإن اللحظة الواحدة أنت -أيها الأب- وأنت -أيتها الأم- مسؤولون عنها، ستسألون عن هذه الأمانة: أين ذهب هذا الولد أو هذه البنت في هذه اللحظة؟ وكيف بساعات طوال وأوقات عديدة ربما الجزء منها كافي في انحراف هذا الولد أو انحراف تلك البنت؟ يغيب الولد ربما عن بيته، ولا يسأل: أين ذهب؟ أو يدعي أنه ذهب إلى المسجد وهو لم يذهب إلى المسجد، أو ذهب إلى المسجد لكن مع من؟ وماذا فعل؟ كل هذا يحتاج من ولي أمره -أبًا كان أو أمًا- متابعته. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الآخر في الصحيحين-: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ومعناه -كما فسره العلماء- أن المولود أول ما يولد على الفطرة، فيكون ضلال هذا المولود بما يكون من ضلال أبويه -إما أن يتابعهم على ضلالهم، أو بإهمالهم له يكون وقوعه في الضلال-. وهذا هو الواقع، ونأسف أن يوجد أب صالح أو أخت صالحة أم صالحة، ولكن ينشأ من أبناء هذه الأسرة من لا يعرفون معنى الصلاح والميزانة، بل أعظم من ذلك من ربما قلبه يهوى ويميل إلى الشر والفساد. وهذا في الحقيقة موضع من مواضع إهمال الآباء. وإلا فبإمكان ولي الأمر -أبًا كان أو أمًا أو أخًا أو أختًا- أن يوجه هؤلاء الأبناء إلى ما فيه صلاحهم، بتحبيبهم إلى الخير وتربيتهم عليه، ومتابعتهم وتفقد صحبتهم، وعدم إهمال مراقبتهم، وتفقد دقائق شؤونهم وأحوالهم، ما يكون به صلاحهم. وليس المقصود أن يغضب الأب أو تغضب الأم وتضرب وتنهر لحظات، ثم يهمل ساعات وأيام وشهور. هذا خلل في التربية وخطأ عظيم، تكون طول الوقت أو تكون أيتها الأم طول الوقت في غفلة وتضييع للأمانة. فإذا جاءت الشكوى أو وقع الخطأ حصل العقاب وحصل التشديد، ليس هكذا تكون التربية، ولا هكذا كذلك يكون التعليم والنصح وأداء الأمانة. بل أداء الأمانة يقتضي مراقبة مستمرة ومتابعة دقيقة وعدم غفلة. نتفقد أبناءنا ونتابع أمورهم في تعليمهم وفي تربيتهم، حتى في صحبتهم، ننتقيهم من يستحبون لأن ذلك مما يكون به صلاحهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة بالسنن بإسناد حسن-: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وقال عليه الصلاة والسلام -كما في الحديث الآخر بالصحيحين-: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». فإذا علمنا مثل هذه الأحاديث، كيف يجوز لنا أن نهمل أبناءنا، لا نفتش من يصاحبون ومع من يمشون؟ ربما يكون أحد هؤلاء سببًا لانحراف الولد أو البنت، ويكون خسارة الدنيا والآخرة والعياذ بالله. وكما قال الشاعر: «وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه». فإذا عوده الأب على الخير تعود على الخير، وإذا عوده على الشر تعود على الشر، وإذا عوده الأب أو الأم على الغفلة والإهمال انفلت كما ينفلت الكثير من الناس بهذا الإهمال والغفلة في هذا المجتمع. فإن كنا نريد الصلاح لأبنائنا، فعلينا أن نحرص ونجتهد على إصلاحهم. والأمر ليس بالسهل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». من يريد طريق الجنة لنفسه ولذريته ولأهله، فلا بد من سلوك طريق صعب. هذا معناه أن نقلل من راحاتنا، ليس أن الأب أو الأم تريد الراحة، تريد