شرح القصيدة الهائية 11

الدرس في شرح القصيدة الهائية 11، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

وصف نار جهنم وأهلها ومقدمة التوبة

يبدأ الشارح بوصف نار جهنم وأهلها مستندا إلى أبيات من منظومة السبل السوية، مشددا على عذاب الكافرين والعاصين وداعيا إلى التوبة. النص يصور جهنم كدار للشقاء والعذاب الأبدي.

تفاصيل عذاب جهنم وعظمة النار

يتم تفصيل وصف جهنم وعذاب الكافرين فيها، حيث تُصوَّر كنار عظيمة لها سبعون ألف زمام يجرها سبعون ألف ملك، ويُعذَّب الكفار بعذاب مستمر يشمل الحميم والضريع والزقوم.

شفاعة الله للمؤمنين وفضل العمل الصالح

يُناقَش عذاب الكفار في النار مقابل شفاعة الله للمؤمنين، حيث يُخرجهم من النار برحمته وشفاعة الأنبياء والصالحين، مشددا على أهمية العمل الصالح في الدنيا للنجاة والفوز بالجنة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

ينتهي المقطع بدعاء بالتوفيق لسلوك الصراط المستقيم والنجاة من النار، ويتضمن طلب العون والتوفيق من الله في الدنيا والآخرة، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، قال الشارح -زيد المدخل حفظه الله تعالى- في شرحه، وحرصا على الكمال وحصول الفائدة، فأحب أن أنقل أبياتا من منظومة السبل السوية لنظم هذه القصيدة، ذلك لأن المقام يليق بإيرادها. قال رحمه الله تعالى في وصف النار وأهلها: هذا وأن الأشقياء في سقر ألاف ساءت المقام والمقر يؤتبها في موقف القيام سبعون ألفا من الزمام زمت بها كل زمام في يدي سبعين ألف ملك مؤيد إن زفرت ثم رمت بالشرر جثى لذلك كل من بالمحشر ثلاثة آلاف عاما أضرمت حتى غدت مسودة فأظلمت لو تسقط الصخرة من شفيرها سبعون عاما لم تصل قعرها أما الذين كتبوا من أهلها أعني بهم من خلقوا لأجلها فهم خلود أبد الآباد لا حياة لا موت فساءت نزل مهادهم من تحتهم جحيم صبوا من فوقهم الحميم هوتهم الضريع والزقوم وبئس ظل لهم اليحموم يسقون فيها من حميم آني على كلاليب من النيران يشوي الوجوه والجلود يصهر ويقطع الأمعاء حين يقتر فهم على الوجوه يسحبون فيها وفي الجحيم يسجرون بها ملائكة غلاظ شداد في ثلاثة الجحيم سلسلوا غلظ نواصيهم إلى الأقدام في مزيدهم من الآلام يهون في أمدها المديد لم ينتهوا لقعرها البعيد سبعون عاما لهم أنكال مقامع الحديد والأغلال يقلبون الدهر في سعيرها بين سمومها وزمهريرها وكلما راموا خروجا منها فيها وعيدوا لا محيص عنها جلودهم تبدلوا فيها كلما تنضج عادة ليذوقوا الألم أدناهم في ألم أدناهم في ألم من نعل لعلين منهما دماغه غلى فكيف حال من عليه تؤصد يهبط تارة أخرى يصعد في جهنم الكفور يعظم جدا يزداد عليه الألم لكن عصاته من أولي التوحيد قد يدخلونها بلا تأبيد فهم جازون بقدر ما جنوا ثم ينجون بما قد آمنوا ويدخلون جنة النعيم برحمة المهيمن الرحيم وقضي الأمر وكل استقر بداره وذاك حصد ما يذر وإن ترد تبيان ذا مستكملة موضحا مبينا موضحا مبينا مفصلة فدونك اطلبها من القرآن والسنن الصحاح والحساني قال حفظه الله: وبعد، أيها المسلم الناصح لنفسه والمجاهد لها لتفوز وتسعد، إنك إذا قرأت هذه الأبحاث نثرا ونظما، ستدبرت ما أوردناه لك في هذه الرسالة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والفوائد الجلية، اتضحت لك طريق الحسنى، واندفعت نفسك وجوارحك إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، وانبرت أمامك حقيقة الزهد في هذه