شرح العقيدة الواسطية 68

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 68، ألقاها

تحليل حديث رقية المريض

يناقش المقطع حديث رقية المريض ويبين ضعف إسناده بسبب وجود رواة ضعفاء ومجهولين. ومع ذلك، هناك أدلة أخرى من القرآن والسنة تدعم المعاني الواردة في الحديث.

التوسل المشروع إلى الله

التوسل المشروع إلى الله جل وعلا يكون بأسماء الله وصفاته، وبأعمال العبد الصالحة، ودعاء الرجل الصالح. وضرب أمثلة من القرآن على ذلك مثل قصة موسى وذو النون عليهما السلام.

التوسل الممنوع وعلو الله تعالى

التوسل الممنوع مثل توسل القبورية بأصحاب القبور وطلب الجاه منهم لا يشرع. كما يبين أهمية الإيمان بعلو الله تعالى واستشهد بحديث الجارية التي أقرت بأن الله في السماء.

صفات الله تعالى الذاتية والفعلية

العلو صفة ذاتية لله ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، واستواءه على العرش صفة فعلية ثابتة بنفس المصادر، مع التأكيد على علوه المخصوص على العرش.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «العقيدة الوسطية»: وقوله في رقية المريض: «ربنا ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ». قال: حديث حسن رواه أبو داود وغيره. والحديث من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه. وجاء أيضًا عن فضالة عن أبي الدرداء، وكذا جاء عن غيرهما. هو ضعيف؛ لأن فيه أبا بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، وكذا الراوي عن فضالة، كلهم مبهمون. وجاء عن رجل صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه طلق بن حبيب مجهول الحال، وشيخه مبهم، وشيخه مبهم أيضًا، ولا يعلم سماع بعضهم من بعض. فالحاصل أن الحديث لا يصح. ومن أراد المزيد في ذلك رجع إلى كتاب «فتح رب العباد»، فقد ذكرنا وتكلمنا على طرقه هناك بأبسط من هذا وأوسع من هذا الكلام. فالحاصل أنه لا يثبت، ولكن جاء لمعانيه وأفراده ما يدل عليها. والشاهد منه - وهو قولهم رحمه الله تعالى: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» إلى آخره - أشياء منه قد ثبت في ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المثبت لهذا المعنى. وسيسوق الشيخ رحمه الله تعالى بعض ذلك. والشيخ رحمه الله تعالى - كما ترون - يقول: «حديث حسن»، وهو أبو داود وغيره. وتحسينه للحديث يحتمل أن الشيخ رحمه الله تعالى حسنه لمجموع طرقه، ويحتمل أن يكون سار على ما سار عليه من سكوت أبي داود على ما سكت عليه. بعض أهل العلم يسير على سكوت أبي داود؛ لأن عند جماعة من أهل العلم أن أبا داود إذا سكت عن الحديث فهو حسن عنده. الإمام أبو داود رحمه الله تعالى إذا روى الحديث وسكت عنه، فمعناه أنه حسن عنده، كما نص على ذلك طائفة من أهل العلم. ومن أهل العلم من لا يرضى ذلك. وهذا بسبب أن أبا داود رحمه الله تعالى قال في رسالته إلى أهل مكة - وهو يشرح كتابه «السنن» وطريقته فيها - يقول: «وما سكت عنه فهو صالح، ما فيه وهن شديد بينته». وفي نسخة: قال «وما سكت عنه فهو حسن». فاستدل بعض أهل العلم على أن ما سكت عليه أبو داود رحمه الله تعالى فهو حسن. قال: وقولهم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» قال: حديث صحيح. والحديث متفق عليه، جاء من حديث علي، وجاء من حديث أبي سعيد رضي الله عنهما. قال: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه». قال: حديث حسن رواه أبو داود وغيره. رواه أبو داود وغيره. الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. وفيه عدة علل. الأولى من طريق يحيى بن علل الراضي، وهو متروك الحديث. الثانية من طريق عبد الله بن عميرة، وهو مجهول. والثالثة: أن عبد الله بن عميرة لم يسمع من الأحنف بن قيس. وفي الطريق الأخرى التي في السنن جميعها، مرجعها إلى عبد الله بن عميرة. ومنهم من ذكر علة أخرى: وهي أن الأحنف بن قيس من رجال إسناد فيقول: معضلًا. والحديث صحابيهم العباس رضي