أن تنام وتأخذ قصدًا كافيًا من الراحة والنوم، وتريد أن تتسلى أو يتسلى الأب مع أصدقائه، وتتسلى الأم مع صديقاتها، وهذا على حساب تربية الأبناء والغفلة عنهم وإهمال أمورهم. وربما بعض الأمهات تكون امرأة صالحة فيها خير، لكن بسبب حبها لنفسها وعدم صبرها على مشقة التربية، يدخل الخلل منها هنا على الأبناء. تارة تضع أبناءها في هذا البيت، وتارة عند أختها، وتارة عند أخيها، وتارة عند أمها، وتارة عند جدتها، وتارة عند جارتها، وتارة أخرى عند صديقة لها، وهكذا يذهب هؤلاء الأولاد في هذه البيوت العديدة. ويا ترى ماذا يحصل لهم في تلك البيوت؟ هل كل البيوت يجدون فيها ما تقتضيه الأمانة في تربيتهم في عقائدهم في أخلاقهم في سلوكهم؟ اللحظة الواحدة إذا غفل عنك الولد ربما يكون فيها خطأ، فكيف بساعات كثيرة يشاركك في تربية أبنائك غيرك؟ إذن أنت سمحت لغيرك أن يكون شخصية هذا الولد أو هذه البنت. فكيف تنتظر أن تجد ابنا طائعًا أو ابنة طائعة لك أو مستقيمة أو مستقيمًا على ما تحب من دين الله عز وجل، وأنت في الحقيقة غفلت وأحملت أو أنت غفلت أو أحملت تربية هؤلاء الأبناء حتى ولو كانت هذه البيوت فيها خير؟ الخير يتفاوت، ثم هي مسؤولية من؟ هل الأم أو الأب؟ أمر أن يأتي بالأبناء أو شرع له أن يأتي بالأبناء ليربيهم غيره ويتحمل مسؤوليتهم غيره؟ لو لم يكن في هذا الباب إلا أذية هؤلاء الغير، فكان هذا منافيًا لأدب الإسلام. فالمسلم أخو المسلم، لا يؤذي له أن يعتدي عليه، ولا أن يؤذيه، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. اسأل نفسك: لو كان لك جار كل يوم يرسل أولاده عندك، أنت تتضرر بهذا أم لا؟ إن كان الجواب نعم، فلا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فضلًا عن أمانة التربية. حتى ولو كان هذا على حساب أبواب خير الذي لا أستطيع أن ينفع نفسه وينفع أهل بيته، فلا خير في خير يوصله للناس على حساب أن يحرق نفسه أو يحرق أبناءه. لا نكن معشر المسلمين والمسلمات وطلبة العلم وطالباته على وجه الخصوص كما يقال: «كالشمعة تحرق نفسها وتضيء لغيرها». لا يصلح أن يكون أحدنا في مقام الدعوة والتوجيه أو كذلك في عداء طلبة العلم وطالباته، ثم لا نضرب الأمثلة الصحيحة في حياتنا وفي تربيتنا لأنفسنا ولأبنائنا. وما أشبه هذا بصنيع بعض الناس في بلاد الكفر -هي من عوائد الكفار- انتقلت إلى بعض المسلمين، توجد في بلاد الكفر دور للحضانات ولحفظ الأبناء بالأجرة، فتعود الكثير من الناس في بلاد الغرب على مسألة الانفلات من المسؤوليات وكراهية كذلك مشقة التربية، دفعتهم لدفع أبنائهم إلى تلك الدور، حتى صار بعضهم لا يرى ابنه إلا في نهاية الأسبوع -يوم السبت والأحد- تأتي المدرسة بالولد إلى البيت، وبقية الأيام يذهب الولد كما يقال في داخلية المدرسة. أليس هذا من الظلم على هذا الولد؟ الولد أو البنت في سن الصغر لا يحتاجان فقط إلى التربية والتعليم، فهما يحتاجان إلى عطف الآباء والأمهات حتى ينمو وينمو حبه لوالديه، وينمو معه رحمة وتعلق الأب والأم بأبنائه وبناته. وهذا وهذا هو أدب وخلق الإسلام الذي يوافق الفطرة، لكن لما صار الكثير من الناس تعود عوائد تخالف الشرع، طغت تلك العوائد على حياة الناس، حتى ولو صار من المسلمين. وللأسف صار هذا في بلاد الغرب عند بعض المسلمين كذلك، وصار مثله كذلك عند بعض المسلمين أو قريبًا منه في بلاد المسلمين. بعض الأمهات كل يوم العصر عندها واجب، مرة هذه عندها عرس، وهذه عندها وفاة، وهذه ستخرج من العدة، وهذه جاء زوجها من السفر، حتى الزوج إذا جاء يأتون ويباركون للزوجة، وهكذا ويسمون هذا واجبًا. فربما يسأل عن المرأة: أين؟ قالوا: «ذهبت للواجب». وكل يوم والواجب ما ينتهي، طيب من يربي الأبناء؟ تربيهم الجدة، بل ربما صار هذا واجبًا عليها. سبحان الله، من أوجب هذا؟ أذية، بدلًا من أن تعان هذه المرأة التي هي كبيرة في السن في البيت، يثقل عليها. وليس هذا فحسب، مع ما فيه كذلك من إهمال التربية وتضييع هؤلاء الأبناء، ما أكثر الأبناء الذين نراهم بالشوارع وهم من أبنائنا وبناتنا -أسر طيبة- لكن غفلة الأب في العمل والأم في الواجب، أو ربما حتى في المسجد. الذهاب إلى المسجد لا يعني سقوط واجب تربية الأبناء والاعتناء بهم، إذا كان ذهابهم إلى المسجد سيكون على حساب تربية أبنائنا، فلا خير في الذهاب إلى المسجد أبدًا. لا نأخذ المستحب بتضييع الواجب، فنحن عندنا واجبات مرتبة ينبغي أن يقدم الأهم فالأهم، فضلًا أن يذهب الإنسان للمستحب ويضيع الواجب. فالله الله في هذه الأمانة التي سنسأل عنها يوم القيامة. إن كنا نريد الخير لأنفسنا ولأبنائنا، فلنعلم أن ذلك لا ينال براحة الجسد. والجنة حفت بالمكاره، والتربية شاقة وتحتاج منا اعتناء ومتابعة. اللحظة الواحدة سنسأل عنها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث معقل بن يسار في صحيح مسلم-: «ما من امرئ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يجد رائحة الجنة». فنحن تعلقت بنا أمانة عظيمة سنسأل عنها يوم القيامة، فلذلك علينا أن نعتني بهذه الأمانة، وأن نوليها قدرها التي يكون بها أداؤها على الوجه الذي يحبه ربنا جل وعلا ويرضى. ليس فقط بالتعليم، ولكن تعليم وتربية ومتابعة ومراقبة واستمرار في التوجيه. نحن مأمورون أن نتابع متابعة مستمرة. انظر مثلًا على سبيل المثال لمسألة الألفاظ والأقوال التي هي من أخلاق أبنائنا وبناتنا. الطفل يولد حين يولد وهو على الفطرة بريء، ما يعرف الكذب، ما يعرف السب، ولا يعرف الشتم، ولا يعرف الاستهزاء والسخرية. لكن -كما يقال- براءة الأطفال في الصدق وفي الشفافية وفي حسن السريرة وسلامة اللسان والقلب. فينبغي أن يبقى هذا الصفاء ويحافظ عليه، بل ويعطى ما يكبره وينميه الخير الذي وفق إليه الآباء من التربية الإسلامية الصحيحة. لكن إذا أهمل هذا الباب، أخذ هذا الولد من أخلاق من يخالط. إذا صارت الأم تقول: «يا بقرة تعالي إلى هنا، يا حمار تعالي إلى هنا، يا ثور اترك هذا». اكتسب هذا الطفل وهذه الطفلة كلمات في قاموسه جديدة من الشتم، وكذلك السب الذي نهينا عنه. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المسلم بالسباب ولا الشتام ولا الفاحش البذيء». ألم يكن من وصف نبينا عليه الصلاة والسلام أنه «لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا»؟ فضلًا عن عبارات أقبح من هذا بكثير تخرج من الآباء والأمهات، تخرج من الآباء والأمهات. فضلًا عما يكتسبه الولد بسبب مخالطته أو البنت في تلك اللحظات التي يغفل عنها الآباء والأمهات، تلك اللحظات التي تضعها هذه الأم مرة عند أختها ومرة عند جدتها ومرة عند خالتها ومرة عند جارتها ومرة عند صديقتها. ماذا يكتسب هذا الولد أو هذه البنت من قواميس ومن أخلاق وسلوكيات؟ بل ربما ينحرف -العياذ بالله- مع كثرة الفساد في البيوت اليوم. يشكو بعض الرجال من النساء وانحرافهن، والعكس بعض النساء من الأزواج وانحرافهم، وهم ينتسبون إلى المساجد والالتزام. والالتزام صار الالتزام عند بعض الناس فيه مناقضات، فلا يغتر الإنسان بكل ملتحي ولا بكل محجبة. ولا يعني ذلك أن نسيء الظن بحكم ينبغي أن نسلك مسلك الحذر. فكيف بأبناء يخالطون هذا المجتمع -كما يقال- بعجره وبجره، مجتمع مليء بالفساد، يخرج الولد إذا أهمله أهل بيته كأنه أدخل في بالوعة من كثرة الفساد الذي في المجتمع. ماذا يظن بإنسان يرمى في بالوعة ثم يخرج منها؟ هل سيخرج نظيفًا؟ المجتمع أكثره -إلا ما رحم الله- مثل البالوعة، حقيقة ليست مبالغة. لأن أسباب الفساد والشر في المجتمع كثيرة جدًا، كثيرة جدًا. وسائل إعلام ساقطة مرئية ومسموعة ومقروءة، وأناس فاسدون قل دينهم وكثر شرهم، وزيادة على ذلك رفقاء سوء كثر، وإهمال في التربية، حتى نشأ فساد لا يتصور. ولكن الله حافظ عباده ودينه. والله لو لا حفظ الله لنا وستره لنا لهلكنا بسبب كثرة الشر والفساد. فكيف يطيب لإنسان أن يرمي ابنه لهذه القمائم والقاذورات والبالوعات؟ ترميه إلى أين؟ يخالط من؟ يكتسب أخلاق من؟ من أنت لو علمت أن ولدًا ما صاحب خلق سيء منحرف ساقط، هل تأمن أن تضع ولدك معه وأنت لا ترى ساعة واحدة، بل دقيقة واحدة؟ ما تأمن. طيب والمجتمع مليء من أمثال هؤلاء؟ المجتمع مليء من أمثال هؤلاء. وأكثر من هذا، كم نسمع عن جرائم واعتداءات على الأطفال وعلى البنات صغارًا وكبارًا، وأمور مؤسفة ومؤلمة. سبب ذلك ليس فقط اعتداء ذاك المعتدي وظلمه وشره، بل كذلك إهمال أولياء الأمور، إهمال أولياء الأمور له نصيب من هذا الباب. فضلًا عن أمور دقيقة علمية قد تكتسب من العامة وأشباه العامة، حتى في العقائد. تأتيك ابنتك الشابة ربما تقول -وهي سمعت كلمة جديدة أدخلتها في قاموسها- ما ظنت أنها تنافي الشرع، تقول مثلًا: «الله على ما يشاء قادر» أو «الله على ما يشاء قدير». وهذا التعبير خطأ، نبه العلماء نبهوا أنه منافي للعقيدة. لأن الله جل وعلا على كل شيء قدير، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. أدخل حقًا، ولكن ليس معناه أن نقول كما يقول بعض العامة: «الله على ما يشاء قدير». اشتهرت هذه الكلمة على ألسنة بعض العامة، بل حتى على بعض طالبات العلم، وهي من الأخطاء التي تنافي العقيدة الصحيحة. بل بعض أهل العلم ذكر أن هذا خرج من بعض أهل البدع، فهم هم الذين حصروا القدرة وجعلوها لا تتعلق إلا بما تتعلق به المشيئة -على تفاصيل معروفة في كتب أهل العلم- تتعلق بقول القدرية النفاة والجبرية وغير ذلك. كذلك كثير، حتى لعن الشيطان مثلًا. يأتي بعضهم فيقول: «الله يلعن شيطانك، الله