شرح القواعد المثلى 34

الدرس في شرح القواعد المثلى 34، ألقاها

انتقاد تأويل المتأخرين لآيات الصفات وتوضيح منهج السلف

يناقش الشيخ آراء المتأخرين في صرف الآيات عن ظاهرها ويعتبر هذا القول افتراءً على الله ورسوله، ويبرز أهمية إتباع منهج السلف في إثبات الصفات.

مفهوم التنزيه والإثبات في صفات الله تعالى

يشرح المقطع مفهوم التنزيه والإثبات في صفات الله تعالى، حيث يؤكد على أهمية إثبات الصفات لله مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقات مسترشدا بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

الانتساب إلى الأئمة ومقارنة بين أهل السنة والأشاعرة والتحذير من ذوي النوايا السيئة

يناقش المقطع مسألة الانتساب إلى الأئمة الفقهيين ويقارن بين رجال أهل السنة والأشاعرة، ويبين أهمية التحذير من الأشخاص ذوي النوايا السيئة وبيان سوء نيتهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد، قال رحمه الله تعالى: وقال الشيخ محمد أمين الشنقيطي في تفسير «أضواء البيان» على تفسير آية استواء الله تعالى على عرشه التي في سورة الأعراف، قال: اعلم أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرتهم من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق للفهم من معنى الاستواء -مثلا- في الآيات القرآنية، مماثلة صفات الحوادث. وقالوا: يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعا. قال: ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول: أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق للفهم الكفر بالله تعالى، والقول فيه بما يليق به جل وعلا، والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لم يبين حرفا واحدا من ذلك، مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقصر في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، لا سيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين. حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصفة بما ظاهره المتبادر منه ما لا يليق بالله، وما لا يليق، والنبي صلى الله عليه وسلم كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب الصرف عنه. وكل هذا من تلقاء أنفسهم، من غير اعتماد على كتاب أو سنة. «سبحانك هذا بهتان عظيم». ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلالات، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله. حاصل كلام الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: أنه يتكلم على هؤلاء المتأخرين الذين ما قدروا الله عز وجل حق قدره، ولا قدروا رسوله صلى الله عليه وسلم حق قدره. فقالوا ما قالوا، وقالوا: إن ظاهر الكتاب والسنة هو الكفر، وهو الضلال. فقالوا: إن ظاهر القرآن يفهم منه معنى التشبيه. والتشبيه في حق الله عز وجل لا يجوز؛ من شبه الله بخلقه فقد كفر. إذن، ظاهر القرآن كفر. واضح هذا. إذا قال الله عز وجل في كتابه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ قالوا: إثبات الوجه ظاهره إثبات الوجه، وإثبات الوجه لله عز وجل يستلزم تشبيه الخلق بالمخلوق، وتشبيه الخلق بالمخلوق كفر. إذن، ظاهر الآية كفر. قد صرح بعض بهذا من الأشاعرة، فقال: إن ظاهر كتاب الله عز وجل الكفر والتشبيه. «إن ظاهر الكتاب الكفر والتشبيه». وقال آخرون عبارة أخرى مقاربة: «إن ظاهر القرآن يجب أن يؤول تنزيها لله عز وجل عما لا يليق به». واضح هذا الأمر. ما معنى «يجب أن يؤول»؟ معناه هو: أن ظاهره الكفر والتشبيه والضلال، والعياذ بالله. فقالوا: «يجب أن يؤول». واضح هذا الأمر. وهذا الوجوب الذي وضعوه من تلقاء أنفسهم هو الذي أرداهم، فجعلهم على حالهم من الضلال والتأويل والبعد عن الله عز وجل. لأنهم أولا اعتقدوا أن ظاهر القرآن التشبيه والكفر والضلال، ثم انتقلوا ثانيا إلى تعطيل النصوص، بحجة أن الظاهر غير مراد، وأن الواجب صرفه إلى معنى يليق بالله عز وجل. المعنى الذي يصرف إليه ذلك الظاهر: هل هو من عند الله عز وجل، أو هو من عند أنفسهم؟ الجواب: أنه من عند أنفسهم. والنتيجة: أن كتاب الله عز وجل لا يستفاد منه هدى ولا نور، بل هو طريق للضلال والإبعاد عن الله عز وجل؛ لأن ظاهره -على زعم هؤلاء- الكفر والضلال والتشبيه. إذن، من هو المرشد إلى الله؟ ومن هو الموفق إلى الله؟ أو من هو الهادي إلى الله عز وجل والذي يدل على الله؟ الجواب: هو العقل. فالعقل هو الذي يثبت لله عز وجل ما شاء، وينفي عن الله عز وجل ما شاء. أما النقل، فإن ظاهره الكفر والضلال. وهذا هو حقيقة قول هؤلاء. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما ذكر: «سبحانك هذا بهتان عظيم». «ولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم». ووضح هذا الكلام يا جماعة. قال رحمه الله: «والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل: أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فالظاهر المتبادر منه السابق إلى الفهم -لمن في قلبه شيء من الإيمان- هو التنزيه التام من مشابهة شيء من صفات الحوادث». المؤمن بفطرته يجل الله عز وجل ويعظمه، ويعلم أنه ليس له مثيل، وليس له نظير سبحانه وتعالى. وكذلك بإيمانه يعلم أن كتاب الله عز وجل ليس فيه الباطل، لا من قريب ولا من بعيد. بل لو طرأ على قلبه أو فهمه أدنى شك في شيء، اتهم نفسه، وعلم أنه هو الذي به الجهل وعدم الفهم، وأن الحق في كتاب الله عز وجل. وأنه إنما وقع في نفسه إنما هو من سوء فهمه، لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا من. فالعبر بالتدبر والتفهم والتعقل لكتاب الله عز وجل. كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقَوْرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فدل على أن الاختلاف الكثير إنما يكون إذا كان من عند غير الله. ولكن القرآن أنزل من عند من؟ من عند الله عز وجل. فليس فيه اختلافا كثيرا، بل فيه الحق والنور والهداية والشفاء. قال رحمه الله: «فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبي شيء من الإيمان -وقوله: شيء من الإيمان- أي شيء من التعظيم والتنزيه لله رب العالمين». قال: «هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. والمؤمن بفطرته يجل الله عز وجل ويعظمه، ويعلم أنه ليس له مثيل، وليس له نظير سبحانه وتعالى. وكذلك بإيمانه يعلم أن كتاب الله عز وجل ليس فيه الباطل، لا من قريب ولا من بعيد». قال: «بل لو طرأ على قلبه أو فهمه أدنى شك في شيء، اتهم نفسه، وعلم أنه هو الذي به الجهل وعدم الفهم، وأن الحق في كتاب الله عز وجل. وأنه إنما وقع في نفسه إنما هو من سوء فهمه، لا من كتاب الله عز وجل. أكل مؤمن وكل مسلم يعتقد أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد». قال: «العبر بالتدبر والتفهم والتعقل لكتاب الله عز وجل. كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فدل على أن الاختلاف الكثير إنما يكون إذا كان من عند غير الله». قال: «ولكن القرآن أنزل من عند من؟ من عند الله عز وجل. فليس فيه اختلافا كثيرا، بل فيه الحق والنور والهداية والشفاء». قال رحمه الله: «قال فالظاهر المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبي شيء... بمعنى أن الظاهر النص قد يقول لنا قائل: ما هو ظاهر النص؟ نقوله: ظاهر النص ما يتبادر إلى الذهن بمجرد القراءة. بمجرد أن تقرأه يقع في نفسك معنى. هذا المعنى يجمع بين الإثبات وبين التنزيه. يجمع بين الإثبات وبين التنزيه». إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ إذا قرأنا: �هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ إذا قرأنا قول الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ بل: �يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ �لِتَخْلُقَ بِيديكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. المؤمن الحق أول ما يقرأ هذه الآيات يثبت المعنى مع إثبات التنزيه لله عز وجل. يقول: نثبت لله عز وجل لله الوجه على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، وجها يليق به، لا يماثل وجوه المخلوقين. كذلك في اليد، كذلك في السمع، كذلك في البصر، كذلك في بقية الصفات. اقتداء وامتثالا بقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثباتا من غير تمثيل، وتنزيها من غير تعطيل. هذه قاعدة أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله عز وجل وصفاته. قال رحمه الله: «هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث. والمراد بالحوادث: أي المخلوقات». قال: «وهل ينكر عاقل أن السابق للفهم المتبادر لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته وجميع صفاته؟ لا والله. لا ينكر ذلك إلا مكابر، هو الجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه كفر وتشبيه. إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي الصفات عن الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها». مع أنه جل وعلا هو الذي وصف وصف بها نفسه. «فكان هذا الجاهل مشبها أولا، ومعطلا ثانيا. كما تقدم معنا مرارا: أن كل مشبه معطل، وكل معطل مشبه». قال: «فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء. فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء -أي- باعتقاده أن ظاهر النصوص التشبيه والكفر. قال: وانتهاء -بتعطيل ذلك الظاهر وتحريفه- زعما منه بأنه ينزه الله عز وجل بالتأويل». قال: «ولو كان قلبه عارفا بالله كما ينبغي، معظما لله كما ينبغي، طاهرا من أقدار التشبيه، لكان المتبادر عنده السابق لفهمه: أن وصف الله تعالى بالغ من الكمال والجلال ما يقطع أوهام أوهام المخلوقين عن إقامة مشابهة بين صفاته وصفات المخلوقين». فيكون قلبه مستعدا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابت لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. كلام واضح. قال: «انتهى كلامه رحمه الله. والاشعري -أبو الحسن رحمه الله- كان في آخر عمره على مذهب أهل السنة والحديث، وهو إثبات ما أثبته الله تعالى نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكيف ولا تمثيل، كما تقدم في كتاب «الإبانة». وأشار الشيخ رحمه الله تعالى إلى فقرات منه». قال: «ومذهب الإنسان أخيرا إذا صرح بحصر قوله فيه -كما هي الحال في أبي الحسن- كما يعلم من كلامه في «الإبانة» -الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب «الإبانة» هو من آخر كتبه -إن لم يكن آخرها- صرح بنص واضح صريح: بأنه على مذهب السلف، وعلى مذهب الإمام أحمد، وعلى مذهب الإمام أحمد في باب العقائد. ومذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى معلوم معروف». قال: «وعلى هذا فتمام تقليده اتباع ما كان عليه أخيرا، وهو التزام مذهب أهل الحديث، وهو التزام مذهب أهل السنة؛ لأنه المذهب الصحيح الواجب الاتباع الذي التزم به أبو الحسن نفسه. فكأن الشيخ رحمه الله تعالى من يزعم أنه أشعري حقا، فعليه أن يتابع أبا الحسن الأشعري حقا في آخر مراحله». «فإن الأعمال بالخواتيم». «فإن الأعمال بالخواتيم». «والرجل اختتم عمله ومذهبه على مذهب أهل السنة والجماعة. فلا يجوز لهم أن ينسبوه إلى غير ذلك. بل واجب عليهم أن ينسبوه إلى ما كان عليه آخرا. وإن كانوا مقتدين به، متبعين له. فعليهم