الدرس في شرح القصيدة الهائية 10، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتحدث عن الأبيات الشعرية التي كتبها الشيخ حافظ الحكم في وصف عذاب أهل النار وتفسيرها. يعدد الآيات التي تصف عذاب أهل النار ومآلهم.
ذكر الناظم عذاب الله تعالى للعصاة والمجرمين، والقرآن الكريم يجمع بين الترغيب والترهيب، وهو منهج الأنبياء ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
يوم القيامة يعلم المفرطون مآلهم ويندمون، فيعذبون في النار بطرق مختلفة. على المسلم أن يستغل حياته في الأعمال الصالحات ليحصل على النعيم.
المقطع يتضمن دعاء بالنجاة من عذاب النار والفوز بالجنة، ويطلب من الله تيسير الأعمال الصالحات والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته الهائية: قال رحمه الله «وإن تكن الأخرى فويل وحسرة ونار جحيم ما أشد نكالها، لهم تحتهم منها مهاد وفوقهم غواش ومن يحمو من ساء ظلالها، طعامهم الغسلين فيها وإن سقوا حميما به الأمعاء كان حلالها، أمانيهم فيها الهلاك وما لهم خروج ولا موت كما لا فنائها». قال الشارح زيد المدخلي يحفظه الله تعالى: وضع هذه الأبيات الأربعة بعد الأبيات السابقة في غاية المناسبة، فقد مشى الناظم رحمه الله على قاعدة الجمع بين الترغيب والترهيب، وهذه طريقة القرآن الكريم، كي يكون العبد راغبا راهبا، راغبا فيما عند الله من الثواب العظيم، وخائف مما عنده من العذاب الأليم. ولهذا قال رحمه الله «وإن تكن الأخرى فويل وحسرة» البيت، أي: وإن كان العبد من أهل الشقاوة والعياذ بالله، فله الويل والحسرة. والويل روي أنه واد في جهنم يهو فيه الكافر سبعين خريفا قبل أن يبلغ قعره. فالتوعد الله تبارك وتعالى بويل أصنافا من المجرمين، فقال تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾، وقال تعالى: ﴿ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم﴾، وقال تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون﴾، وقال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾، وقال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا وعدده﴾، وقال تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وكما لأهل الشقاوة ويل، فعليهم حسرة، ولهم جحيم ما أعظم عذابها، قال تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾، وقال تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرة على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين﴾، وقال تعالى: ﴿إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما﴾. فأهل النار الذين هم أهلها لا يموتون فيها ولا يحيون، بل يدعون على أنفسهم بالويل والثبور، ويعضون أناملهم حسرة وندامة. «ندم البغاة ولا تسلية من دم، والبغي مرتع مبتغيه وخيم». ثم ذكر الناظم رحمه الله مأكل أهل النار ومشربهم ومقرهم، وبئس المأكل والمشرب وساء المأوى والمقر، فقال: «لهم تحتهم منها مهاد وفوقهم غواش ومن يحمو من ساء ظلالها» إلى آخر الأبيات. وهذه الصفات والجزاءات التي أوردها الناظم رحمه الله قد تناولتها آيات قرآنية، سأذكر بعضها فيما يلي. قال تعالى: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين﴾، قال تعالى: ﴿من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك الذي يخوف الله به عباده﴾، قال جل وعلا: «وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم»، كما يقول تقدس ذكره: ﴿وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾، قال تعالى: ﴿فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون﴾، وغير ذلك كثير. ذلك متاع أهل النار، وتلك حالاتهم، فبئس المتاع وساءت الحال. وجوههم مسودة، وباسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة، وأدبارهم مصفوعة مضروبة، وأبصارهم خاشعة ذليلة. كلامهم فيها البكاء والعويل، وديدنهم المحاجة والخصام، وأمانيهم فيها الموت والهلاك، قال تعالى: ﴿ويوم القيامة ترون الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾، قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة﴾، قال تبارك وتعالى: ﴿وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾، قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾، قال تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجز كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾، قال عز وجل: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد﴾، وقال تبارك وتعالى: ﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾. ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك، قال: ﴿إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون﴾. فهم في عذاب دائم، لا يقضى عليهم فيها فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها فيستريحوا، إذ لا فناء لها ولا منتهى لجحيمها وأنكالها. أعادنا الله وجميع المسلمين من عذابها، ووقانا وإياهم حرها وحميمها. ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذه الأبيات هذا الذي رهب فيه بما أعد الله جل وعلا لعباده المجرمين والمخالفين والعاصين الذين آثروا هذه الدنيا على الآخرة. فكما رغب فيما تقدم بذكر ما أعد الله جل وعلا لعباده المستقيمين الذين جدوا واجتهدوا في هذه الحياة الدنيا وجعلوها مزرعة للآخرة، رغب ورهب بعد ذلك بذكر ما أعد الله جل وعلا للمجرمين والكافرين الذين عاثوا في الأرض فسادا، الذين لم يقيموا لأمر الله جل وعلا وزنا ولا لنهيه، وإنما جعلوا الدنيا أكلا وشربا ومتاعا، والعياذ بالله، فكان ذلك جزاؤهم يوم القيامة. وما ظلم الله سبحانه وتعالى شيئا. وذكر الشارح زيد المدخلي حفظه الله تعالى أن المؤلف الناظم رحمه الله مشى على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب. هذه هي طريقة القرآن ترغيب وترهيب، وهكذا كانت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كانت دعوة الأنبياء، فهي بين الترغيب والترهيب، الترغيب فيما أعد الله جل وعلا لعباده المتقين المستقيمين على شرعه، والترهيب مما أعد الله جل وعلا لعباده المفرطين المذنبين العصاة. فهذه طريقة القرآن، وهذا هو ديدن الأنبياء، وهذا هو شرع رب العالمين جل وعلا. وإذا تأملت كتاب الله جل وعلا تجد أن الله جل وعلا جمع بين الترغيب والترهيب والخوف والرجاء، قال جل وعلا: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾. فعقيدة أهل الإيمان الصادقين في إيمانهم الموفقين في منهاجهم هو الجمع بين الخوف والرجاء في عبادتهم، يخافون عذاب الله ويرجون رحمته جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون﴾. وهكذا قال نبي عليه الصلاة والسلام للبراء بن عازب رضي الله تعالى عنه حين أوصاه عند نومه أن يقول: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ منك ولا منجى إلا إليك». فالرغب والرهب يجب أن يكون عليه المسلم في هذه الحياة الدنيا بين الخوف والرجاء. الخوارج غلوا وغلبوا أحاديث الوعيد وضلوا وأضلوا، والمرجئة غلبوا نصوص الرجاء فضلوا وأضلوا، والمتصوفة عبدوا الله بالحب وحده كما يزعمون، حتى وصل بهم الأمر إلى أن قالوا: «ما عبدناك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك»، طيب إذن عبدتم الله لماذا؟ قالوا: «عبدناه لحبنا له لأننا نحبه». وهذا ضلال واضح وبين عظيم. وأهل السنة والجماعة عبدوا الله جل وعلا بالحب والخوف والرجاء، عبدوا الله بالحب لأنهم أحبوه جل وعلا، وعبدوه جل وعلا خوفا من عذابه ومن ناره، وعبدوه جل وعلا رجاء في ثوابه وطمعا في حصول جنته. ولذلك كان منهج أهل السنة والجماعة في دعوتهم الترغيب والترهيب. والناظم رحمه الله تعالى يقرر هذا في ذكر هذه الأبيات بعد ذكر ما تقدم من الأبيات التي فيها الترغيب، أردف ذلك بذكر أبيات فيها الترهيب، بعد أن ذكر حال أهل السعادة، ذكر حال أهل الشقاوة، وأنهم -العياذ بالله- في عذاب مستمر لا ينقطع، هذا في حق الكافرين. وأما من كان من أهل الكبائر، فإذا شاء الله عذبه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة، وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة. وذكر رحمه الله تعالى -أي الشارح- الآيات التي تدل على ما ذكر الناظم رحمه الله تعالى. فالناظم ما ذكره رحمه الله تعالى هو مصداق من آيات من كتاب الله جل وعلا، وحديث من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه الآيات كما سمعتم فيها التحذير والويل في حق المخالف، وفي حق العاصي، وفي حق المستكبر. فذكر آيات افتتحت بقوله جل وعلا «ويل»، وجاء في الحديث أن الويل واد في جهنم، لكن في إسناده مقال. و«ويل» هي كلمة تهديد وكلمة وعيد. وهكذا كما جاءت في القرآن جاءت في السنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «ويل