الدرس في شرح العقيدة الواسطية 3، ألقاها
يناقش بداية الدرس مسألة الاستعانة بالله وذكر الاسم في البسملة، ويبين المراد من ذكر اسم الله تعالى. يوضح أهمية التبرك بذكر اسم الله والاستعانة به في بداية الأمور.
يتطرق الدرس إلى مسألة ما إذا كان اسم الله عز وجل مشتقا أو جامدا، ويستدل على أنه جامد لعدم وجود مادة يشتق منها. يشرح أن الاشتقاق يستلزم مادة متقدمة على الاسم، واسم الله قديم وأزلي.
يناقش معنى اشتقاق اسم الله الأعلى ودلالته اللغوية، ويوضح كيف أن أسماء الله الحسنى تجري عليه أخبارا وأوصافا. يفرق بين الإخبارات المحضة ومراعاة المعنى في الأسماء.
يختتم الدرس بتوضيح الفرق بين الإخبار المحض ومراعاة معنى الاسم، ويشير إلى مزيد من الشرح في المستقبل. ثم ينهي بالدعاء والاستغفار.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق، وأن ذكرنا بعض ما يتعلق بما ذكره الشارح -رحمه الله تعالى- من مسائل البسملة. من هذه المسائل أن البسملة آية في كل سورة، وليست منها على الصحيح من أقوال أهل العلم. ومنها كذلك أن هذه المسائل -أي مسألة كون البسملة آية أو ليست بآية- من مسائل اجتهادية التي يسوغ فيها الاجتهاد، ولا ينكر فيها على المخالف. ومنها أيضا أن البسملة جزء آية من سورة النمل باتفاق، وأنها ليست في أول سورة براءة باتفاق. وأيضا أن الباء في «بسم الله» للاستعانة، وذكرنا لذلك تعليلين: من حيث اللغة، ومن حيث المعنى. وكذلك أن متعلق البسملة -الذي هو متعلق الباء أو الجار والمجرور- هو الصحيح أنه فعل مضارع مؤخر، فعل مضارع مخصوص مؤخر. وذكر كذلك أن الصحيح أن الاسم من «السمو»، أن الاسم من «السمو»؛ لأنه الاشتقاق الخاص به. وكذلك لأمر آخر من حيث المعنى. والسمو في اللغة بمعنى الظهور والعلو، بمعنى الظهور والعلو. لذا يقال: كل ما سماك فقد علاك. ولذا يقال: جاء سمو الأمير، والمراد به معاليه. قال -رحمه الله تعالى-: «وقول بعضهم: إن لفظ الاسم هنا مقحم؛ لأن الاستعانة إنما تكون بالله عز وجل، باسمه ليس بشيء». قوله -رحمه الله تعالى-: «وقول بعضهم: إن لفظ الاسم هنا مقحم» أي: في قوله: «بسم الله»، لفظ «اسم» بين الجار أو بين حرف الجار وبين لفظ الجلالة «الله» مقحم، ومعنى مقحم: أي زائد. قال: «لأن الاستعانة إنما تكون بالله عز وجل لا باسمه». واضح هذا التعليل أم لا؟ هذا القائل يقول: إن لفظ أو أن الاسم مقحم؛ لأن الاستعانة تكون بالله عز وجل، لا تكون بماذا؟ لا تكون بالاسم، فلا يقول الإنسان: «استعنت باسم الله». واضح هذا؟ جماعة، فلذا قالوا: إن لفظ الاسم هاهنا زائد، إذا يقال: فيه أنه ماذا؟ مقحم. واضح هذا؟ جماعة، لماذا مقحم؟ قالوا: لأن المراد الاستعان بالله، وليس المراد الاستعان بماذا؟ بالاسم، وليس المراد الاستعان بالاسم. لذا يقال: «استعنت بالله»، ولا يقال: «استعنتم باسم الله». واضح هذا؟ جماعة، ملا؟ يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: «ليس بشيء»، أي: هذا القول ليس بشيء، ومعنى ليس بشيء: أي أنه ضعيف جدا وباطل ومردود. وعلل لذلك، فقال: «لأن المراد ذكر الاسم الكريم باللسان، كما في قوله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾» أي: سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به. فالمراد التبرك بالابتداء بذكر اسمه تعالى. واضح هذا يا جماعة؟ يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: نعم، نحن نستعين بالله عز وجل، ونذكر الاسم، أي: اسم من أسماء الله عز وجل، نذكر الاسم من أسماء الله عز وجل؛ تبركا بذلك الاسم. فكقول الله عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي: سبحه ناطقا بلسانك، ناطقا باسم ربك، متكلما به بلسانك، وأنت مستعين بمن؟ بالله عز وجل. فيكون النطق باللسان باسم من أسماء الله عز وجل، والاستعانة بالله عز وجل. واضح هذا يا جماعة؟ لذا النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- كما جاء في الصحيح من حديث عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك. جاء: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وأيضا: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. ما جاءت في أدعية النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه يقول: «سبحان اسم ربك الأعلى» أو يقول: «سبحان اسم ربك العظيم» أو ما شابه ذلك، بل كان يقول ماذا؟ «سبحان ربك الأعلى» و«سبحان ربك العظيم». فكان معنى هذا: أنه «سبح اسم ربك الأعلى» أي: سبح ذاكرا، ناطقا باسم من أسماء الله عز وجل، متبركا به، وأنت في هذه الحال كذلك مستعينا بالله عز وجل. ووضح هذا يا جماعة أم لا؟ قال -رحمه الله تعالى-: «واسم الجلالة قيل: إنه اسم جامد غير مشتق». اسم الجلالة -أي: الله عز وجل- قيل: إنه اسم جامد غير مشتق. والأسماء على قسمين: أسماء جامدة -أي: غير مشتقة- وأسماء مشتقة. قال: «لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له». فهو كسائر الأعلام المحضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها. طيب، ووضح هذا يا جماعة؟ الآن، لفظ الجلالة «الله» هل هو جامد أو مشتق؟ معنى مشتق: أنه هل لاسم الجلالة «الله» معنى ومصدر في لفظ الجلالة أم أنه اسم جامد لا يفهم منه معنى؟ ووضح هذا يا جماعة؟ قال -رحمه الله تعالى-: «وقيل: وصدر القول بقوله: «قيل» يدل على ضعف هذا القول». يدل على ضعف هذا القول. قال: «قيل: إنه اسم جامد غير مشتق». وهذا ذهب إليه من الأئمة المشهورين: السهيلي، وهم من أئمة اللغة، وشيخهم ابن العربي. طيب، لماذا قال هؤلاء بأن اسم الله عز وجل جامد غير مشتق؟ قال الشيخ: «لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها». فمثلا: لو قلنا إن لفظ الجلالة مشتق، للزم أن يكون مادة مشتق من مادة، سبق منها مثلا لفظ «جلال الله». قالوا: «يلزم أن يكون مادة يستلزم مادة يشتق منها». مثلا: «ألها». قالوا: «اسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له». واضح هذا يا جماعة؟ يقولوا: اسم الله عز وجل قديم، ولو قلنا إن اسم الله عز وجل مشتق من مادة أخرى، للزم أن تكون هذه المادة سابقة على ماذا؟ على اسم الله عز وجل. وإذا كانت سابقة على اسم الله عز وجل، فاسم الله عز وجل ماذا؟ يلزم من هذا أن يكون اسم الله عز وجل ماذا؟ حادثا. قالوا: هذا لا يتأتى؛ لأن اسم الله عز وجل قديم. واضح هذا الأمر أم لا؟ فلذا علل، فقال: «إن الاشتقاق يستلزم ماذا؟ يشتق منها»، أي: مادة متقدمة على اسم الله عز وجل. واسم الله عز وجل قديم، واستلزام المادة يستلزم أن يكون الاسم ماذا؟ حادثا. والحادث ينافي ماذا؟ ينافي القديم. واضح هذا يا جماعة أم لا؟ طيب، فلذا منعوا من أن يكون اسم الله عز وجل مشتقا؛ لأنه يلزم منه حدوث اسم الله عز وجل، أن يكون اسم الله عز وجل حادثا، وهذا ممتنع. وهذا ممتنع أن تكون أسماء الله عز وجل حادثة، بل هي قديمة أزلية، أزلية بأزليته سبحانه. واضح هذا يا جماعة أم لا؟ قال -رحمه الله تعالى-: «فهو كسائر الأعلام المحضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها». قال: «والصحيح أنه مشتق، واختلف في مبدأ اشتقاقه». فقيل: من «ألها يألهم ألوهة وإلهة وألوهية» بمعنى: عبدة عبادة. وهذا هو الحق في المسألة والصواب فيها: أنهم من «ألها يألهم ألوهة وإلهة وألوهية» بمعنى: عبد عبادة. وغثبت عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه فسر قول الله عز وجل: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال: أي: عبادتك. فـ«إله» بمعنى مألوه، من «ألها يأله إلهة» بمعنى العبادة. قال -رحمه الله تعالى-: «وعلى القول بالاشتقاق يكون وصفا في الأصل، ولكن غلبت عليه العلمية». قوله -رحمه الله تعالى-: «وعلى القول بالاشتقاق يكون -رحمه الله تعالى-: «وصفا في الأصل، ولكن غلبت عليه العلمية» إن أراد -رحمه الله تعالى- بأن بقوله: «وصفا في الأصل» باعتبار أن المصدر باعتبار أنه مصدر، وهذا المصدر تضمنه اسم الجلالة كما تقدم، فهذا على ما تقدم يكون صوابا. وإن أراد أن المصدر هو الأصل -أنه متقدم على الاسم- فهذا ليس بصحيح. وهذا هو الذي فر منه السهيلي وشيخه. والعبارتان تظهران بهذا. وظاهر العبارة: أنه أراد هذا -رحمه الله تعالى- مع أنه خالهما في الأصل في أصل المسألة، خالفهم، وعند تطبيق المسألة -رحمه الله تعالى- وقع -رحمه الله تعالى- أو ذكر -رحمه الله تعالى- ما هو مخالف لمختاره. ووضح هذا يا جماعة أم لا؟ فليس معنى أن أحدهما أصل والآخر فر أن أحدهما ماذا؟ مشتق للآخر، أن الأصل متقدم على الفر، وأن الأصل متقدم على الفر. هذا ليس بصحيح، بل الصواب: أنه ماذا؟ أن أحدهما متضمن للآخر. مشتق بمعنى: أن أحدهما متضمن للآخر. ووضح هذا يا جماعة؟ قال -رحمه الله تعالى-: «فتجري عليه بقية الأسماء أخبارا وأوصافا». قوله -رحمه الله تعالى-: «فتجري عليه بقية الأسماء أخبارا وأوصافا» يقال: «الله رحمن رحيم سميع عليم» كما يقال: «الله الرحمن الرحيم». قول -رحمه الله تعالى-: «وعلى القول بالاشتقاق فتجري عليه بقية الأسماء» -بقية أسماء- قال: «أخبارا وأوصافا». معنى أخبارا: ما معنى أخبارا؟ أي: أن جميع الأسماء تخبر عن الله عز وجل. فمثلا: قول الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «الله» لفظ جلاله، «الرحمن الرحيم» إخبارات عن الله عز وجل. ووضح هذا يا جماعة؟ «الرحمن الرحيم» إخبارات عن الله عز وجل؛ أنه ماذا؟ أنه الرحمن الرحيم. كذلك في قول الله عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ إلى آخر الآية. المهم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فهذه إخبارات عن الله عز وجل: أن الله عز وجل هو الرحمن، هو الرحيم، هو الجبار، هو المتكبر، هو الملك، هو العزيز، هو الرحيم... إلى غير ذلك. هذه أسماء جرت ماذا؟ إخبارات عن الله عز وجل. إخبارات عن ماذا؟ عن الله عز وجل؛ لماذا؟ لأنه علم، لأنه ماذا؟ لأنه علم؛ لأن لفظ الجلالة «الله» علم. واضح هذا يا جماعة؟ فيخبر عن الله عز وجل بهذا. قال: «فتجري عليه بقية الأسماء أخبارا وأوصافا». أي: تخبر عن الله عز وجل بهذه الأسماء. وأيضا: أوصافا، أي: توصف الله عز وجل بتلك الأسماء. فتقول: «الله عز وجل من صفاته الرحمة، الله الرحمن، الله الرحيم، الله الغفور، الله الملك المدبر» إلى غير ذلك من الأسماء. واضح هذا يا جماعة؟ فقول الشيخ: «فتجري عليه بقية الأسماء أخبارا» أي: تخبر عن الله عز وجل بإخبارات محضة، دون مراعاة المعنى. قوله: «أوصافا» بمراعاة ماذا؟ بمراعاة المعنى. بمراعاة المعنى. واضح هذا يا جماعة؟ لا؟ إما أن يكون إخبارا محضا، وإما أن يكون يراد به ماذا؟ أن تذكر الاسم، ويراد به معنى ذلك الاسم. وسيأتي لهذا -بإذن الله عز وجل- مزيد. ونكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.