الحياة. وما العون والتوفيق إلا من الله، عليه توكلنا، وهو حسبنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير. ذكر هنا شارح زيد المدخل حفظه الله هذه الأبيات من منظومة لشيخ العلامة حافظ الحكم، وهي السبل السوية، وذلك لأن المقام يستحسن ذكرها، لأنها في ذكر ما وصفت به جهنم من أوصاف تقشعر منها الجلود، وكذلك تخاف منها القلوب وتنزجر. إن كان فيها ما يعظها ويذكرها، فهذه الأبيات كما سمعتم فيها ما أعد للعاصين وللمجرمين وللكافرين في نار جهنم والعياذ بالله، فدارهم سقر، سماها الله جل وعلا سقر، وسقر من أسماء جهنم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿سَأُوصِلُهُ سَقَرَ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، فسقر دار الكافرين والعياذ بالله، الذين كانوا من الخاسرين، الذين خسروا الدنيا والآخرة، ألا ذلك الخسران المبين، فساء هذا المقر وساء هذا المستقر. كما قال جل وعلا على لسان عباد الرحمن: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمَقَامًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. هذه جهنم، من عظمها ومن شدة حجمها أنها يؤتى بها يوم القيامة ولها سبعون ألف زمام، كما ثبت في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. يجرون جهنم يوم القيامة سبعون ألف ملك عليها سبعون ألف زمام، وهذا يدل على عظم هذه النار واتساع عظمها. ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الحجر يلقى فيها يهوي فيها سبعين خريفة، لما سمع الصحابة وجبة، قالوا: ما هذا يا رسول الله؟ قال: حجر أرمي به في جهنم وصل الآن. وهذا يدل على عظيم سعتها وضخامتها، وهذا يجعل قلوب تخاف وتفزع من هذه النار ومن هذه الجحيم، عياذا بالله منها. والناس إذا رأوها يوم القيامة خافوا منها، قال جل وعلا: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾، أي جاثية على ركبهم خوفا من هذه النار. إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيضا وزفيرا، ومع هذا تطلب من المزيد، لا تشبع، يدخل فيها كثير من الناس، ومع هذا لا تشبع. يوم نقول جهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة جل وعلا فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط، أي كفاني وحسبي. وذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات أن هذه جهنم أعدت للذين خلقوا لها، وهم الكفار والعياذ بالله، الذين ليسوا أهلا لأن يكونوا من أهل السعادة، وليسوا أهلا لأن يكونوا من أهل الجنة، فهم في حياة لا موتى بعدها، حياة كلها عذاب مستمر منقطع، مستمر لا ينقطع والعياذ بالله. من فوقهم الحميم، ومن تحتهم الجحيم، ومن كل الجهات قد أحاط بهم العذاب، عياذا بالله. طعامهم الضريع، ليس لهم طعام إلا من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع، وهكذا طعامهم الزقوم، كما قال جل وعلا: ﴿طعامُ الأثيمِ كالمُهلِ يغلي في البطونِ﴾. وهكذا ظلهم اليحموم والعياذ بالله، وهكذا إذا سقوا سقوا ماءا حميما قد قطع أمعاءهم، عياذا بالله. وهكذا هم في النار يعذبون، تصهر جلودهم وتتقطع أعضاؤهم، إذا تمزقت جلودهم وأعضاؤهم أعيدت كما كانت جديدة، كلما نضجت جلودهم بدلت جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. فالجلود تبدل إذا مزقت، وهكذا الأعضاء تعاد لها قوتها على ما كانت عليه، والعذاب مستمر، والجلود تتبدل وتتغير كلما نضجت