محبة الله وأسبابها 2

الدرس في محبة الله وأسبابها 2، ألقاها

صفة المحبة لله تعالى وأسباب نيلها

يقرر الشيخ أن المحبة صفة ثابتة لله تعالى دل عليها القرآن والسنة وإجماع السلف، وهي صفة فعلية اختيارية تتعلق بمشيئته. ويبين أن من أسباب نيل محبة الله تعالى تقوى الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.

التقوى والتوكل كأسباب لمحبة الله

يبيّن المقطع أن التقوى وهي فعل الأوامر واجتناب النواهي على نور من الله من أعظم أسباب نيل محبة الله مستشهداً بآيات وأحاديث. كما يذكر أن التوكل الصادق على الله مع الأخذ بالأسباب سبب آخر لمحبة الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.

مكانة التوكل في حياة النبي والصحابة

يستعرض المقطع مكانة التوكل على الله من خلال مواقف الصحابة عند الأحزاب واقتدائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم إمام المتوكلين. وتبرز الآيات والأحاديث ثمار التوكل في الرزق والنصر والحفظ من الشيطان وتؤكد أنه سبب لمحبة الله للعبد.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى كثرة الأسباب المذكورة مع الرجاء في تيسير جلسة أخرى لاستكمال بعضها. ويختم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا في درس الأمس الكلام حول ما يتعلق بالمحبة، وذكرنا أن مما عليه أهل السنة والجماعة من معتقد صحيح مأخوذ من آيات القرآن وأحاديث السنة، وعليه إجماع السلف: أن الله عز وجل يحب ويحب، فيحبه عباده ويتقربون إلى الله عز وجل بأنواع العبادات والأعمال الصالحات التي تدل على محبتهم لله عز وجل. وهكذا هو تبارك وتعالى يحب، فيحب بعض الأشخاص، ويحب بعض الأماكن، ويحب بعض العبادات والأعمال والأخلاق. فصفة المحبة صفة ثابتة لله عز وجل، دل على ثبوتها القرآن، وهكذا السنة، وهكذا أيضاً إجماع السلف، وهي كما يقول العلماء صفة فعلية اختيارية، أي أنها تتعلق بمشيئة الله عز وجل؛ متى شاءها ربنا سبحانه وتعالى فعلها، فالله عز وجل يحب من يشاء، وهكذا متى ما شاء سبحانه وتعالى. وقد خالف في هذا بعض أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة، فنفوا هذه الصفة، صفة المحبة لله عز وجل، وذلك بدعوى أنها توهم نقصاً، وذلك أن المحبة في المخلوق معناها ميله إلى ما يناسبه ويستلذه. فأما الأشاعرة فإنهم يرجعونها إلى صفة الإرادة، فيقولون: المحبة بالنسب لله عز وجل معناها إرادة الإكرام والمثوبة. وهكذا يقولون في صفة أو في صفات الرضا والغضب والكره والسخط: إن معناها إرادة الثواب أو إرادة العقاب. وأما المعتزلة فبما أنهم لا يثبتون إرادة لله عز وجل قائمة به، فإنهم يرجعون صفة المحبة إلى الثواب نفسه، فهذا الثواب الذي هو عندهم واجب على الله عز وجل لمن أحبه الله، وهذا بناء على مذهبهم الفاسد في وجوب إثابة المطيع وعقاب العاصي. وهذا كما يقول العلماء أنه تفسير باللازم، فلازم المحبة أن الله عز وجل يثيب من أحبه، وهذا يعتبر قولاً باطلاً لأنه يلزم منه أن الصفة تكون مخلوقة، وذلك لأن الثواب ك الجنة مخلوق، وقولهم ذلك يعتبر من أبطل الباطل. ولهذا فالحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون صفة المحبة لله تبارك وتعالى على ما يليق بجلاله، فلا تقتضي نقصاً ولا تشبيهاً، كما أنهم يثبتون لازم هذه المحبة، ألا وهي أن الله عز وجل يثيب ذلكم الذي يحبه، وهكذا يكرمه. وقد مضى معنا بالأمس أن آيات القرآن وأحاديث السنة قد دلت على أن هناك أعمالاً وعبادات وصفات، من اتصف بها وقام بها كانت سبباً في نيل العبد لمحبة الله عز وجل، لكي يحب الله عز وجل هذا العبد. وها نحن نتذاكر بعض هذه الأسباب كما سبق معنا، لعل الله عز وجل أن يمن علينا بمحبته، فيجعلنا من عباده المحبوبين عنده سبحانه. فمن هذه الأسباب، إخواني في الله، أن يكون العبد متقياً لله عز وجل، أن تكون يا عبد الله من عباد الله المتقين. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]. وهكذا يقول جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7]. وفي صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». فهذه وغيرها يدل على محبة الله عز وجل لعباده المتقين. ومدار التقوى هو فعل الأوامر واجتناب النواهي. ومن أجمل العبارات التي عرفت بها التقوى ما رواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه، وهكذا ذكره الذهبي في كتابه السير وغيرهما من أهل العلم عن طلق بن حبيب رحمه الله تعالى، فقال معرفاً للتقوى: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». كلمات بديعات، أجمل ما عرف بها التقوى. ولهذا ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى معلقاً: «أبدع وأوجز». قال: «أبدع وأوجز، فلا تقوى إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية من العلم والاتباع، ولا ينفع ذلك إلا بالإخلاص لله». إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. وإذا نظر الناظر إلى الأوامر الموجودة في كتاب الله عز وجل، يجد أن الأمر بالتقوى يعتبر من أكثر وأعظم هذه الأوامر. ولهذا ربنا عز وجل لا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء إلا ويذكر الأمر بالتقوى، إما قبله وإما بعده، وهذا في كثير من المواضع. ولهذا، إخواني في الله، النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أتقى الناس لله عز وجل، إلا أنه كان كثيراً ما يسأل ربه عز وجل أن يزيده من التقوى. ولهذا جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». فحري بنا جميعاً أن نسأل الله عز وجل أن يرزقنا التقوى وأن يزيدنا منها، لكي ننال هذا الخير وهذا الفضل، ألا وهو محبة الله عز وجل لهذا العبد. هكذا أيضاً، إخواني في الله، من هذه الأسباب لنيل محبة الله عز وجل لهذا العبد، أن يكون العبد متوكلا على الله عز وجل. يقول ربنا جل وعلا في محكم تنزيله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. فالتوكل عبادة عظيمة وقربة جليلة، وهكذا هي من العبادات العظيمة التي هي سبب لنيل محبة الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. وقد ذكر العلماء في تعريف التوكل عبارات عديدة وكلمات متنوعة، منها أو من أحسنها: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع العمل بالأسباب. ولهذا، إخواني في الله، أثنى ربنا عز وجل على أهل الإيمان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا على توكل. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. وهكذا قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 173-174]، إلى آخر ما ذكره ربنا عز وجل عن هؤلاء الأصحاب، وهؤلاء الذين هم صفوة هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، كان إمام المتوكلين. ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت». الحديث. فكان عليه الصلاة والسلام إمام المتوكلين، بل كان كثيراً ما يعلم أمته شدة وقوة التوكل على الله تبارك وتعالى. فمن ذلك ما جاء عند أصحاب السنن، الترمذي وغيره، من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». الطيور أول ما تبدأ في صباحها تغدو وبطونها ضامرة خاوية خالية من الطعام، فما تروح إلا وهي شبعى وبطونها ملأى طعاماً لها ولصغارها: تغدو خماصاً وتروح بطاناً. وهكذا أيضاً عند الترمذي وغيره من حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي». بسم الله توكلت على الله. وهذا الحديث حسنه بل صححه جماعة من أهل العلم، وقد كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى على تضعيفه، بناء على أنه من رواية الشعبي عن أم سلمة وأنه لم يسمع منها، وكان آخر ما قاله رحمه الله: أن الحديث ثابت لثبوت سماع الشعبي من أم سلمة رضي الله تعالى عنها. وهكذا جاء عند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنك الشيطان». زاد أبو داود رحمه الله تعالى: قال: «فيقول شيطان لآخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟». فهذا يدلنا، إخواني في الله، على أهمية التوكل، وعلى حاجة الأمة الماسة إلى التوكل. أضف إلى هذا ما تقدم من كون التوكل سبباً عظيماً من أسباب محبة الله عز وجل لهذا العبد. والأسباب كثيرة، ولعل الله عز وجل أن يسر مقاماً آخر لمذاكرة بعضها، فنكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.

شاركنا على