الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  89

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 89

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 89، ألقاها

ثبات عفان بن مسلم في فتنة خلق القرآن

يروي المقطع قصة عفان بن مسلم وثباته في فتنة خلق القرآن، مما أدى إلى قطع ما كان يمنح له من مال. رزقه الله بسبب ثباته على السنة.

زهد النبي في الطعام وقلة عيشه

يصف زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام وقلة عيشه، حيث كان يأكل الخبز الشعير ولم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف.

مظاهر زهد النبي في الدنيا

يُبين المقطع زهد النبي في الدنيا، حيث كان درعه مرهونًا عند يهودي مقابل خبز شعير، مما يدل على تواضعه وعدم تعلقه بالدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وعفان هو بن مسلم الصفار، عفان بن مسلم العبدي الصفار، أبو عثمان البصري رحمه الله. كان من حفاظ الحديث، ومن المتقنين للحديث، فالخطأ عندهم قليل، أو أنه ما كان عندهم شيء من الخطأ في حديثه. فكان عفان رحمه الله إذا شك في حرف في الحديث تركه، أنه إذا شك في كلمة أل هي بالياء أو بالنون أو بالباء أو كذا ترك الحديث كله حتى لا يقع في الخطأ، فكان متثبتا جدا. كان الإمام أحمد يقول: إليه المنتهى في التثبت. وكان أولئك البصريون في ذلك الزمان كانوا من أكثر الناس تثبتا في الحديث، يكتبون الحديث ويتثبتون فيه ويحفظونه. وكان ثلاثة منهم يسميهم الإمام أحمد أهل الشكل والنقط، أي أنهم متثبتون في كتبهم: عفان بن مسلم، وحبان بن هلال، وكذلك بهز بن أسد، رحمهم الله تعالى. وعفان سكن في بغداد، والظاهر أنه سكن من قبل المأمون، فجعله عند القاضي معاذ بن معاذ، فكان يبعثه في بعض الأشياء ويسأله في بعضها. وكان له جعل من العباسيين يعطونه شيئا من المال، ألف درهم. ولما جاءت الفتنة، فتنة خلق القرآن، فإنه سئل وأرسل المأمون إلى إسحاق إبراهيم عامله في بغداد، وقال له: سل عفان عن مسألة القرآن، فإن أجاب وإلا فاقطع عليه ما كان يجري عليه. فاقطع عليه ما كان يجري عليه من المال، كان يجري عليه ألف درهم. فلما وصل الكتاب إلى إسحاق إبراهيم استدعى عفان، وقال له: إن المأمون أرسل إلي بهذا الكتاب حتى أسألك عن مسألة القرآن، فماذا قولك؟ فقال عفان رحمه الله: ﴿قل هو الله أحد﴾ هل هي من قول مخلوق؟ ﴿قل هو الله أحد﴾. فقال له إسحاق إبراهيم: أنا لا أسألك عن هذا، إنه قال: إن لم يجب أو قال: إن القرآن ليس بمخلوق فاقطع ما كان يجري عليه، أنا كان يجري عليه ألف درهم. فقال عفان رحمه الله: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾. فقال إسحاق إبراهيم: أخرج. ولم يعذبه بشيء، وهذا يدل على جلالة عفان وأنه كان له وقع عند العباس. فخرج عفان، وكان عفان رحمه الله له أسر كبيرة، فلما عرفوا أنه سيقطع عليهم هذا الألف درهم حصل منهم شيء من المعارضة، كأنهم يقولون: أين من الذي سيعطينا ومن الذي سيوفر لنا قوتنا؟ وكان عفان يقول: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون﴾. قال: فما جاء عليه الليل إلا وطرق عليه رجل سمان -والسمان يعني يبيع السمن- دق عليه رجل سمان، وقال له: «خذ هذا ألف درهم حفظك الله بما حفظت الإسلام». وقال: «ستعطى في كل شهر مثله». فعوض الله عز وجل عفان رحمه الله، وتبت الله عز وجل على الإسلام بهذه الوقفة للسنة، فلهذا كان الناس يحبون عفان، وكان الإمام أحمد أكثر الناس حبا له؛ لأنه لم يجب في هذه الفتنة. قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا أبان بن يزيد، وهو العطار. أبان بن يزيد من الدقات، وتكلم فيه بعضهم لبعض الأحاديث التي غلط فيها عن قتادة، لكن الأصل أنه ثقة. قال: حدثنا قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف». قال: هذا حديث صحيح، والحديث خرجه في الشمائل. فقال رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الإمام الكبير عبد الله بن عبد الرحمن، أبو محمد الدارمي، صاحب السنن، قال: حدثنا عفان به. ثم قال في تفسير الضفف، قال عبد الله -أي بن عبد الرحمن-: قال بعضهم: هو كثرة الأيدي. قال: وخرج أبو يعلى، قال: حدثنا زهير -وهو بن خيثم النسائي- قال: حدثنا عفان