شرح الباعث الحثيث 9

الدرس في شرح الباعث الحثيث 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

موطأ الإمام مالك: التعريف والمكانة العلمية

يُعرّف المقطع بموطأ الإمام مالك بن أنس بوصفه أول جامع للحديث الصحيح وآثار الصحابة والفقه، وينقل ثناء الإمام الشافعي عليه قبل ظهور الصحيحين، مع استعراض المصنفات الحديثية التي سبقته كمصنفات ابن جريج وابن إسحاق وعبد الرزاق.

رفض الإمام مالك إلزام الناس بموطئه

يسرد المقطع رفض الإمام مالك طلب الخليفة المنصور فرض الموطأ على الأمة معللاً ذلك بأن العلم واسع لا يحاط به، ويذكر إعجاب الشافعي بالموطأ بعد قراءته عليه في سبعة أيام داعياً للإنصاف وعدم إلزام الناس برأي واحد.

خطر إلزام الناس بمذهب معين وعناية العلماء بشرح الموطأ

يحذر النص من إلزام الولاة الناس بمذهب أو كتاب فقهي محدد لما يؤدي إليه من إغلاق باب الاجتهاد، ويبين مكانة الموطأ وما ناله من عناية بالشرح كتمهيد واستذكار ابن عبد البر، موضحاً أن الموطأ احتوى على المسند والمرسل والبلاغات لا الصحة المطلقة فقط.