أن يقتدوا بآخر مراحله». هذا أمر من باب الإلزام. وإلا فإنه واجب على كل مسلم في باب العقائد، وفي باب العبادات، وفي باب المعاملات: أن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى مذهب السلف الصالح، إلى الخلفاء الراشدين، إلى الصحابة، إلى غير هؤلاء، إلى مثل هؤلاء من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة الذين أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. بل أثنى الله عز وجل على أصحاب القرن الأول بالثناء العظيم، بالرضوان منه سبحانه وتعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فمن أراد أن ينال هذه المزية، فعليه أن يتبع، وأن يقتدي بهؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه». هذا في باب العقائد، وفي باب العبادات. بعض أهل العلم -كما يعبرون عنه- في مسائل الفروع، يقول: «لا بأس بأن ينتسب الإنسان إلى إمام من الأئمة في الفروع». وهذه المسألة محل -كما يقال- محل اجتهاد. محل اجتهاد: هل لإنسان أن ينتسب إلى الأئمة -كما يقال- «فلان شافعي»، و«فلان حنبلي»، و«فلان حنفي»، إلى غير ذلك؟ أم أن الأولى والأفضل كذلك أن ينتسب إلى السلف الصالح، إلى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ لا شك ولا ريب أن الانتساب إلى السلف الصالح والأولى والأجدر بكل إنسان. ولكن بعض الأئمة رحمهم الله وتعالى ممن انتسب إلى أولئك، انتسب إليهم لا من باب التقليد والاتباع الأعمى، ولكن من باب أنهم يسيرون على قواعد ذلك الإمام؛ لأنهم يرون أن قواعده هي القواعد الصحيحة في ضبط الكتاب والسنة، في ضبط الكتاب والسنة. فيسيرون على مقتضى قواعد ذلك الإمام، على مقتضى قواعد ذلك الإمام. وإلا فعند التحقيق: كثير منهم -بحمد الله عز وجل- سيما من المحققين من أصحاب المذاهب، فإنهم يخرجون عن قول إمامهم إلى القول الآخر من قول الإمام الآخر، إذا كان الدليل يدل على قول الآخر. وهذا في غاية العدل والإنصاف من أولئك الأئمة رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «والجواب عن السؤال الثالث من وجهين. الأول...» «والجواب عن السؤال الثالث من وجهين. الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال. أي: في قولهم: أن الأشاعرة يمثلون 95%، لا. في قولهم: أن الأشاعرة فيهم الأئمة الأفاضل الأجلة، فكيف بعد هذا يقال: إنما ذهبهم باطل؟» قال الشيخ رحمه الله: «الأول: أن الحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق. بمعنى: أن كل قائل -إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم- فإن قوله يوزن بالحق. أي: بالكتاب والسنة. يوزن قوله بالكتاب والسنة. إن وافق الكتاب والسنة أخذ به، وإن خالف الكتاب والسنة رد ذلك القول». «فالعبرة بكتاب الله عز وجل، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الحق». قال رحمه الله تعالى: «هذا هو الميزان الصحيح. وإن كان لمقام الرجال ومراتبهم أثر في قبول أقوالهم -كما نقبل خبر العدل، ونتوقف في خبر الفاسق- لكن ليس هذا هو الميزان في كل حال». «فإن الإنسان بشر يفوته من كمال العلم، وقوة الفهم ما يفوته. فقد يكون رجل دينا وذا خلق، ولكن يكون ناقص العلم، أو ضعيف الفهم، فيفوت من الصواب بقدر ما حصله من النقص والضعف. أو يكون قد نشأ على طريق معين...». وهذه بعض الأعذار التي يعتذر بها عن أولئك الأئمة الذين قد علموا بالعلم والخير والنصح لدين الله عز وجل، ولكن زلت أقدامهم في مسائل من مسائل العقائد. قال رحمه الله تعالى: «أننا إذا قابلنا الرجال الذين على طريق الأشاعرة بالرجال الذين هم على طريق السلف، وجدنا في هذه الطريق من هو أجل وأعظم وأهدى وأقوم -الذين على طريق الأشاعرة- فالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة ليسوا على طريق الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة جاءوا بعد زمن الإمام أحمد. جاءوا بعد زمن الإمام أحمد. فهؤلاء الأئمة كلهم كانوا على السنة». «فقس هؤلاء بغيرهم من الأشاعرة. أي: ميز. أي الكفتين ترجح؟ قسهم بأحمد بن حنبل. قسهم بالشافعي. قسهم بمالك. وهكذا. أي: الكفتين ترجح؟» قال رحمه الله تعالى: «وإذا علت إلى عصي الصحابة والخلفاء الراشدين، لم تجد فيهم من حذا حذو الأشاعرة في أسماء الله تعالى وصفاته، وغيرهما مما خرج به الأشاعرة عن طريق السلف. لو وضع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه في كفة، ووضع الأشاعرة من يوم خلقهم من يوم وجدوا إلى آخر واحد منهم، لغلبت كفة من؟ أبو بكر رضي الله عنه وحده. فكيف بمن -فكيف إذا كان معه- من الراشدين من الصحابة الراشدين، والصحابة من المهاجرين والأنصار، إلى غير ذلك؟ فالرجال فأي الرجال أولى بالحق؟ هؤلاء أو هؤلاء؟ الجواب -كما يقال- لا يحتاج إلى جواب. ووضح هذا الأمر». «لأنهم -كما سمعتم- عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه يذكر -يقول- لو وضع أبو بكر في كفة، ووضعت -أو قال: وضعت- أعمال أبو بكر في كفة، ووضعت أعمال الناس -أو قال: المسلمين- في كفة، قال: رجحت أعمال أبي بكر -أو كما قال رحمه الله تعالى- فكيف بمن هو دون ذلك؟ هذا رواية عن عمر رضي الله عنه وأرضاه. هذا المعنى». «فالحاصل: أننا لو قلنا بالرجال، فالرجال أهل السنة والجماعة أعلى وأعظم وأجل من رجال الأشاعرة. ولا شك». قال رحمه الله تعالى: «ونحن لا ننكر أن لبعض العلماء من المتسبين إلى الأشعرة قدم صدق في الإسلام، والذب عنه، والعناية بكتاب الله تعالى، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم -رواية ودراية- والحرص على نفع المسلمين وهدايتهم -رواية أي: في الرواية- المعروف أن يرون الأحاديث بأسانيد، وما شابه ذلك. ودراية -أي: من معرفة الأحاديث فهما وتفقه، وكذلك ضبطا لعلوم ذلك -لعلوم تلك الرواية- قال: وهدايتهم». «ولكن هذا لا يستلزم عصمتهم من الخطأ فيما أخطأوا فيه، ولا قبول قولهم في كل ما قالوه، ولا يمنع من بيان خطأهم ورده. لما في ذلك من بيان الحق والهداية من بيان الحق وهداية الخلق». «ولا ننكر أيضا أن لبعض قصدا حسنا فيما ذهب إليه، وخفر عليه الحق فيه. ولكن لا يكفي لقبول القول حسن قصد قائله. بل لا بد أن يكون موافقا لشريعة الله عز وجل. فإن كان مخالفا لها، وجب رده قائلا. طيب. وجب رده. وجب رده على قائله -كان من كان- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» -كما في صحيح مسلم- الحديث عائشة رضي الله عنها». قال: «ثم إن كان قائله معروفا بالنصيحة والصدق في طلب الحق، اعتذر عنه في هذه المخالفة. وإلا عمل بما يستحقه -ما يستحقه- بسوء قصده ومخالفته». «وهذه الكلمات كلمات مفيدة جدا للعامل المعاملة مع المخالف. هذان السطران الأخيران من أحسن ما يذكر في باب المعاملة مع المخالف». «فإن المخالف إما أن يكون معروفا بالحق، معروفا بالنصيحة، معروفا بالصدق، معروفا بالذب عن دين الله عز وجل، والنصرة لدين الله عز وجل، وممن يبحث عن الحق وينصره ويتحراه. ولكنه زلت قدمه في مسألة أو مسائل. فإنه يبين خطأه مع بيان قدره واحترامه... واحترامه وإجلاله. يقال: العالم الجليل الفاضل أخطأ في مسألة كذا وكذا. ينبع الخطأ حتى لا يقلد ولا يغتر به مغتر. وهذا الأمر أم لا؟». «وأما إذا كان معروفا بسوء قصده، وسوء نيته، ومعروفا بأذيته لدين الله عز وجل. فإنه يبين القول، وكذلك يشهر به، ويحذر منه، وينفر؛ لأجل أن يحذره الناس، وأن يبتعد منه الناس؛ لما عرف عنه من سوء نيته، وكذلك سوء طويته». «والله أعلى وأعلم». «وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك». شكرا.

شاركنا على