الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 1، الدرس الأول : ( يَا سَائِلي عَنْ مَذْهَبِي وعَقِيدَتِي ... رُزِقَ الهُدَى مَنْ لِلْهِدَايَةِ يَسْأَلُ ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرف المقطع الأول بشيخ الإسلام ابن تيمية ونسبه ومكانته العلمية، بينما يتناول المقطع الثاني تفوقه العلمي وثناء العلماء عليه. يُظهر ابن تيمية كمرجع في العلوم الدينية ونبوغه منذ الصغر.
يشرح المقطع الثالث مقدمة منظومة العقيدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، مبينًا سبب كتابتها ومعنى الهداية وأقسامها. يُفسر البيت الأول من المنظومة، مما يعطي فهمًا أعمق لبداية المنظومة.
يتحدث المقطع الأخير عن أصحاب النار مستشهدًا بالقرآن الكريم، ويشير إلى مصيرهم في صراط الجحيم، ويختتم بدعاء يتضمن التسبيح والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، في هذه الليالي، بإذن الله عز وجل، نحن مع رسالة جديدة من رسائل الاعتقاد. بحمد الله عز وجل انتهينا فيما مضى من رسالة «فتح الوهاب في الرد على شبه المرتاب» للشيخ عبد الرزاق آل الشيخ، رحمه الله تعالى. ونحن في هذه الليلة مع عقيدة أخرى، وكتاب آخر، ورسالة أخرى، هي عبارة عن نظم هذه الرسالة، وهي «لامية شيخ الإسلام ابن تيمية»، رحمه الله تعالى. وسماها بعضهم «بعقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية»، رحمه الله تعالى. وقبل الشروع في المنظومة، نذكر بعض الأمور بين يدي هذه المنظومة. الأمر الأول: صحة هذه المنظومة، وثبوتها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. فمن أهل العلم من نسبها، وأضافها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، ومنهم من شكك في نسبتها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. فمن هؤلاء الذين نسبها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وأنها من عقيدته: الألوسي، رحمه الله تعالى، في كتابه «قرة العينين في المحاكمة بين الأحمدين»، نسبها إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وكذلك نسبها إليه من المعاصرين: الشيخ محمد بن خليل هراس، وطائفة، والمرداوي، علي بن أحمد المرداوي، شارح اللامية، في كلام إشارة إلى أنها منسوبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، ضمن «مجموع الفتاوى»، استشهد ببعض الأبيات من هذه المنظومة، دون أن يعزوها إلى قائل، فقال: «كما قيل»، وذكر أبياتًا من هذه الأبيات. فالشاهد أنها منسوبة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وانعقدت هذه النسبة. أما صحة نسبتها من حيث الثبوت وعدمه، الله أعلم. لكن من حيث المعنى الموجود، فالمنظومة تجد فيها نفس شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. والنظر في المنظومة يجد ما جمعت هذه المنظومة من مسائل الاعتقاد، على اختصار، فيها ذكرت جملة من مسائل الاعتقاد مختصرة. وكما ذكرنا في المنظومة، وفي الكلام نفسه، شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. هذا أمر، وأمر آخر: الكلام أو ترجمة مختصرة يسيرة عن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وشيخ الإسلام ابن تيمية هو: أحمد بن عبد الحليم الحراني، رحمه الله تعالى، المشهور بابن تيمية، نسبة إلى جدته، وليس جدته القريبة، بل إلى جدته البعيدة. لذا ينتسب إلى آل تيمية جماعة من العلماء، ولئلا رحمهم الله تعالى. وبيت تيمية بيت علم، فأبوه كان، رحمه الله تعالى، وقبله جده، جده المجد ابن تيمية، كان مفتي الحنابلة في زمنه وفي عصره، بل كان يلقب بشيخ الإسلام، علمًا وفقهًا، رحمه الله تعالى. فكان، رحمه الله تعالى، من أئمة الحديث وأئمة الفقه، وهو صاحب الكتاب المشهور المسمى بـ«المنتقى»، «منتقى الأخبار»، الذي شرحه العلامة الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار». ووالده كذلك، والد شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، كان كذلك من أئمة الحنابلة. وإليه صارت المنتهى في المذهب، مذهب الحنابلة، بعد أبيه المجد. ثم صارت الأمور بعد موته إلى شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، رحمه الله تعالى. شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما قيل: «شيخ الإسلام ابن تيمية»، أو إذا قيل: «ابن تيمية»، فأول ما يتبادر إلى الذهن: تقي الدين أبو العباس، رحمه الله تعالى، لشهرته ولتفننه في العلوم ولمكانته العلمية. فكان مع كون آبائه علماء أجلاء، إلا أنه، رحمه الله تعالى، فاقهم علمًا وشهرة، بل وفاقهم جهادًا وتقوى وورعًا إلى غير ذلك. وأبوه، رحمه الله تعالى، مع أنه كان من كبار العلماء في عصره، إلا أن نجمه ضعف، نوره، لأنه، كما قيل: «كان كالنجم بين الشمس والقمر». الإنسان إذا رأى النجم، كيف رأى؟ يقول: ما شاء الله، ما هذا الضوء؟ فإذا ظهر أمامه القمر، قال: أين ضوء النجم؟ الضوء لمن؟ للقمر. فإذا ظهرت الشمس، قال: أين ضوء هؤلاء؟ ما الضوء إلا لمن؟ إلا للشمس. لذا شبه الذهبي، رحمه الله تعالى، الأب بين الجد والأب، كالنجم بين القمر والشمس. القمر هو الجد، المجد ابن تيمية، والشمس هو شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. فإن شعاعه وشهرته ضغطت وأخفت هؤلاء، رحمهم الله تعالى، حتى صار إذا قيل: «ابن تيمية»، فلا يتبادر إلا إلى تقي الدين أبي العباس، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. كما ذكر من ترجم له: «أعجوبة من أعجوبات الزمان». يقال: إن بعض الحفاظ دخل إلى الشام، وسمع بابن تيمية، وأنه يحفظ من أول وهلة وأول مرة. وكان حينها سن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، نحو الست سنين، يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا. فسأل عنه، فقيل له: يمر الآن إلى الكتاب. فلما مر شيخ الإسلام، وكان طفلًا حينها، دعاه ذلك المحدث الكبير، فقال له: تحفظ من أول مرة؟ قال: نعم. قاله: أكتب لك أحاديث، فتحفظ؟ قال: نعم. فكتب له عدة أحاديث، فقال له: انظرها. فنظرها شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، ثم قاله: أمحها. فمحاها، فقال: هل تستطيع أن تقرأها علي؟ فقال شيخ الإسلام: نعم. فقرأها عليه كما سمعها. فأعاد له الكرة، وأعاد شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، الكرة. فقال حينها ذلك الشيخ: «والله لئن عاش هذا الفتى، لا يكونن له شأن، لا يكونن له شأن». وأصاب في فراسته هذا. فإن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، تصدر للتعليم والفتوى، وهو ما يقارب سن العشرين سنة، معظم يقول: تسعة عشر سنة. وأفتى وناظر بعد ذلك، وهو في الإحدى والعشرين سنة. بل وأسلم على يديه من أسلم من النصارى، وهو ما زال في سن مبكر. وحاز العلوم، رحمه الله تعالى، حاز العلوم: حديثًا، وفقها، وعقيدة، وعلما بالملل والنحل، والاختلافات بين الفقهاء، وبين الأمم أيضًا، رحمه الله تعالى. فكان أعجوبة الزمان، فكان أعجوبة الزمان، رحمه الله تعالى. حتى قال الذهبي، رحمه الله تعالى، في شأنه: «في الحديث، قال: حديث لا يعرف ابن تيمية، فليس بحديث». «وأما الفقه، فإليه المنتهى». فهو القائل، رحمه الله تعالى، بالكلام على المسائل الفقهية، وكذا الاختلافات والآراء العقدية. قال: «هو القائل: والله إني لا أعلم بمذهب كل واحد من أهل مذهبه». «إني لا أعلم مذهب كل واحد منكم من أهل مذهبه». وأقر له القوم بذلك. فالكل يقرون بعلمه، ويخضعون له. حتى قال ابن الدقيق العيد، رحمه الله تعالى، حينما سأله ابن كثير: «كيف رأيت تقي الدين ابن تيمية؟» فقال: «رأيت رجلًا كأن الكتاب والسنة بين عينيه، يأخذ منهما ما شاء، ويدع ما شاء». وقال: «كأن عينيه لسانًا ناطقًا». رحمهم الله تعالى جميعًا. والذهبي، رحمه الله تعالى، بعد أن ذكره، ذكر من كرمه، ومن شجاعته، حتى قال: «من كرمه أن الكرماء يتشبهون بكرمه». «وأما شجاعته، فقال: الشجعان والفرسان يتشبهون بشجاعته». وهكذا في البذل والعطاء، والثبات والثقة بالله عز وجل، إليه المنتهى. حتى قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: «كان إذا أصابنا الكرب، وغزى علينا أهل الأهواء بالشبه، وبما شابه ذلك، قال: رجعنا إلى شيخنا تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فجالسناه، فيذهب الله عز وجل ما بنا». ولا نطيل ترجمته، طويلة واسعة، لا يمل من قرأها، ولا يكل. والكل متفقون على جلالته وعلمه، وإن خالفوه في المعتقد. وإن خالفوه في المعتقد، ولكن بالنسبة للعلم، فكلهم مقرون بعلمه. حتى قال