به. فهذا الحديث فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قلة عيش، ومن قلة غداء، وزهد في الدنيا. وكما تقدم معنا في أكثر من حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد هذه العيش، وإلا لو أراد نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يرزقه الله عز وجل ويجعله ملكا، يجعله ملكا. ولهذا خير عليه الصلاة والسلام بين أن يكون ملكا أو بين أن يكون عبدا متواضعا، فاختار أن يكون عبدا متواضعا، أي ليس له شيء مما عليه الملوك، أي ملوك الدنيا. فقد جاء في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». وفي رواية: «رزق محمد كفافا»، أي ما يكفيه. فلهذا كان عليه الصلاة والسلام ما يشبع من طعام، كما قال أنس: «ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات». «ما شبع رسول الله من خبز مرق». وجاء في رواية: «خبز الشعير مرق»، والمرار مرق، أي أنه منخول، معناه نخل، أخرجت نخالته مثل ما الدقيق الآن الموجود أخرجت نخالته. فلم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم خبزا أخرجت نخالته، بل يأكله مع نخالته. وأيضا غالب خبزهم كان الشعير، يعني ما كانت عندهم البر كثيرا، كانت أكثر البر كانت بالشام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كثرت بعد ذلك في زمن معاوية. وإلا فكان أكثر أكلهم وخبزهم هو الشعير، والشعير نخالته تكون حافة، يعني ليست تكون حافة من البر. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكلون من هذا الخبز، الخبز الشعير الذي يكون فيه نخالته. فقال هنا: «أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف». والمراد على ضفف، أي أكل قليل تكثر عليه الأيدي، تكون لحما قليلا وتكثر عليه الأيدي، مثل ما حصل في حديث جابر، لما كانوا يحفرون المسجد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم جاء، فذهب جابر إلى امرأته وقال: هل عندكم شيء؟ فقالت: ما عندنا إلا هذا العناق وهذا الشعير. فقال لها: جهزي حتى آتي برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أربعة أو خمسة. فقالت له: ولا تزيد؛ لأن هذا الطعام قليل، العناق صغير وشيئا من خبز الشعير. فقال: فجاء جابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن جابرا يدعوكم إلى غداء»، أنه دعا كل من كان في حفر المسجد وبناء المسجد، وكانوا ألفا وأربعمائة أو كانوا سبعمائة أو ثمانمائة. فذهبوا كلهم إلى بيت جابر، فقالت امرأته: ما هذا؟ قال: الله ورسوله أعلم. ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البرمة، وقال لها: لا تأخذيها، وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وطحن الشعير، وكان هو الذي يضعه عليه الصلاة والسلام في البرمة حتى أكل جميعهم. فهذا مثل هذه الحصة كثرت الأيدي على اللحم، فهذا هو الطفف، تكثر الأيدي والطعام قليل، لكن الله عز وجل بارك فيه. وكذلك حصلت مثل هذه لأم أنس، لأبي طلحة زوج أم أنس رضي الله عنهم جميعا، أيضا حصل له مثل هذا. وهذا كثير يأتي الصحابة رضي الله عنهم على الأكل القليل فتكثر عليه الأيدي، وهذا هو كما قلنا الطفف، إلا على ضفف، معناه على كثرة أيدي في طعام قليل. وهذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل أحيانا كما ذكرت عائشة: «أنه لا يجد الخبز ولا يجد أي طعام إلا التمر والماء». بل خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس كما جاء في السنن، وجاء في صحيح مسلم أنه من كلام عتبة بن غزوان، وجاء في السنن أنه من كلام عمر، وهو الصحيح أنه من كلام عمر رضي الله عنه، أنه خطب الناس وقال: «لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع من التمر الدقل». التمر الدقل، أي التمر الرديء. ما شبع عليه الصلاة والسلام حتى من التمر الرديء، صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله. لو أراد الله عز وجل لفجر له الأنهار ولجعل له الرزق العظيم، لكن نبي صلى الله عليه وآله وسلم كان زاهدا في هذه الدنيا، فلهذا ما كان يأخذ إلا شيئا يسيرا حتى مات عليه الصلاة والسلام، ودرعه مرهونة عند يهود على خبز شعير. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، فنكتفي به. والله تعالى أعلم.

شاركنا على