الدرس في كتاب الإمارة 14، باب كيفية بيعة النساء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل كيفية بيعة النساء في الإسلام وكيفية التعامل معهن وفق الشروط الإسلامية. يشدد الإسلام على هجرة النساء ويضع شروطا خاصة لضمان حفظهن وحماية أعراضهن.
يُحذر هذا الفصل من مصافحة النساء الأجانب لما في ذلك من خطر وفتنة، ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين أن قول بعض الناس "قلوبنا طاهرة" ليس مبرراً لمصافحة النساء الأجانب.
يتناول هذا الفصل مسائل فقهية متعلقة بتحريم مصافحة النساء واستدلاله بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما يشير إلى تفاصيل مذكورة في كتب العقيدة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب كيفية بيعة النساء. قال حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: قالت: كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنَّهن بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخر الآية. قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات فقد أقر بالمحنة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقن، فقد بايعتكن. لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام. والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء إلا بما أمره الله، يقول لهن إذا أخذ عليهن: قد بايعتكن كلاما. قال: أخرجه البخاري بكتاب الطلاق، باب إذا أسلمت المشركة أو النصرانية تحت الذمي أو الحربي. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في سياق ذكره لأحكام كتاب الإمارة، وأورد في هذا الحديث حديث عائشة، وعلى قاعدته فالتبويب على ما بويب على صحيح مسلم، والحديث لفظ الإمام البخاري. وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في الباب المشار إليه، فقال رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب. وقال إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن وهب قال: حدثني يونس قال: ابن شهاب حدثني عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: فذكر الحديث بلفظه. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أهمها فيما يتعلق بكتاب الإمارة ما بويب عليه: باب كيفية بيعة النساء. أي: هذا مدخل في معرفة كيفية بيعة النساء، أي: يكون بيعة النساء بالكلام، ليس بالمصافحة. وفيه كذلك الضد: أن بيعة الرجال بالمصافحة، بما يكون من عقد الكف بالكف، تأكيدا لأخذ البيعة. وهكذا كذلك من معنى قوله: باب كيفية بيعة النساء، أي: أن بيعة النساء تأخذ بما أمر الله عز وجل، فأمر الله عز وجل أن تأخذ البيعة على المؤمنات المهاجرات بهذا الامتحان في هذه الآيات في سورة الممتحنة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع المهاجرات بذلك. وأفاد ذلك كذلك تأكيد هذه البيعة الخاصة للنساء، وهو يدل كذلك على أمر الاعتناء بهذا الباب في حق النساء. فبيعة النساء فيها شيء من الخطورة، أي: هجرتهن. فلذلك يؤخذ عليهن هذا اللفظ الخاص. وبه كذلك يكون فيه حث المسلمين على التدقيق في هجرة النساء، فليس هجرة النساء كهجرة الرجال. ولهذا ينصح العلماء بالتأني في هجرة النساء، لا كهجرة الرجال، لما في هجرة النساء من الخطر ما لا يكون في هجرة الرجال. ولهذا كان الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تهاجر بغير محرم إلا لضرورة أعظم من ضرر سفرها بغير محرم. هذا شرط. ومع ذلك تحرص على أن تأخذ بأسباب الأمان، كأن تهاجر مع أسر مسلمة مأمونة، أو رفقة مأمونة، أو غير ذلك من أسباب الأمان. ومن ذلك أن تصل إلى مكان يكون فيه حفظها وحفظ عرضها، ليس أن ترمي نفسها في مكان لا تدري ما عاقبته. فإن مثل ذلك لا يأذن بمثله الإسلام. