القول السديد في مقاصد التوحيد  97

القول السديد في مقاصد التوحيد 97

الدرس السابع والتسعون:من( باب ما جاء في قول الله تعالى:ولن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ...وبضده يتحقق كفران النعم والعجب بالنفس والإدلال الذي هو من أعظم العيوب)

شرح حديث الثلاثة من بني إسرائيل وتفسير جحود النعم

يشرح الحديث النبوي عن ثلاثة من بني إسرائيل وكيف ابتلاهم الله، ويفسر آية ولئن أذقناه رحمة منا، موضحًا أهمية شكر الله على النعم وعدم جحودها.

تحذير من جحود نعم الله ونسبتها إلى الأسباب أو الذات

ينبغي للإنسان أن يشكر الله على نعمه ولا يجحدها، وأن يرد الفضل إلى الله تعالى، ويحذر من نسبة النعم إلى الأسباب أو الذات أو غير الله.

خطورة الغرور والإدلال بالنفس وضرورة الشكر

ينبغي للإنسان ألا يغتر بنفسه، بل يعترف بضعفه ونقصه ويشكر الله على نعمه، وينظر إلى عظيم نعمة الله ومنة خالقه.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه «كتاب التوحيد»: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ الآية. قال مجاهد: «هذا بعملي وأنا محقوق به»، وقال ابن عباس: «يريد من عندي»، وقوله: «إنما أوتيته على علم عندي»، قال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب»، وقال آخرون: «على علم من الله أني له أهل»، وهذا معنى قول مجاهد: «وأوتيته على شرف». قال: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم"». وفي رواية للبخاري: «بدى لله أن يبتليهم»، قال: «فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ومعروف». صاحب البرص لونه مستقبح، فهو بياض شديد يميل إلى الحمرة، قال: «ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به»، قال: «فمسحه، فذهب عنه»، قال: «فأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا»، قال: «فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر»، شك إسحاق، قال: «فأعطي ناقة عشراء»، وقال: «بارك الله لك فيها». قال: «فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس به»، فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا، فقال: «أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل»، فأعطي بقرة حاملًا، قال: «بارك الله لك فيها». قال: «فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس»، فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: «فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم»، فأعطي شاة والدة -يعني حاملًا-، فأنتج هذان، وولد هذا -يعني هذان صاحب البقر وصاحب الإبل يسمى النتاج-، قال: «وولد هذا -أي صاحب الشاة-»، قال: «فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم» -يعني بارك الله لهم، فنتج الشيء الكثير-. قال: «ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك». جاءه على صورة مسكين يتوسل إليه بكونه رجل مريض ومسكين وهو في سفر، وانقطعت به السبل -أي عابر سبيل-، فهذه أربعة أسباب، قال: «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك». وفيه كذلك أدب التوحيد حتى في الألفاظ بقوله: «ثم بك»، قال: «أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ به في سفري» -يعني يطلب بعيرًا واحدًا يعينه على سفره-، فقال: «الحقوق كثيرة»، بخلًا، فقال له: «كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقدرك الناس فقيرًا فأعطاك الله عز وجل المال؟»