لمن جعل الله جل وعلا مفاتيح الشر على يديه»، وقال: «ويل للذي يكذب الكذبة ليضحك بها الناس» إلى آخر ذلك من الأحاديث. فهي كلمة زجر وكلمة تهديد وكلمة وعيد، زجرا وتحذيرا من فعل هذه الأفعال التي تذكر بعد ذكر هذه اللفظة التي هي لفظة تهديد ولفظة وعيد. فالله جل وعلا توعد المطففين، والله جل وعلا توعد الذين يكتبون الكتاب بأيديهم وينسبون ذلك إلى رب العالمين جل وعلا لشراء شيء من حطام هذه الدنيا، وهكذا توعد الكذابين الأفاكين، وتوعد الهمازين اللمازين، وهكذا توعد الساهين عن صلاتهم، وتوعد غيرهم ممن خالف أمره جل وعلا وارتكب نهيه وعصى في الأرض فسادا ومشى على غير الصراط المستقيم، توعدهم جل وعلا بالعذاب العظيم الأليم يوم القيامة. وفي ذلك اليوم يعلم هؤلاء ذلك المآل وينكشف لهم حقيقة الحال، فيتندمون في ذلك اليوم ندما عظيما ويتحسرون حسرة عظيمة، لكن لا تنفع الحسرات في ذلك اليوم، ولا ينفع الندم أن تقول نفسه: «يا حسرة على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين». فلا ينفع الندم في ذلك اليوم، وقول من يقول: «رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت»، ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. فقد انتهى الاختبار وانتهى الامتحان في هذه الحياة الدنيا، فالندم لا ينفع والحسرات لا تنفع أصحابها، وإنما تزيدهم حسرة مع حسرتهم، وندامة إلى ندامتهم. فهم يدعون على أنفسهم في ذلك اليوم بالويل والثبور، فيقال لهم: «لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، وادعوا ثبورا كثيرا». والمعنى أنه لا ينفعكم دعاؤكم بالويل والثبور، ولا ينفعكم دعاؤكم لأنفسكم بأي شيء. فيعضون أناملهم من الندم والحسرات، فهم في حال عظيم، حال مخزي، وحال مزري من الندم والأسف والحزن والأسى، لكن لا تنفع الحسرات ولا ينفع الندم في ذلك اليوم. كما قال الشارح: «ندم البغاة ولا تسلية من دم، والبغي مرتع مبتغيه وخيم». وذكر رحمه الله تعالى آيات من كتاب الله جل الله جل وعلا، فيها بيان وعيد هؤلاء المفرطين في جنب الله جل وعلا، الذين مرت عليهم الدنيا ولم يستقلوها في طاعة الله جل وعلا. فله من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش، وهكذا من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل. وهكذا يعطون صحائف أعمالهم بشمائلهم -والعياذ بالله-، وهم في حر دائم، وفي سموم -والعياذ بالله-. إذا أرادوا الماء سقوا ماء حميما قطع أمعاءهم. لباسهم من نار، وشرابهم من نار -والعياذ بالله-. وفراشهم من نار، ينامون على فرش من نار، ويشربون ماء حميما، ولباسهم من نار -والعياذ بالله-. قطعت لهم ثياب من نار، فصار لباسهم من نار، وطعامهم نار، وهم في نار -يعني مستمرة-، وفي وعيد عظيم. نسأل الله العافية والسلامة. وجوههم عليها الغبرة، وعليها القترة، وعليها السواد، وعليها -كذلك والعياذ بالله- الأسى والحزن والندم. وجوه كما وصفها الله سبحانه وتعالى أنها مسودة، وأنها باسرة -والعياذ بالله-. وهم في بكاء وعويل، وفي محاجة وخصام، وأماني وكل ذلك لا يجديهم شيئا. وهم في عذاب ومع هذا يتمنون القضاء، وأن يقضى عليهم، فيقال لهم: «إنكم ماكثون». ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك، فيجيبهم مالك: «إنكم ماكثون». فلا ينقطع عنهم العذاب، يريدون أن يستريحوا من هذا العذاب، يقضى عليهم، أن لو يكونوا ترابا، أن يكونوا لا شيء، ولكن لا إجابة لهم، بل العذاب مستمر. وكذلك الجحيم عليهم من كل الجهات قد سيطر عليهم -والعياذ بالله-. الملائكة تضرب وجوههم، تضرب أدبارهم، وهكذا في عذاب مستمر. نسأل الله العافية والسلامة. فحري بالعبد المسلم أن يستغل حياته الدنيا في الأعمال الصالحات قبل أن يندم في ذلك اليوم العظيم. إذا أردت -يا عبد الله- ما أعد الله من النعيم العظيم في جناته، من الشراب والعسل واللبن إلى خير ذلك، فهذا يحتاج منك إلى جد واجتهاد. فإذا قصرت في هذه الدنيا، فاللحق من العذاب والوعيد بقدر ما فعلت في هذه الدنيا، وبقدر ما بذرت في هذه المزرعة. فالله الله في الأعمال الصالحات. نسأل الله جل وعلا أن ينجينا من كرب يوم القيامة، وأن يسلمنا من النار ومن عذابها، ونجعلنا من أهل الجنة الذين أنعم الله جل وعلا عليهم، وأن يسير لنا ويهيئ لنا الأعمال الصالحات في هذه الدنيا التي بها نتحصل على جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.