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البيعة على النساء بعدم الزنا، وهي تأتي إلى قوم يحفظونها ويعينونها على الحفظ، فكيف إذا كانت ستأتي إلى مكان لا يعينها على الحفظ؟ فمثل هذه قالوا لها: لا هجرة لك، بقاؤك في مكانك الذي أنت فيه ما حفظ العرض والدين خير لك من الهجرة. لأن من شرط الهجرة المحافظة على العرض، فهجرة فيها تعريض العرض للتدنيس هجرة ممنوعة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ بهذا العهد على النساء، فدل على التشديد فيه في حق النساء. مع أن الزنا متوقع من الرجل، أو ليس بمتوقع، متوقع. ومع ذلك ما كان تأخذ بيعة الرجال بعدم الزنا، ولكن تأخذ على النساء سدا لذرائع ما يوصل إلى ذلك. وهكذا كذلك في هذا الحديث التقيد بهذا الوارد في الشرع، فلا يتوسع في هذا الباب. وهو كذلك على ما تقدم خاص بولي الأمر، ليس كل أحد يحل له ذلك، بل هو ولي الأمر. فما تصنعه بعض الجماعات المنتسبة للإسلام من أخذ البيعة على الرجال وعلى النساء من الأمور المحدثة. وفيه من المسائل كذلك مشروعية إذن أو هجرة النساء بهذا الشرط. وممكن تجمل شروط هجرة النساء في أربعة أمور: أولها أن يكون بهذا الشرط بأخذ البيعة عليهن. وثانيها -وربما يكون قبل هذا- أن يكون خروجها مع محرم يحفظها، أو من يقوم مقامه إذا كان مفسدة بقائها أعظم من مفسدة خروجها. لأن خروجها من دون محرم فيه مفسدة، لكن إذا كان أمر تلك المفسدة أقل، فترتكب الصغرى لدفع الكبرى. وكذلك الشرط الثالث: أن تكون هجرتها إلى موضع يكون فيه حفظها. فإذا لا تذهب إلى موضع يكون فيه حفظها، فلا تجوز هجرتها، بل هي هجرة محرمة. والشرط الرابع كذلك: أن يكون أمر هجرتها كذلك بعلم ولي الأمر، أو من ينوبه. لهذه الآية، وهذا الحديث، وما كان بمعناه مما روي بهذا الباب. لأن المرأة ناقصة عقل ودين، وهي محل مطمع من أهل الشر والفساد، وزيغ القلوب. حتى ممن ينتسب إلى الإسلام قد يوجد من ينتسب إلى الإسلام قلبه مريض، يستغل أمر هجرة المرأة لمرض في قلبه. فلأجل هذا لا تهاجر المرأة إلا بمشورة ولي أمر مسلم، أو من ينوبه. ومن من ينوبه أهل العلم. فمثلا إذا كانت امرأة في بلاد كفر ليس لها أحد -لا قريب- يعني من أولياء مسلمين، ولا أحد، فلا ترتجل تقول: خلاص تقرأ في كلام أهل العلم نصائح بالهجرة، تحزم شنطها وتهاجر. لا، بل يجب عليها أن ترجع إلى أهل العلم. إن كان هناك جهة تمثل الإسلام والمسلمين من أهل السنة، فترجع إليهم، وتخبرهم أنها امرأة في بلاد الكفر مسلمة، تخاف على دينها وعرضها، وتريد أن تنتقل إلى بلاد الإسلام. فإن لم يكن هناك جهة، تنظر إلى أهل العلم داخل البلد أو خارج البلد، فتسأل. وعند ذلك ستجد من نصائح أهل العلم ما يكون -إن شاء الله- لها به الحفظ والصيانة. وأما بغير ذلك، فإنها قد تكون عرضة لإفساد ذوي الإفساد. لأنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عورة، المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». الشيطان يستشرفها، يزينها للناس. وشياطين الجن والإنس يحرصون عليها. فلذلك ينبغي أن تصون نفسها بما أمر الله النساء أن يصن أنفسهن. وفي هذا الباب بهذا الأدب، وفي هذا الحديث من المسائل كذلك تحريم مس يد المرأة الأجنبية. وقد جاءت أحاديث كثيرة في تحريم مس يد المرأة الأجنبية. وهذا منها، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لأن يطعن أحدكم بمخيط في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له». وأحاديث كثيرة في هذا الباب. فلا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية، ولا يجوز للمرأة أن تصافح رجلا أجنبيا. ولو كان الرجل كبيرا أو العكس كانت المرأة كبيرة. بعض الناس يقول: هذه امرأة كبيرة، أو تقول: هذا رجل كبير. لا يجوز، حتى ولو كان كذلك، ما دام أجنبيا، لا يجوز أن يصافح، ولا يجوز