كتاب الإيمان  41

كتاب الإيمان 41

الدرس في كتاب الإيمان 41، تابع باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث أفضل الأعمال

شرح حديث عبد الله بن مسعود الذي يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم حول أحب الأعمال إلى الله، حيث بيّن أن الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله هي الأعمال المفضلة.

تفصيل ترتيب الأعمال وفضل الصلاة

تفسير ترتيب الأعمال في الحديث وبيان أهمية الصلاة على وقتها، مع توضيح أن المصلحة قد تقتضي تغيير الوقت في بعض الأحيان، وربط هذه الأعمال بمفهوم الإيمان.

أبواب الصدقة والبر ونيل محبة الله

شرح مفهوم حب الله تعالى لعباده وأهمية الأعمال الصالحة، مع تعداد أبواب الصدقة الخمسة التي تمكن المسلم من نيل الأجر والثواب.

خاتمة بالإقرار بعلم الله تعالى

الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، مما يدل على انتهاء الكلام في الموضوع السابق والاعتراف بعلم الله الشامل.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. قال: أخرجه البخاري بكتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها. أورد المؤلف رحمه الله هذا الحديث، حديث عبد الله بن مسعود، وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان. وعلى قاعدته، فلفظ الحديث لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه الإمام البخاري في الموضع المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا شعبة، قال: قال الوليد بن العزار: أنه سمع مسروقا يقول: حدثنا صاحب هذه الدار -وأشار إلى دار عبد الله بن مسعود- فذكر الحديث بلفظه. وما اسمه أبو مسروق الشيباني؟ ها يا سليمان، هذا مر عليك في عمدة الأحكام. أنت حفظت هذا الحديث؟ ها يا عبد الله، ها عبد الرحمن، ها من الذين يحفظون معنا؟ مجاهد موجود، ها عند من سعد بن إياس؟ نعم. قال صاحب العمدة، واسمه سعد بن إياس، أي أبو مسروق الشيباني. وهذا الحديث دلالته على ما بوّب به في قوله: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. كما ترون، ليس فيه ذكر الإيمان، ولكن لكونه ذكر الصلاة، وسائل الأعمال على هذا الترتيب، فيها معنى على حديث المتقدمة قبل ذلك، حديث جابر وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم، وهو يدل على المقصود، فهو من حيث الإجمال فيه معنى خصال الإيمان. وفي هذا الحديث بعض المسائل التي مرت معنا في الأحاديث السابقة. وفيه كذلك من المسائل: بيان أن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها. وفي قوله: «أحب الأعمال»، لا ينافي ما تقدم من أن أفضل العمل الإيمان بالله. فكما تقدم وسبق: أنه قد يحمل أن الجواب بحسب السؤال، فقد يحملها هنا أن المراد بالأعمال على وجه التفصيل. فالصلاة من الإيمان؛ لأنه يدخل في الإيمان بالله الإيمان كذلك بالإسلام وأركانه، ومن أركان الإسلام الصلاة، بل ومن الإيمان الصلاة. فسمى الله الصلاة إيمانا. ما هو الدليل على ذلك؟ سمى الله الصلاة إيمان. نعم. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فسمى الصلاة إيمانا. فيكون هذا هو الجواب على هذا التقديم. وقد يكون كذلك أنه باعتبار حال المسؤول كان الجواب كما سبق الكلام عليه في الأحاديث المتقدمة. وفيه كذلك فضل الصلاة، وفضل الصلاة على وقتها أنه أحب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «على وقتها»، يتناول وقتها الذي بيّنه النبي عليه الصلاة والسلام من فعله. فأفضل الصلاة على وقتها الفجر بغلس، كما كان يصليها عليه الصلاة والسلام. ويجوز أن يكون بعد ذلك إذا اقتضت المصلحة لهذا. وكذلك يقال في كل صلاة يوجد وقت أفضل. وقد تقتضي المصلحة في أوقات أن يكون وقتها في غير الوقت الذي هو على الدوام أفضل. مثل صلاة الظهر، أفضل الصلاة في أول وقتها، لكن إذا كان وقت شدة الحر، فالسنة الإبراد. وكذلك حتى الجمع بين الصلاتين، فالترخص بالرخص مما يحبه الله عند المطر والبرد الشديد والريح الشديدة، وغير ذلك مما يحتاج الناس فيه إلى جمع وتكون لهم فيه مشقة، يشرع لهم الجمع بين الصلاتين. فهذا من الصلاة على وقتها، وهو من أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك قد تقتضي المصلحة لأمر ما تأخيرها بعض الوقت، إذا كان ليس فيه مشقة على الناس ولا خروج من الحدود الشرعية. فصلاة العشاء مثلا، إذا كان ليس فيه مشقة على الناس، يستحب أن تؤخر. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها لو خشية المشقة على الناس. فإذا لم يكن مشقة فلا بأس بتأخيرها، كما يكون في ذلك مصلحة للناس، مثل ليالي رمضان مثلا. وقل نحو ذلك بحسب ما تقتضيه المصلحة. وعلى هذا، فتأخير عثمان لصلاة الفجر بعد مقتل عمر رضي الله عنه، هذا من فقهه، وليس مما يؤخذ عليه، بل هذا مما يؤخذ له لا عليه، إذ أنه فعل ذلك لمصلحة. وكونه فعل ذلك خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم درءا لمفسدة، فهو مصيب ومجتهد. وكل مجتهد مصيب، صحيح أم خطأ؟ هيا يا عبد العزيز، صحيح. هيا يا محمد، أي شيء الصواب؟ لكل مجتهد نصيب، وليس كل مجتهد مصيب. انتبهوا لهذا. فكل مجتهد له نصيب، وليس كل مجتهد مصيب. فعثمان رضي الله عنه مجتهد وله نصيب، وهو مصيب له نصيب، وهو مصيب؛ لأن الأمر كان يقتضي ذلك. قتل عمر رضي الله عنه لما كان يصلي بغلس، فأراد رضي الله عنه أرضاه ألا يفتح باب شر آخر، فلذلك كان يؤخر الصلاة رضي الله عنه أرضاه. فالمقصود قوله عليه الصلاة والسلام: «على وقتها»، أي بما قدر بالشرع أو اقتضته المصلحة في الحدود الشرعية. وقوله: «ثم أي»، ثم تفيد الترتيب، ويفيد أن أعظم الحقوق بالنسبة لله بعد التوحيد الصلاة. وأعظم الحقوق بالنسبة للمخلوقين حق الوالدين. ولهذا قرن الله عز وجل حقه بحقهم، قال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ والآيات في هذا الباب كثيرة. فبر الوالدين من أعظم حقوق المخلوقين أولوية. فعلم بهذا أن «ثم» لها مغزاها ومعناها في هذا الموضع، فتفيد الترتيب. وكذلك التعقيب الترتيب، وليس التعقيب الترتيب. نعم. وبر الوالدين من الأعمال الصالحة التي كذلك تدخل في مسمى ومعنى الإيمان. ولهذا دخل هذا الحديث في هذا الباب، وفي هذا الكتاب كتاب الإيمان. وهذه الأعمال من شعب وخصال الإيمان. قال: «ثم أي»، قال: «الجهاد في سبيل الله». وأخرها هنا الجهاد في سبيل الله. في حديث جابر قدم الجهاد في سبيل الله. والجواب على ذلك ما تقدم في حديث جابر، فإنه قد يكون بحسب سؤال السائل أو حال السائل. والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب الناس بحسب ما تقتضيه المصلحة لهم. وقول: «حدثني بهن، ولو استزدته لزادني»، إشارة منه رضي الله عنه وارضاه: أن أعمال البر التي يحبها الله كثيرة، لا