، فقال: «إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر»، جحد نعمة الله وكفرها، ولم يشكر الله عز وجل على ما أنعم عليه، فقال: «إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت». وفيه دليل أن عطاء الدنيا ليس دليلًا على الرضا والكرامة، فهذا مثال في رجل أعطي دنيا واسعة وهو ليس ممن يحبه الله، فإن الملك أرسله الله يبتلي هؤلاء، كذلك من شفاه الله بعد مرضه ليس دليلًا على الرضا الله عن هذا المريض ولا كرامته ولا حب الله له، فإنه يبتلي بالنعمة ويبتلي كذلك بالضراء. قال: «وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا»، فقال: «إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت»، قال: «وأتى الأعمى في صورته -يعني في صورة الأعمى كل واحد جاء بصورته التي كان عليها-، فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري»، توسل بهذه الخصال الأربع: كونه مريضًا ومسكينًا وابن سبيل ومسافرًا، قال: «فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري»، فقال: «قد كنت أعمى فرد الله علي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله»، فقال: «أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك»، أخرجاه. قال: «فيه مسائل: الأولى تفسير الآية، الثانية ما معنى "ليقولن هذا لي"، الثالثة ما معنى قوله "إنما أوتيت على علم عندي"، الرابعة ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة». أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره إلى المسائل التي تنافي كمال التوحيد، فقوله: «باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾» يعني مما ينافي التوحيد جحود الإنسان لنعمة الله، وأن ما به من نعمة بعد ضراء إنما هو لاستحقاقه لها، فهذا منافي للتوحيد، منافي للتوحيد كونه يجحد نعمة الله ولا ينسب النعمة لله، ينسبها لنفسه. ثم ذكر قول مجاهد لتفسير الآية، قال: «هذا بعملي وأنا محقوق به» -يعني هذا بكسبي وأنا جدير به-، كما رواه عبد بن حميد، وابن جرير وغيرهما، وفسره بأثر ابن عباس: «يريد من عندي» -يعني هذه النعمة بجهدي وذكائي وقوتي ونحو ذلك-، مثل ما يقول بعض الناس، وهو خطأ، سوء أدب مع الله، حتى لو كنت ذكيًا، فكم من الأذكياء لم يوفقوا لما وفقت إليه، فأنت لم ترزق بذكائك ولا بقوتك ولا بشطارتك واجتهادك، ولكن بفضل الله وتوفيقه، فلذلك من الأدب مع الله أن تقول: «هذا من فضل الله»، «هذا من نعمة الله علي»، «هذا ما منى الله به علي»، ونحو ذلك ترد النعمة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا تنسب لنفسك شيئًا، حتى ولو تعبت وبدلت الجهد، لأنك فقير إلى الله، ولولا الله ما أغناك. قال: «وقوله: "إنما أوتيته على علم عندي" يعني في قصة قارون»، قال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب»، وهو بهذا كفر بنعمة الله، فلا يكون المسلم كقارون الذي هو أحد رؤوس الكفر، قال: «وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل»، وهذا معنى قول مجاهد: «أوتيته على شرف» -يعني أن يغتر بشرفه وبفضله-، حتى ولو كان دينيًا، لا تغتر، لا تغتر، لا تغتر بكونك وفقت لعلم أو لعبادة، فإن هذا الغرور ربما يكون سببًا في نزع هذه النعمة منك، وألا تنتفع بها، حتى إذا وفقت لعلم أو عبادة أو طاعة، فلا تغتر بها، بل رد النعمة كلها لله سبحانه وتعالى، فقل: «نحن فقراء إلى الله»، «هذا من عظيم فضل الله علينا»، ونحو ذلك من الافتقار إلى الله، وشكر نعمته، وعدم جحودها. وأورد حديث أبي هريرة الطويل الذي فيه قصة الثلاثة، والشاهد منه كيف أن الله عز وجل ابتلى أولئك الثلاثة، فشكر نعمة الله الأعمى، وجحد الأبرص والأقرع، وفي ذلك معنى من