أن تصافح. لما ورد في هذا الباب، وبه نعرف خطأ وباطل ما يقوله بعض العامة من قولهم: نحن قلوبنا طاهرة. ويزعمون أن ذلك مبرر لهم في مصافحة النساء الأجانب، خصوصا إذا كنا من ذوي القرابات: بنت العم، بنت الخال، زوجة الأخ، زوجة العم، زوجة الخال، وما كان بمعنى هؤلاء مما يبتلى المجتمع بخلطتهن. لا يجوز للمسلم أن يصافح أمثال هؤلاء، ولا غيرهن من النساء الأجانب. بل الباب مع هذا أشد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء» -يعني الأجنبيات- والمصافحة أشد. إذا كان الدخول على الأجنبية محرما، فالمصافحة أشد حرمة. والمصافحة أشد حرمة. والنبي عليه الصلاة والسلام أتقى الناس وأبر الناس وأطهر الناس، ومع ذلك قال: «لا أصافح النساء». فلا تستحي من الحق. وقل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لا أصافح النساء، فسامحوني، أعذروني». لا يجوز لأن أصافح النساء ليس -والله- كبرا، ولا استصغارا، ولا احتقارا، ولا تنقصا. لأن بعض العوام يقول: هذا فلان تكبر علينا، فلان يحتقرنا، فلان يتنقصنا. ونحو ذلك من العبارات. بين أن هذا كله غير صحيح، ولكن المسألة دين، المسألة دين. ولا يجوز للإنسان أن يتلاعب بدينه. فالقلوب ضعيفة، والشهوات خطافة. فما يقوله بعض الناس: قلوبنا طاهرة. بل هذا كذب، هذا دليل على أن قلوبكم مريضة. كونكم تصرون على مصافحة النساء الأجنبيات، وتتساهلون في هذا الباب، هذا يدل أن قلوبكم مريضة. لأنها على أحد قلبين: إما قلب رجل ضعيف أمام الحق، فهو يخاف من الناس ولا يخاف من الله، ويستحي من الناس ولا يستحي من الله. وكفى بهذا معصية ومرضا. وإما الثاني -وهو أشد وأشر- أن يكون في قلبه هوى وزيغ من أهل أمراض القلوب المائل للنساء. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. فيكون هو من هؤلاء الذين في قلوبهم مرض. ولهذا كثير من هؤلاء تجدهم على علاقات مشبوهة مع النساء، خصوصا في البادية. يأتون ويصافحون، وما يدرون إلا وصار بين فلان وفلان عشق. والعجيب أن بعضهم يقول: نحن عشقنا عفيف، عشقنا عفيف. كيف عشق عفيف؟ قال: ما في زنا، كلام بس، كلام. وهذا الكلام لا يجوز. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما». قد كان عشق العرب في الجاهلية بهذا المعنى، قالوا: كان عشق العرب من السرة إلى الرأس، وما تحت السرة فلا يعتبرونه عشقا. لا يعتبرونه عشقا. إذن أنت من الجاهليين، من أهل الجاهلية، لست مسلما. لو كنت مسلما لاستسلمت لشرع الله سبحانه وتعالى. وأما المنصفون الصادقون، فإنهم لا يعرضون أنفسهم للفتن، ويجنبونها. هذا سعيد المسيب رحمه الله يقول: «لو أمنت على مال الأرض لوجدت نفسي لذلك أمينة، ولو أمنت على جارية سوداء لما وجدت نفسي لها أمينة». هذا حال أهل الصدق. ما يعرض نفسه للفتن، حتى ولو كانت جارية سوداء. فإن القلوب ضعيفة، والشهوات خطافة. فلا يعرض الإنسان نفسه بما تكون به فتنته. وفيه تعليم من النبي صلى الله عليه وسلم في عدم مصافحة النساء. وفيه كذلك بطلان ما يقوله بعض الناس: أن ولي الأمر، وشيخ القبيلة، وكبير القوم، يجوز له أن يصافح النساء. هذا موجود موجود عند بعض الناس. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام كبير القوم، وهو يفعل شيئا عظيما، وهو البيعة. ومع ذلك تقول عائبة عائشة -وهي تقسم-: «لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من امرأة قط، إنه بايعهن بالكلام». وفي الحديث في آخره: «قد بايعتكن كلاما». يعني ما كان يصافح عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل: جواز القسم في إثبات العلم، خصوصا ما يحتاج منه إلى تأكيد. فالقسم يؤتى به فيما يحتاج فيه إلى تأكيد. وفيه من المسائل كذلك: انفساخ عقد المنكوحة بالإسلام. ولهذا باب البخاري رحمه الله: «باب إذا أسلمت المشركة والنصرانية تحت الذمي أو الحربي». معناه: أن المهاجرة لو أسلمت فهاجرت، ولو كانت متزوجة، فإنها ينفسخ نكاحها من زوجها المشرك، سواء كان نصرانيا أو يهوديا كتابيا، أو كان وثنيا. فبإسلامها ينفسخ نكاحها. فما عدتها؟ عدتها حيضة واحدة على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. يعني: تستبرئ بحيضة، ثم يتزوجها المسلم المناسب لها. قال: هل يقضي من انشغل عن الرواتب ولم يصلها بعد خروج الوقت؟ إن شاء الله يجوز قضاؤها. النبي صلى الله عليه وسلم إن شغل عن راتبة الظهر بضيوفه فقضاها بعد العصر. وأما إذا كان لتفريط، فبعض أهل العلم ذكر أنه لا قضاء له فيها، حتى لا يكون ذلك مدعاة لتفريطه مرة أخرى. والله أعلم. قال: إذا كانت المصافحة بحائل -ثوب أو نحوه- كذلك لا يجوز. لا بثوب، ولا بخمار، ولا بغير ذلك. كل هذا لا يجوز. قال: كيف نفهم كلام ابن عباس رضي الله عنه: «أنزل القرآن جملة واحدة للسماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك بعشرين سنة»؟ وقول العلماء: «إن جبريل نزل عليه السلام به، أو سمعه من الله مباشرة، ثم بلغه النبي صلى الله عليه وسلم»؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. أو هذا تتمة للسؤال. قال: هل يمكن أن نقول: إن الله تكلم في القرآن مرتين: مرة في اللوح المحفوظ، ومرة مع جبريل عليه السلام؟ وكيف نرد على الأشاعرة الذين يثبتون الكلام بأنه عبارة وحكاية، خاصة في نزول القرآن في اللوح المحفوظ، ثم بيت العزة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه مجموعة من الأسئلة. طيب، على وجه الاختصار: أولا أثر ابن عباس، بعض أهل العلم ضعفه. وعلى القول بتضعيفه فلا إشكال. وبعض أهل العلم يحسنه. وعلى القول بتحسينه، فاحتاج إلى جمع. والجمع بين ذلك بأن القرآن نزل مرتين: المرة الأولى نزوله جملة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم بعد ذلك نزل مفرقا منجما على النبي صلى الله عليه وسلم، بحسب الحوادث والأحوال التي نزل فيها القرآن. ولا مانع من ذلك أن يكون جبريل نزل به بالأول وبالثاني. وأما قول السائل: هل يمكن أن نقول: إن الله تعالى تكلم بالقرآن مرتين: مرة في اللوح المحفوظ، ومرة مع جبريل عليه الصلاة والسلام؟ على القول بأنه نزل مرة واحدة، فلا إشكال في ذلك. فإنه تكلم به، فنزل به جبريل. نزل به الروح الأمين على قلبك، لذا كون من المندرين بلسان عربي مبين. وأما كونه تكلم به باللوح المحفوظ، لا يقال: تكلم، لكن كتب في اللوح المحفوظ. لأن الله أمر بكتابة كل شيء في اللوح المحفوظ. فهو أمر بكتابة كل شيء، ومنه ما سيتكلم به متى شاء، وبما شاء سبحانه وتعالى. وهو على كل شيء قدير. وأما كيف الرد على الأشاعرة الذين يثبتون الكلام القرآن بأنه عبارة أو حكاية؟ فكلام الأشاعرة بعيد من هذه المسألة، يعني: ليس لهم شبهة فيما أعلم. لا أعرف أنهم يتعلقون بهذا. إنما عبارتهم وتعلقهم في العبارة والحكاية بمعاني أخرى. وإلا فالله جل وعلا تكلم بالقرآن كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. فهو كلامه جل وعلا، منه بدأ، وإليه يعود. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة. وأما أهل العبارة والحكاية فهم الأشاعرة، والكلابية، والماترويدية، على اختلاف دقيق في بعض هذه الألفاظ. ينبني على ذلك الكلام النفسي الذي زعموا أنه كلام الرب في النفس: هل هو متميز أو غير متميز؟ وعلى ذلك صار حكاية وعبارة على اعتبار تمييزه وعدم تمييزه. وهم بهذا متفقون أنه لم يكن كلاما قط. فهو شيء في النفس، اطلع عليه جبريل، فبلغه. ثم هذا التبليغ: هل هو عبارة وحكاية؟ على خلافهم في هذا المعنى في النفس: هل هو متميز إلى أمر ونهي وخبر واستخبار إلى آخره؟ أم لا؟ وهذه تفاصيل تذكر في مطولات كتب العقيدة، لكن تكفي هذه الإشارة.