الذهبي، رحمه الله تعالى، بعد أن أطال وأطال في ترجمته: «قال: ومن عرفه وجالسه، قال: قصرت فيه التنائي عليه وذكره. ومن لم يعرفهم، ولم يجالسهم، قال: قد أطريت فيه، وبالغت». يا الله المستعان. نرجع إلى العقيدة، حتى ما يذهب الوقت. طيب. قال، رحمه الله تعالى: «يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي، رزق الهدى من للهداية يسأل». افتتح الشيخ، رحمه الله تعالى، هذه المنظومة بقوله: «يا سائلي». ويفهم منه من هذا الأسلوب أن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، كتب هذه المنظومة، وهذه الأبيات، بسبب أن سائلًا سأله أن يكتب له عن عقيدته، أن يكتب له عن عقيدته. فلبى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، لهذا السائل مسألته. وكثير ما يصنع شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، هذا الأمر، بمعنى: يأتيه سائل، فيطلب منه فتوى، يطلب منه مسألة، يطلب منه أن يكتب له في أبواب في العقيدة، فيلبي ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، فيقعد ويكتب ما يسر الله عز وجل له أن يكتب. «العقيدة الواسطية» كان سببها أن بعض قضاة واسط جاءوا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، يطلبون منه أن يكتب لهم عقيدة تكون لهم ولمن وراءهم. قالوا: فكتبها ما بين العصر إلى المغرب، في جلسة واحدة. وكذا «الفتوى الحموية»، جاءه بعض أهل حماة، كذلك يطلبون منه أن يذكر لهم، أو أن يكتب لهم بعض المسائل من مسائل الاعتقاد. فكتب «الفتوى الحموية» في جلسة بين مغرب وعشاء. وهكذا، رحمه الله تعالى، كان يأتي السائل فيسأله، فيجيب له في رسالة، أو في مجلد، أو في كتاب، أو في أجزاء. وهذا يدل على غزارة علمه، رحمه الله تعالى، وعلى نفعه للناس، وعلى نفعه للناس، رحمه الله تعالى. قال: «يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي، رزق الهدى من للهداية يسأل». «رزق الهدى» هنا دعاء من شيخ الإسلام لعله هذا السائل، وفيه تلطف من شيخ الإسلام لعله هذا السائل. فهو يسأل شيخ الإسلام عن عقيدته وعن مذه الإسلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، يتلطف معه فيذكر له هذا الأمر، بل ويدعو له. «رزق الهدى»، رزق هدى، من طلب هذا، ومن سأل عن هذه العقيدة، وعن هذا المذهب. لأن مذهب شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، وعقيدته، هي عقيدة السلف، وهي عقيدة الكتاب والسنة. فإن السائل لا يسأل عن عقيدة شيخ الإسلام لأنه ابن تيمية، ولكن يسأل عن عقيدة شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، لأنه يحمل عقيدة السلف، وعقيدة وعقيدة الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، العقيدة الذي جاء بها الكتاب والسنة. فهو يسأل عن عقيدة يتعبد الله عز وجل بها، ويتقرب إلى الله عز وجل بها. لذا أجابه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، مع هذا التلطف. «رزق الهدى، من للهداية يسأل». فهو يسأل عن ماذا؟ عن الهداية. فشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، يسأل الله عز وجل أن يرزق هذا السائل الهداية. والهداية، أو الهدى، يطلق على الهداية، تطلق على أربعة معان. الهداية تطلق على أربعة أقسام: هداية عامة، وهداية الإرشاد، وهداية الإلهام والتوفيق، والهداية إلى الجنة، أو الهداية إلى النار. فالهداية العامة: هداية جميع الخلق لما ينفعهم ويصلحهم، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. والهداية الثانية: هداية الإرشاد والبيان، وهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾: أي ترشد وتدل إلى صراط مستقيم. والهداية الثالثة: هداية الإلهام والتوفيق، وهذه الهداية خاصة بالله عز وجل، وهي المنفية في حق النبي، صلى الله عليه وسلم، في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: أي يوفق، ويلهم من يشاء إلى الهداية. والهداية الرابعة، والقسم الرابع من أقسام الهداية: الهداية إلى الجنة، أو الهداية إلى النار. الهداية إلى الجنة، كما في قول الله عز وجل عن أصحاب الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. وأما أصحاب النار، ففي قول الله عز وجل: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.