تنحصر في هذه الثلاثة. وفيه كذلك دليل على إثبات صفة الحب لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. فالله سبحانه وتعالى يحب، ويحب ما يحب. وهو جل وعلا إذا أحب أحب حبا يليق بجلاله وعظمته. وهو كذلك يحب من عباده من عمل ما أحبه. فهناك أعمال محبوبة لله، وهناك عباد محبوبون لله جل وعلا. وفيه كذلك أن ميزان الحب هو فعل المحبوب لله جل وعلا. ولذلك فمن أراد أن يعرف منزلة نفسه عند ربه، فلينظر نفسه في محابب الله أين هو منها؟ فإن كان هو حريصا عليها، لا يفتقد فيها، فهو إن شاء الله من المحبوبين عند الله سبحانه وتعالى. وإن كان العكس، فهو يعرف نفسه. وعند ذلك يصلح من حال نفسه وشأنه. وكما قيل: الإنسان غني إلا مما يغنيه. غني إلا مما يغنيه، ويكثر من الغناء، لكن ما يغنيه حقيقة هو فقير فيه. كما قيل: لو كان للأعمال جسدا لصار جسدا شاحبا هزيلا. لماذا؟ لأننا -إلا من رحم الله- أهملنا هذا الجانب. نعتني بأشياء كثيرة إلا الأعمال الصالحة، فأغفلنا هذا الباب. ولو أن الإنسان يزن هذا بالميزان المحسوس، لكفاه أن يعدل بين جسده الظاهر وبين تغذية روحه وعمله الصالح الباطن. لو عدل في ذلك لكان ذلك عسى أن يكون له غنى. ولكن الغالب -إلا من رحم الله- يغفل عن هذا الباب، لا يصبر عن الطعام والشراب وما تشتهيه النفس، ولكن عن غيره يصبر. ويغفل وينسى ويسهى. فنسأل الله عز وجل أن يعيننا على أنفسنا. وهذا الحديث مع الأحاديث السابقة، فيها ذكر لأعمال البر التي هي من خصال الإيمان، ويحرص عليها. ويتمم مع هذه الأحاديث الثلاثة حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين، الذي فيه: «على كل مسلم صدقة». فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق». قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف». قال: قيل أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يأمر بالمعروف أو الخير». قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يمسك عن الشر، فإنها صدقة». فهو بمعنى حديث جابر. وفيه ما تقدم من كلام الشيخ الإسلام: من أنواع الصدقات الخمسة. الصدقة الأولى: أن يتصدق بماله الذي أعطاه ربه وخالقه وموجده من العدم، أو ما أعطاه من النعم الأخرى. فإن لم يجد يعتمل بيديه، وهذا باب آخر من أبواب الصدقة. يعتمل بيديه يعني يعمل ليتصدق. فإن لم يستطع، ينتقل إلى الباب الثالث، وهو أن يعين بجهده أو قوته أو جاهه أو منصبه، يعين ذا الحاجة الملهوف. ما عنده مال، لا متأصل ولا مكتسب، ولا يستطيع أن يكتسب. فإذا بأبواب أخرى من أبواب الصدقة. فإن لم يستطع -يعني هذا الثالث- فعنده باب رابع من أبواب الصدقة: الأمر بالمعروف والمعروف، يأمر بالمعروف أو الخير. هذا باب آخر من أبواب الصدقة، حتى لا يظن المسلم أنه فقير فلا يستطيع أن يتصدق. لا، بل تستطيع بهذا الباب الرابع أن تنافس الأغنياء. الحسنة بعشر أمثالها. الغني يتصدق بريال، أنت تتصدق بماذا؟ بعشر أمثال هذا الريال. تكتسب عشرة أمثال تلك الحسنات بأمرك بالمعروف والخير. وبه تعرف فضل العلم والتعليم، فما أكثر العلم والتعليم وما فيه من خير، وما فيه من دعوة إلى المعروف. فهي حسنات لا تعد ولا تحصى. فإن لم يكن، فالباب الأخير الخامس من أبواب الصدقة والبر: أن تمسك عن الشر، فإنها صدقة منك على نفسك، وهي كذلك للناس. وتقدم توضيح وبيان في حديث جابر. والله تعالى أعلم.