الختم بالصلاة والسلام على النبي ﷺ

يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، وهي سنة متبعة في ختام الخطب والدروس العلمية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لا زلنا في الكلام على الصحيح وأنواعه وأحكامه وكتبه التي جاء فيها. قال: موطأ مالك، موطأ لإمام مالك، كتاب مشهور ألفه إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله، المتوفى سنة 179 فيما أذكر، رحمه الله. ألفه وجمع فيه الأحاديث الصحيحة، وجمع فيه آثار الصحابة، وجمع فيه فقهه رحمه الله. هذا في الموطأ: الأحاديث الصحيحة، آثار للصحابة أيضا، تعليقات الإمام مالك رحمه الله. وذكرنا سابقا القصة لما ألف مالك الموطأ، وكان أصحاب أبي حنيفة ملأوا الدنيا مسائل، وكتبت موطآت كثيرة، فقالوا لمالك: لما تقتب الموطأ؟ فقال: نصنف ويصنفون، وما كان لله يبقى، أو ما كان لله بقي. هكذا قال. قال: تنبيه. قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: «لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك». إنما قاله قبل البخاري ومسلم لأنهما بعده. فالإمام الشافعي توفي مئتين وأربعة للهجرة، والبخاري في ذلك الوقت يطلب العلم رحمه الله. كذلك تلميذه الإمام مسلم قال: إنما قاله قبل البخاري ومسلم. وكانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن، في السنن ظهر كالسنن عندكم... أش مكتوبة. قال: وقد كانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن، يعني في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم وسننه. لابن جريج وهو أول من صنف العلم، هكذا قالوا فيه: أول من صنف العلم والأحاديث هو الإمام ابن جريج. ابن جريج أول من صنف العلم رحمه الله، عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج. هو عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج. وابن إسحاق غير السيرة، يعني له كتب في غير السيرة، وهو إمام في المغازي. ولأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرزاق بن همام، وغير ذلك. كل هذه الكتب موجودة قبل البخاري وفي زمن مالك رحمهم الله. فقال الشافعي تلك الكلمة: «لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك». الشافعي رحل من مكة إلى المدينة لأجل أن يلقى مالكا فيطلب عنده العلم. كان الشافعي مهتما بالشعر والأدب، فقال له ابن عمه: ما أحسن حديثك، لو أنك تدرس الفقه؟ قال: وأين؟ قال: هذا مالك إمام دار الهجرة. فتوسط بعض أبناء عمومة الشافعي عند والي مكة، وكان قريبا للشافعي، وكتب رسالة إلى والي المدينة. فوصل الشافعي وهو شاب في أول شباب إلى الإمام، إلى المدينة، إلى بيت واليها، ومعه الرسالة. فلما نظر والي المدينة إلى الرسالة قال: قال والله لو أنك... أو لو أن والي مكة أمرني أن أمشي من المدينة إلى مكة راجلا لكان أهون علي من أن أقف على باب مالك. إنه لا يقيم لأحد وزنا، أو كما قال. ثم ألح الشافعي على الوالي فذهبا إلى بيت مالك. وكان مالك رجلا مهابا، كان مالك رحمه الله رجلا جليلا مهابا، آتاه الله الهيبة رحمه الله وغفر له، حتى الوالي يهاب. فوقف الوالي على الباب وطرق الباب، فقالت... فخرجت خادمة مالك، جارية، لعلها من بناته أو خادمة عنده يحتمل. قال: قولي لأبي عبد الله إني على الباب. فأرسل مالك الجارية: قال قولي له إن كان يحتاج مسألة فإن يوم المسائل يوم كذا وكذا فليأتنا إلى المسجد. فقال: قولي له إن معي أمرا خاصا. فخرج الإمام مالك ونصب له كرسي على الباب، قال: نعم ما تريد؟ فأخرج له الكتاب، فقرأ مالك الكتاب وغضب، قال: سبحان الله، متى كان العلم بالوسائط؟ وألقى الكتاب وغضب. فقال... فقال الشافعي: فتلطفت بمالك وقلت له: إني طالب علم وجئتك من مكان بعيد. قال: فسمع كلامي، وكان رجلا ذا فراسة، فنظر في عيني فقال: إني أرى الله قد قذف في عينيك نورا فلا تدفئه بظلمة المعاصي. قال: وأعجبه كلامي. ويقول الشافعي رحمه الله: لأن الشافعي كان فصيح اللسان، وكان إماما في اللغة، تأخذ اللغة من كلام الشافعي رحمه الله. فقال: ائتني يوم كذا وكذا، وآتني بمن يقرأ لك. قال: قلت: أنا أقرأ لنفسي. قال: وتحسن تقرأ؟ قال: قلت: نعم. قال: فقرأت عليه فأعجبه، فكلما قرأت عليه قال: هيه هيه، أي: زد. قال: فقرأت الموطأ في سبعة أيام. قرأ الإمام الشافعي موطأ الإمام مالك على مالك في بيته في كم أيام؟ في سبعة أيام، فهو به خبير. قال الشافعي: «لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك». أي: في الأحاديث أكثر صوابا، وفي الفقه أكثر صوابا. قال الشافعي هذا قبل أن يأتي البخاري بكتابه الصحيح، وقبل أن يأتي مسلم بكتابه الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وكان كتاب مالك وهو الموطأ أجلها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجما منه وأكثر أحاديثا. وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف. قال: أبو جعفر المنصور كان واليا على المدينة، فلما جالس مالكا وعرف كتابه، أراد أبو جعفر المنصور، المنصور، أن يلزم الناس في الأقطار كلها بموطأ الإمام مالك. يقول ابن كثير: وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك. قال ابن كثير: وذلك من تمام علمه وإنصافه واتصافه بالإنصاف. هذا من تمام العلم، هذا من تمام العلم، وهذا فيه فقه عظيم يدل على رجاحة عقل الإمام مالك، على أن عقله كبير رحمه الله تعالى. ما حوى العلم جميعا أحد، لا، ولو مارسه ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، فاتخذ من كل شيء أحسن. أن يلزم الناس بمذهب أو بكتاب لا يخرجون عنه، مع أنه اجتهاد عالم قد يخطئ وقد يصيب، هو عين الغلط، عياذا بالله، عين الغلط أن يلزم الناس. هذا غلط. قل: هذا أبى مالك رحمه الله هذا الأمر. يقول ابن كثير: فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه. قد يطلع الناس على أشياء ما اطلعت عليها، وقد يناقشونك في كلامك بما لو سمعت من مناقشات سترجع إلى قولك. هذا الشافعي كان بالعراق، فلما ذهب إلى مصر غير مذهبه لأنه وقف على أشياء جديدة. فسبحان الذي لا يخفى عليه شيء. لا زال أهل العلم... الإمام أحمد له روايات: رواية الميموني، ورواية فلان، وأحيانا يتوقف، وهكذا غيرهم من أهل العلم. هذا من الإنصاف والعدل، هذا من الإنصاف والعدل. قال: إن الناس قد جمعوا، أي: كما جمعتم، واتطلعوا على أشياء لم نتطلع عليهم. هكذا يقول الإمام مالك رحمه الله. فكيف بغيره من الناس؟ ما عسى أن يقول اليوم من ينزم الناس برأيه؟ قل: بقولي كذا وكذا. ربما اطلع الناس على أشياء ما اطلعت عليها. إنزام الناس بقول شخص من الناس، عالما أو مجتهدا، خطأ محض، خطأ محض. إنما الإلزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والناس يؤخذ من قولهم ويترك، يؤخذ من قولهم ويترك. قال رحمه الله تعالى: وهذا خروج من الإمام... الكثير تسلية لطالب العلم وإفادة له. هناك وجه آخر وهو أن باب الاجتهاد لا ينبغي إغلاقه. فلو ألزم الناس بقانون معين ومواد معينة، أغلق باب الاجتهاد، وهذا لا ينبغي. وكذلك أيضا خشية أن يكون الولاة يتلاعبون بالدين. فهذا المنصور يقول: التزموا بكتاب مالك. فيأتي من بعده ويقول: ألغوا كتاب مالك وأثبتوا كتاب محمد بن الحسن الشيباني أو كتاب أبي يوسف. ويأتي الخليفة الثالث فيقول: ألغوا كتاب مالك وألغوا كتاب أبي يوسف والتزموا بقول فلان. ويأتي الخامس فيقول: ألغوا الجميع، لا أرى لكم إلا قول فلان. هل أدركتم معنى قوله رحمه الله؟ وهذا، وذلك من تمام علمه، هذا من تمام العلم. أن يتخذ الولاة الدين ألعوبة، نسأل الله العافية والسلام. قال رحمه الله تعالى: وقد اعتنى الناس بكتابه الموطأ اعتناء عظيما. كم له من الشروحات، وكم له من الكتب، وكم له من الخدمات العظيمة؟ وعلقوا عليه كتبا جما. وهذا لإخلاصه العمل. إذا كان خالصا ظهرت بركته، وإذا لم يكن كذلك كان عدم الإخلاص أعظم أسباب زوال بركته. ومن أجود ذلك كتابا... كتابا... كتابا... كتابا: التمهيد والاستذكار للشيخ أبي عمر، أبي عمر بن عبد البر النمري، للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي رحمه الله تعالى، متوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة، وهو الملقب بحافظ المغرب. وفي هذا العام، سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة، مات عالم آخر هو حافظ المشرقي. فمن هو؟ في نفس العام صاحب كتاب... نعم، ابن عبد البر بالمغرب، لكن في نفس السنة توفي حافظ يلقب بحافظ المشرق: الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن المثنى بن ثابت البغدادي رحمه الله، صاحب التاريخ وصاحب علوم الحديث، العالم المشهور. كلاهما توفي في عام واحد، هذا حافظ المشرق وهذا حافظ المغرب، رحمهم الله تعالى. كتاب التمهيد والاستذكار من أعظم الكتب في الفقه، وفي الاستنباط، وفي الأسانيد والعلل، وفي فقه الأحاديث. فهما لا يستغني عنهما طالب علم ولا عالم فتوى، لا يستغني عنهما طالب علم ولا عالم أراد الفتوى. قال رحمه الله تعالى: هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة، أي الموطأ، والمرسلة، أي الموطأ، والمقطعة، أي الموطأ، والبلاغات. يعني التي يقول فيها مالك: بلغني عن عبد الله بن عمر أنه قال كذا، بلغني عن أبي بكر أنه قال كذا، تسمى بلاغات مالك. ألف ابن الصلاح رسالة اسمها: وصل بلاغات مالك. رسالة لابن الصلاح رحمه الله تعالى، ملزمة جزء، رأيتها قديما، اسمها: وصل بلاغات مالك. لا أعلم أنها حققت، الله أعلم. قال: والبلاغات التي لا تكاد توجد مسندة إلا على ندرة. شاهد كتاب الموطأ: كتاب خلط مؤلفه العلم والفقه والاستنباط بالأحاديث والآثار، والأسانيد المسندة، والأسانيد المرسلة المنقطعة. فهو لم يقصد الصحة. فهل الإمام مالك قصد في كتابه الصحة؟ الجواب: لا. فتضعف المسألة من أصلها. الإمام مالك لم يقصد الصحة ولا اشترطها في كتابه رحمه الله تعالى. هل كتاب مالك فيه أحاديث صحيحة توفرت فيها شروط الحديث الخمسة؟ نعم توجد. وهذا الشاهد. إذن من مضان الأحاديث الصحيحة التي جمعت الشروط الخمسة: موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى. هذا... إذا كان لكم شيء... إلا وقفناها هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.