وعيدت، وهذا عذاب عظيم مستمر عليهم، نسأل الله العافية والسلامة. وهم في هذا العذاب كما سمعتم على تتابع من غير انقطاع، يشوي وجوههم والعياذ بالله ذلك الحميم، ويقطع أمعاءهم. وفي النار يسجرون، هذه النار التي وكل بها ملائكة غلاظ شداد، كما قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وصف الله جل وعلا مالكا خازن النار أنه لم يضحك، فالنار عليها ملائكة غلاظ شداد، مع عظم هذه النار، وكل بها هؤلاء الملائكة الذين وصفهم ربنا جل وعلا بهذه الأوصاف. فهؤلاء في النار يسحبون في السلاسل على وجوههم وعلى نواصيهم والعياذ بالله. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، إن كل شيء خلقناه بقدر. فهم في آلام متتابعة وألام لا تنقطع، وهكذا لهم من أصناف العذاب الشيء العظيم الذي لا يستطيع وصفه، ولا يعلم حقيقته إلا الرب سبحانه وتعالى. ما يستطيعون أن يخرجوا منها، ما يخفف عنهم العذاب فيها، وهذا نسأل الله العافية والسلامة. مما يخاف منه العبد المسلم، الكافر في نار جهنم لا يكون على الوصف الذي كان عليه في الدنيا، وإنما كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: ضرس الكافر كجبل أحد، فكيف بيديه؟ كيف برأسه؟ كيف بقدميه؟ كيف بأصابعه؟ إذا كان السن الذي هو ربما أصغر عضو في الإنسان يكون مثل جبل أحد، فكيف بقية الأعضاء؟ العينان والوجه والأنف والأيدي، لا شك أنها تكون على هيئة عظيمة، وذلك ليزداد عليهم العذاب، وليذوقوا من عذاب الله جل وعلا جزاء ما ارتكبوا في هذه الحياة الدنيا. وما ظلمهم الله سبحانه وتعالى، لكن أهل التوحيد الذين يعذبون في نار جهنم فإنهم يخرجون منها، لأن الله جل وعلا أكرم أنبياءه وأكرم الصالحين وأكرم الشهداء بشفاعات يشفعونها يوم القيامة، فأهل التوحيد يخرجون بهذه الشفاعات، ولو بشفاعة رب العالمين جل وعلا التي هي آخر الشفاعات. كما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي عن نبيه صلى الله عليه وسلم: شفاعة الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيخرج ربنا سبحانه وتعالى من النار أقواما لم يعملوا خيرا قط، وهم قد امتحشوا فيها وقد صاروا فحما، فيحيون كما تحيى الحبة في حميل السيل. وتلك رحمة الله سبحانه وتعالى بهؤلاء الذين يسمون الجهنميين، لأنهم احترقوا في جهنم، ومع هذا نالتهم الشفاعة يوم القيامة لما معهم من توحيد رب العالمين جل وعلا، فيكون مآلهم إلى جنة الله سبحانه وتعالى. ولذلك ذكر الشارح حفظه الله بعد ذكره لهذه الأبيات أن ما ذكر من نظم وهكذا من نثر في هذه الرسالة مما يجعل المسلم الناصح لنفسه الذي أراد حقا النجاة لنفسه والفوز بجنة الله سبحانه وتعالى أن يعمل جاهدا مجتهدا في هذه الحياة الدنيا على تحصيل تلك المطالب العالية. فإنها لا تنال بالكسل ولا بالتفريط ولا بالتقصير، وإنما هي سلعة الله جل وعلا الغالية التي لا بد للمسلم أن يقدم فيها ثمنها في هذه الدنيا، وهي الأعمال الصالحة، استقامة على شرع الله سبحانه وتعالى، وهكذا الابتعاد عن كل ما لا يرضي الله جل وعلا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على سلوك الصراط المستقيم، وأن ينجينا وإياكم من جهنم وما فيها من أهوال، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن وفق في الدنيا والآخرة، وممن وفقه الله سبحانه وتعالى لكل خير. وصلى الله وسلم بارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.