الله عنه وأرضاه. لكن جاء هذا المعنى من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وثبت عنه ذلك؛ كما في «الرد على الجهمية» للدارمي، وكذا في «الأسماء والصفات» للبيهقي، وفي «التوحيد» لابن خزيمة، جاء بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه». وهو من قبيل الموقوف الذي له حكم المرفوع؛ لأن مثل هذا الكلام لا يقال من قبيل الرأي، وإنما يقال بتوقيف. وأيضًا هذا الحديث تكلمنا على طرقه في الكتاب المشار إليه. وقوله: «لجارية أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة». رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وأرضاه. وقوله طيب، قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «ربنا الله الذي في السماء» إلى آخر الحديث، الحديث الأول صريح في علوه تعالى وفوقيته. فهو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأن في قوله: «ربنا الله الذي في السماء» يقول الشارح: هو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾. قال: وقد سبق أن قلنا: إن هذه النصوص ليس المراد منها أن السماء ظرف له سبحانه، بل إما أن تكون بمعنى «على»، كما قاله كثير من أهل العلم واللغة. فيكون على هذا المعنى: «أأمنتم من على السماء». وهذا كما يقول أهل اللغة: من باب تناوب الحروف. وهي طريقة الكوفيين. قال: وإما أن يكون المراد من السماء جهة العلو، فتكون الآية فيها - كما يقول العلماء - تضمين. فيكون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ معناها: «أأمنتم من في العلو». وهذه طريقة نحاة أهل البصرة. وهي طريقة تضمين لإسم آخر يليق به. قال رحمه الله تعالى: وعلى الوجهين، فهي نص في علوه تعالى على خلقه؛ لأن الله جل وعلا يقول في الآية: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وفي الحديث - كما ترون -: «ربنا الله الذي في السماء». فهذا يدل على علو الله جل وعلا. قال: وفي حديث الرقية المذكور، توسل إلى الله عز وجل بالثناء عليه بربوبيته وإلهيته، وتقديس اسمه وعلوه على خلقه، وعموم أمره الشرعي وأمره القدري. ثم توسل إليه برحمته التي شملت أهل سماواته جميعًا، أن يجعل لأهل الأرض نصيبًا منها. ثم توسل إليه بسؤال مغفرة الحوب - وهو الذنب العظيم - ثم الخطايا التي هي دونه. ثم توسل إليه بربوبيته الخاصة للطيبين من عباده، وهم الأنبياء وأتباعهم. التي كان من آثارها أن غمرهم بنعم الدين والدنيا الظاهرة والباطنة. قال: «فهذه الوسائل المتنوعة إلى الله لا يكاد يرد دعاء من توسل بها». ولهذا دعا الله بعدها بالشفاء الذي هو شفاء الله الذي لا يدع مرضًا إلا أزاله، ولا تعلق فيه لغير الله. «فهل يفقه هذا عباد القبور من المتوسلين بالذوات والأشخاص والحَقِّ والجاه والحرمة ونحو ذلك؟». وهذا استطراد من الشيخ رحمه الله تعالى في هذه المسألة؛ إذ أنه ذكر رحمه الله تعالى التوسل المشروع. ذكر التوسل المشروع: هو التوسل بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وكذلك التوسل إلى الله جل وعلا بالأعمال الصالحة. التوسل إلى الله عز وجل بالاعتراف بالحال، بالاعتراف ماذا؟ بالحال والافتقار إلى الرب جل وعلا. وهذه من الوسائل التي يتوسل بها العبد إلى ربه جل وعلا، ويكون بذلك التوسل المشروع سببًا لحصول المطلوب بإذن الله جل وعلا. فالتوسل المشروع يكون بماذا؟ يكون بأسماء الله وصفاته، ويكون كذلك بدعاء رجل صالح، ويكون كذلك بالأعمال الصالحة؛ كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى. ويدخل في ضمن هذه الأمور: أن يتوسل كذلك بماذا؟ بحاله. أن يتوسل بالحال. ما الدليل على هذا؟ قصة موسى؛ فيها: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وكذلك ذو النون؛ ماذا قال؟ ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فهذا من التوسل بالحال. أما التوسل الممنوع - كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى - فهو كتوسل القبورية بأصحاب القبور، وطلب الجاه من هؤلاء ممن يدعون بأنهم صالحون - ولو كانوا صالحين - طلب الجاه من هؤلاء، أو أن الله عز وجل قد جعل لهم جاهًا. فهو يتوسل بجاه فلان أو بجاه النبي أو بجاه زيد أو عمر. هذا لا يشرع. فكما ذكر رحمه الله تعالى: «فهل يفقه هذا عباد القبور من المتوسلين بالذوات؟» أي: توسلون بذوات الموتى. يا فلان أغثني، يا فلان أكشف عني، ما بين من الضر، إلى غير ذلك من معاني الشرك. وإن ارتقى قليلًا فقال: «يا رب بحق جاه نبيك أو بحق جاه السيد فلان افعل لي كذا وكذا». وهذا - كما يقول العلماء أيضًا - من التوسل الممنوع الذي لم يأت الدليل على إثباته. قال رحمه الله تعالى: «وأما الحديث الثاني؛ فقد تضمن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان للجارية التي اعترفت بعلو الله تعالى على خلقه». فدل ذلك على أن وصف العلو من أعظم أوصاف الرب جل وعلا؛ وحيث خصه بالسؤال عنه دون بقية الأوصاف. ودل أيضًا على أن الإيمان بعلو الله المطلق من كل وجه هو من أعظم أصول الإيمان؛ فمن أنكره فقد حرم الإيمان الصحيح. ووجه الشاهد من حديث الجارية واضح؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سيدها أن يأتي بها، فلما جاءت قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». قالوا: هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بالإيمان، فيه دليل على ماذا؟ فيه دليل على أن هذا المعنى يدل على التوحيد؛ لأن القول بأن الله في السماء يدل على علو الله عز وجل بذاته، علو ذات، وعلو قهر، وعلو صفات. واضح. فكان في هذا الإقرار إقرار بالتوحيد. وزاد على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لها: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله». وقولها: «أنت رسول الله»، هذه شهادة وإقرار بالرسالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والإقرار بالرسالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأول يدل على ماذا؟ يدل على إيمانها. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». ففيه - كما ترون - المعاني الجليلة من معاني التوحيد والإيمان. قال رحمه الله: «والعجب من هؤلاء الحمقى من المعطلة النافين؛ زعمهم أنهم أعلم بالله من رسوله». ينفون عنه الأين؛ بعدما وقع هذا اللفظ بعينه من الرسول - مرة سائلًا غيره كما في هذا الحديث، ومرة مجيبًا لمن سأله - بقوله: «أين كان ربنا؟». واضحة. يعني: أين كان ربنا؟ كما في الحديث. كما في الحديث الأول، في حديث العباس؛ قال: «كان الله عز وجل» ماذا؟ في حديثه. وفيه: «والله والعرش فوق الماء، والله فوق العرش». وكذلك أجاب أهل اليمن؛ كما جاء في حديث عمران بن حسين في البخاري. حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه: أنه قال: «يا أهل اليمن، أقبلوا البشرى». إذ لم يقبلها بنو تميم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أهل اليمن، قد قبلنا. فجئنا نسألك عن أول هذا الأمر». فقال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء». قال رحمه الله تعالى: «وأما قوله: والعرش فوق الماء». قال: «فيه الجمع بين الإيمان بعلو الله تعالى على عرشه، وبإحاطة علمه بالموجودات كلها». قال: ففي الجمع بين الإيمان وبإحاطة الإيمان بإحاطة علمه بالموجودات كلها. واضحة. يقول الشيخ الأنصاري - إسماعيل الأنصاري رحمه الله - في الحاشية: قال: «كذا في الأصل، والصواب: وبين الإيمان بإحاطة علمه بالموجودات كلها». فسبحان من هو عالٍ في دنوه، قريب في علوه. وقد تقدم معنا الكلام على هذه المسألة - على مسألة علو الله جل وعلا على جميع خلقه - وكذلك على استوائه على عرشه سبحانه وتعالى. وتقدم: أن العلو صفة ذاتية، صفة ذاتية، عقلية، ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. وأن صفة استوائه على العرش - الاستواء - وأنه علو مخصوص على العرش، وأنه من الصفات الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على