معاني شكر النعمة أو جحودها، فينبغي الإنسان أن يتأدب بأدب العبد مع ربه وخالقه، فلا يجحد نعمة الله عليه، كما سبق، حتى لو تعبت، فلا تقول: «هذا بجهدي»، «هذا بتعبي»، حتى ولو كنت تريد أن تعلم أبنائك، علمهم التوحيد والتعلق بالله أعظم من أن تعلمهم الاجتهاد في الدنيا، لا تقل لهم: «انظروا هذا المال ما جاء إلا بتعب ونصب، تعبنا حتى أتينا به»، لا، قل: «هذا من فضل الله»، ولكن «خذوا بالأسباب يا أبنائي»، «هذا من توفيق الله»، «خذوا بالأسباب»، ونحو ذلك، اجعل في المقدم أن تشكر الله جل وعلا، وأن ترد النعمة لمن أعطاها لك سبحانه وتعالى، مع ما فيه من مسائل كثيرة كما أشار، ولكن المقصود هو هذا فيما يتعلق بهذا الباب. وقوله: «فيه مسائل: الأولى تفسير الآية» يعني كما فسرت في أثر مجاهد، وابن عباس، والثانية ما معنى «ليقولن هذا لي» يعني كما فسره قتادة، وكما جاء عن غيره: غرور وعجب بالنفس، ولا يجوز هذا لمسلم، وقوله: «الثالث ما معنى قوله إنما أوتيت على علم عندي» كذلك غرور هذا المتكبر قارون، ولكن الواجب على المسلم أن يكون فقيرًا إلى الله، فقير بلسان الحال وبلسان المقال، لسانك يكون مفتقرًا إلى الله عز وجل، تكثر من رد النعمة إلى الله، وقول: «الرابعة ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة» يعني كما رأينا، ففيه عبر وفوائد عظيمة كثيرة، والمقصود والتنبيه على هذا فيما يتعلق بهذا الباب. قال الشارح رحمه الله: «باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾»، قال: «مقصود هذه الترجمة أن كل من زعم أن ما أوتي من النعم والرزق فهو بكده وحذقه وفطنته، أو أنه مستحق لذلك لما يظن له على الله من الحق، هذان المعنيان ينافيان كمال التوحيد لله والقيام بالعبودية له سبحانه»، أن يعتقد أنها دخلت عليه النعم بحذقه وفطنته وذكائه وجهده، أو أن يظن أن هذه جاءته لأنه مستحق لها من دون الناس، كأن يظن أنه من آل البيت، أو لأنه صاحب عبادة، أو لأنه صاحب علم، فضلًا غير ذلك من الأمور الأخرى التي هي أشد دناءة في هذا الباب، قال: «فإن هذا منافي التوحيد»، لأن المؤمن حقًا من يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة، ويثني على الله بها، ويضيف إلى فضله وإحسانه، ويستعين بها على طاعته، ولا يرى له حقًا على الله، وإنما الحق كله لله، وأنه عبد محض من جميع الوجوه، فبهذا يتحقق الإيمان والتوحيد، وبضده يتحقق كفران النعم، وكفران النعم قد يكون كما سبق، وهو من الكفر الأصغر، ومن الشرك الأصغر المنافي للتوحيد، على تعريف الشرك الأصغر أنه كل ما يفضي إلى الأكبر، وقد يكون كفرًا أكبر كحال الدهريين والملحدين الذين يجحدون وجود الرب جل وعلا، فضلًا عن نعمه وفضله وإحسانه، فهذا كفر أكبر، أو كذلك بأن تنسب هذه النعم لغير الله، مثل المشركين قديمًا وحديثًا، يظن أن ما جاءه من رزق فهو بسبب الولي الفلاني، كونه دعا له، أو نذر نذرًا، أو وقف وقفًا، أو طاف طوافًا، أو زار زيارة، أو دعاه بدعوة، أو غير ذلك، كما كان يفعل المشركون الأولون، وكذلك يفعل بعض المشركين المتأخرين، فنسب النعم لغير الله، وهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله. قال: «والعجب بالنفس والإدلال الذي هو من أعظم العيوب»، يعني أن الإنسان ينبغي أن لا يغتر بنفسه، بل ينبغي أن يعترف بضعفه ونقصه وتقصيره، وينظر إلى عظيم نعمة الله ومنة خالقه جل وعلا، فلا يزال يتهم نفسه بالنقص، ويرى أنه مقصر في حق الرب، ويرى الرب جل وعلا قد من عليه وأنعم بما لا يستطيع عد هذه النعم، فضلًا عن شكرها، فلذلك هو يشكره بلسان الحال وبلسان المقال.