يلعن الشيطان». وهي عبارة اشتهرت، ربما قال بعض طلبة وطالبات العلم، وهو خطأ. النبي صلى الله عليه وسلم علم أسامة بن زيد لما تعثر فقال: «تعس الشيطان». قال له: «لا تقول ذلك، لكن قل: بسم الله». فإنك إذا قلت: «تعس الشيطان» تعظم أي الشيطان. ولكن انظروا إلى ما أدبنا به. فنحن أدبنا بآداب ينبغي أن نحرص عليها. ومن ذلك أحيانًا تجد بعض أبنائنا يحلف بغير الله، يأتي بهذا، يأتي بهذا من بعض مخالطة العوام وأشباه العوام والأمانة. ونحو ذلك من أنواع الحلف التي ربما يقولها بعض العوام، فيقلدهم بعض أبنائنا. وهكذا كذلك على سبيل المثال ربما بعضهم ينسب بعض الأفعال لغير الله عز وجل، فيأتي يقول مثلًا: «هذا من عدالة السماء، وهذا من تدبير القدر». ونحو ذلك من العبارات التي اشتهرت حتى على ألسنة بعض المثقفين -كما يقال- وهم على جهل بدين الله عز وجل. أو كذلك سب القدر، وقد نهينا عن ذلك. أو سب الدهر، فبعضهم يسب الزمان، يسب الدهر، وغير ذلك مما هو منافي للشرع. بعضهم ربما يقول: «يا رحمة الله، يا عزة الله». ونحو ذلك من العبارات التي كذلك نبه عليها العلماء. أو ينسب الشيء لدين الإسلام وليس من دين الإسلام، فيقول: «هذا حكم الله»، وهو ليس بحكم لله سبحانه وتعالى. فالمهم هناك أشياء كثيرة ينبغي أن نعرفها، وبغيرها أننا مسؤولون عن أبنائنا وتربيتهم. فإذا أردنا أن يحفظهم الله، فلا بد أن نأخذ بأسباب الحفظ. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام -في وصية لابن عباس- الحديث المشهور: «احفظ الله يحفظك». فأنت إذا أردت حفظ الله، احفظ الله عز وجل في نفسك. أردت حفظ الله لأبنائك، احفظ الله فيهم. وهذا الباب أمره واسع، لكن لعل في هذه الإشارات ما يدلنا إلى أهمية الاعتناء بتفاصيل التربية. أقول تفاصيل، لأن المسألة ليست عبارة عن نصائح مجملة واعتناءات عامة، بل تفاصيل تحتاج منا إلى استمرار ومداومة ومراقبة ومتابعة. فأنت تعودهم على كل خير -فعلًا وقولًا- تربي كيف يتعامل مع الكبير، كيف يتعامل مع الصغير، كيف يربي نفسه على عدم العجب والغرور، كيف يربي نفسه على الترفع عن الشر والاعتداء، كيف تعوده على الشجاعة في الخير، كيف كذلك تربيه على فعل أبواب الخير. كل هذا يحتاج منك لأعتناء، ويحتاج منك -أيتها الأم- كذلك إلى اعتناء. فالتربية أمرها ليس بالسهل، ولكن تحتاج إلى علم وعمل ومتابعة مستمرة. وكما يروى عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يقول: «أدب ابنك، فإنك مسؤول عنه فيما أدبته وما علمته، وهو مسؤول عن برك وطواعيته لك». يعني أنت عليك أمانة، وهو عليه أمانة. وإذا تأملت حقيقة التربية، فحقيقتها تكمن في هذا المعنى، وهو الاستمرار في التأديب -بالعلم وبالعمل-. وإذا تتبعت الأدلة تجدها تدل على هذا المعنى. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما فيه صلاحنا وصلاح أبنائنا وأهلينا، وأن يعيننا على ما فيه صلاحنا في ديننا ودنيانا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه وسلم. يقول: إذا أحدث الإنسان أثناء الغسل الحدث الأكبر، هل يعيد الغسل من جديد؟ كيف يحدث الحدث الأكبر أثناء الغسل؟ ما تصور أنه يحصل حد