الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع اسم الله الغني من خلال كتاب 'القواعد المثلى' للشيخ محمد مصالح العثيمين، حيث يشرح معناه ودلالاته. يُذكر ورود هذا الاسم في القرآن والسنة وتفسير العلماء له.
الغنى من صفات الله الذاتية، وهو غني عن جميع خلقه ولا يحتاج إليهم، بينما يحتاجون هم إليه. غنى الله تعالى مطلق وتام، فهو غني عن طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين.
يتحدث عن مقتضى التعبد لاسم الله الغني وكثرة السؤال والإلحاح على الله في الدعاء. الله يغضب إذا تركت سؤاله، بينما يفرح بكثرة سؤالك وتضرعك إليه، مع التضرع إلى الله والاعتماد عليه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد مصالح العثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا الغني. فالغني اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد هذا الاسم في مواضع في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ذكر بعضها العلماء أن اسم الله الغني ورد في ثمانية عشر موضعا في القرآن. ورد في ثمانية عشر موضعا في القرآن اسم الله جل وعلا الغني. فنذكر بعض المواضع التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا الغني، منها قوله جل وعلا: ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله هو الغني وأنتم الفقراء ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء﴾. وقال جل وعلا: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وربك الغني ذو الرحمة﴾. قال جل وعلا: ﴿فلما رأاه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمروا فيه واعلموا أن الله غني حميد﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾. قال جل وعلا: ﴿وكان الله غنيا حميدا﴾. وثبت للصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا شيخا كبيرا يهادى بين ابنيه، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي. فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه». وأمره أن يركب. والغني معناه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «وهو الغني بذاته فغناه ذاتي له كالجود والإحسان». ومعناه أن الله جل وعلا هو الغني الذي له الغنى المطلق، الذي له الغنى المطلق من كل الوجوه، والغنى التام من كل الوجوه لكماله ولكمال صفاته جل وعلا. قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: «الغني هو الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه لكماله ولكمال صفاته التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه». قال: «ولا يكون إلا غنيا، ولا يكون إلا غنيا»، أي: ولا يمكن أن يكون إلا غنيا جل وعلا؛ لأن الغنى من لوازم ذاته، لأن الغنى من لوازم ذاته، كما أنه لا يكون إلا برا كريما رحيما، كذلك يكون لا يكون إلا غنيا سبحانه وتعالى. وقال بعد ذلك رحمه الله تعالى: والخلاصة أنه جل وعلا الغني الذي له الغناء التام المطلق من كل الوجوه، المغني خلقه، المغني خلقه غنا عاما، والمغني خواص خلقه بما يفيض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية. فهذا غنى خاص جعله الله جل وعلا لخواص عباده؛ لأن غنى الله لعباده على نوعين: غنى عام، فهو سبحانه وتعالى المغني جميع خلقه، وغنى خاص الذي جعله لخواص عباده بما يفتح على قلوبهم من معرفته سبحانه وتعالى، وحقائق الإيمان التي إنما يوفق لها جل وعلا خواص عباده جل وعلا. وقد ذكر الله جل وعلا الغني الكريم في كتابه الكريم في آيات كثيرات ما يبين عظيم غنى جل وعلا وكمال غنى سبحانه وتعالى. فلكمال وعظيم غنى الغني الكريم جل وعلا أنه غني عن الصاحب والولد والشريك والولي من الذل، وذلك لكمال غنى سبحانه وتعالى. ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض﴾، فلم يتخذ صاحبة ولا ولدا لكمال غنى جل وعلا؛ لأنه الغني سبحانه وتعالى الذي يحتاج إلى الصاحب والولد الناقص الفقير المحتاج، أما الله جل وعلا هو الغني، فهو لا يحتاج إلى الصاحبة ولا إلى الولد سبحانه وتعالى؛ لأنه الغني. وهكذا نفى الشريك، لم يكن له شريك، ولم يكن له ولي من الذل، كل ذلك لكمال غناه سبحانه وتعالى. ولكمال وعظمة غنى الغني الكريم سبحانه وتعالى أنه لا تنفعه طاعة الطائعين كما لا تضره معصية العاصين. لو أن جميع الخلق أطاع الله سبحانه وتعالى ولم يعصه أحد من خلقه، فالله جل وعلا لا ينفعه ذلك، لا تنفعه طاعة الطائعين لكمال غناه سبحانه وتعالى. ولو أن جميع خلقه عصوه جل وعلا لا يضره ذلك. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد﴾، غني عن طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين لكمال غناه سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في الحديث القدسي، حديث أبي ذر في صحيح الإمام مسلم، فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: أنه جل وعلا يقول: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا». وقال جل وعلا في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني». لماذا؟ لأنه الغني سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة الطائعين كما لا تضره معصية العاصين. ﴿من شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم﴾. ﴿وكفروا وتولوا واستغنى الله والله هو الغني الحميد﴾. فالله جل وعلا هو الغني الحميد، إن كفروا وتولوا واستغنوا، لا يضر الله جل وعلا ذلك في شيء. فالله جل وعلا هو الغني الحميد سبحانه وتعالى. ولعظيم غنى الغني جل وعلا أنه أعد لخواص عباده في دار كرامته وفي جنته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ففي الجنة نعيم عظيم لا يتصور، نعم عظيمة لا تتصور، لا تخطر على القلوب، ولا رأتها الأعين، ولا سمعت بها الآذان، وذلك لكمال غنى الغني الكريم سبحانه وتعالى. فمن مقتضى التعبد والإيمان لله جل وعلا باسمه الغني أن لا تلتفت القلوب عن الغني الكريم جل وعلا. كثير من الناس التفت قلوبهم إلى الناس، الناس فقراء. ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾، فالناس فقراء، لا تلتفت القلوب إلى الناس في طلب الحاجات، وتعرض عن الغني الكريم، لا بل الواجب أن تتعلق القلوب بالغني الكريم في طلب حاجاتها؛ لأن الله جل وعلا يغضب إذا تركت سؤاله. «أما بني آدم فإذا سألته يغضب، لكن ربي جل وعلا إذا تركت سؤاله يغضب». «لا تسأل بني آدم حاجة، وسل الذي عطاياه لا تحجب». فالله يغضب إن تركت سؤاله، وبني آدم حين يسأل يغضب. فالناس يغضبون إذا أكثرت عليهم السؤال: أعطني، أعطني، أعطني، أعطني، أعطني، يغضب. أعطاك المرة الثانية، المرة الثانية صار ثقيلا، الثالثة... لكن رب جل وعلا إذا طلبت وأعطاك، طلبت مرة ثانية، فرح الرب جل وعلا، كلما أكثرت، كلما فرح الله جل وعلا، كلما كثر سؤالك، كلما كان في إلحاح، كلما كان في تضرع، كان ذلك مما يفرح الرب سبحانه وتعالى؛ وذلك لأنه الغني جل وعلا لا يتضرر بما أعطى سبحانه وتعالى، لكمال غناه جل وعلا. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الغني كثرة السؤال، والإلحاح على الله جل وعلا. لا تستكثر يا عبد الله الدعاء على الله، لا تستكثر الدعاء على الله؛ فإنك تدعو الكريم، وأنت تدعو الغني، لا تدعو البخيل، ولا تدعو العاجز الفقير، وإنما تدعو العظيم الكريم الغني. فلا تستكثر الدعاء. كثير من الناس اليوم ربما لا يدعو إلا في أوقات يسيرة، ربما يمر عليه اليوم وهو ما دعا إلا أدعية قليلة. ربما مر عليه النهار وما دعا إلا ثلاثة أدعية أو أربعة. لا، اعبد الله، كن دائما الدعاء في صباحك وليلك ونهارك، كن دائما الدعاء، تدعو الله سبحانه وتعالى الغني الكريم بأن يغنيك جل وعلا غناء ينفعك، يغنيك غنا ينفعك في الدنيا، لا يكون سببا في هلكتك، وفي انصرافك عن الخير. فنسأل الله الغني الكريم جل وعلا أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يغنينا من الفقر جل وعلا، وأن يغنينا عن الناس، ويجعلنا من عباده المفتقرين المنكسرين له جل وعلا. إنه الغني الكريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.