الدرس في حلية طالب العلم 57، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية الأمانة العلمية في طلب العلم ونسبته إلى أصحابه. يحذر من تزييف الحقائق ونسب العلم لغير أصحابه.
يناقش أهمية نسبة العلم إلى أصحابه وعدم ادعائه لنفسه. يشير إلى أن بعض العلماء يروون عن تلاميذهم تواضعًا وإحقاقًا للحق.
يؤكد على أهمية عزو العلم إلى قائله وبركته. يحذر من نسب العلم لغير أهله ويوضح عواقب الإخلال بذلك.
يتضمن المقطع عبارات من الدعاء والتسبيح والاستغفار والحمد لله. يُنهي بعبارة شكر للمشاهدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو يذكر الخصال التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم: «الأمانة العلمية يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية في الطلب والتحمل والعمل والبلاغ والأداء». يقول الشيخ رحمه الله: «إن مما ينبغي لطالب العلم أن يعتني به، وأن يحرص عليه، وأن يكون مهتمًا به، وتكون هذه الخصلة حلية لطالب العلم، أن يهتم بالأمانة العلمية». الأمانة أن يكون عند أمانة مطلقة وأمانة خاصة. هذه الأمانة الخاصة بالنسبة لطالب العلم -أو قل لكل من له عناية بعلم- أن تكون عنده أمانة علمية، سواء كان علمًا دينيًا أو دنيويًا. وإن كان الكلام هاهنا على العلم النافع الذي هو العلم الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذا الأمر وهذه الخصلة ينبغي أن تكون في كل منتسب لعلم، أو في كل طالب علم، سواء كان كما سمعتم من علوم الدين أو من علوم الدنيا. قال رحمه الله تعالى: «يجب على طالب العلم فائق التحلي بالأمانة العلمية»، أي أن يعتني بها عناية تامة وعناية كاملة، فلا يفرط في شيء منها. لأن التفريط في شيء منها يقدح في طالب العلم، إما من قريب وإما من بعيد، على حسب ذلك الإخلال وذلك التقصير وذلك النقص الذي يحصل من ذلك الطالب. فرب طالب يتكلم في مسألة ويحرر مسألة، ثم يكشف الناس أن تلك المسألة وذلك التحرير وذلك التحقيق وذلك التنقيح إنما هو من عمل غيره، وإنما أخذ من ذلك الغير، سواء كان مسموعًا أو كان مكتوبًا، ونسبه إلى نفسه. هل يكون هذا الطالب -فضلًا عن أن يكون عالما- قد اهتم واعتنى بالأمانة العلمية؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه ظهر للناس -إما من قريب وإما من بعيد- بأنه نسب عمل غيره إلى نفسه، وتظاهر بأنه من عمله وأنه من تحريره وتنقيحه. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول -كما في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها وعن جدها- قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»». وهذا حال من نسب علم غيره إلى نفسه، ولم يعتن بالأمانة العلمية. وكان في عرف المتقدمين من علماء الإسلام -رحمهم الله تعالى- ربما نسبوا هذا الصنف -أي ممن يأخذ علم غيره وينسبه إلى نفسه- ربما نسبوه إلى السرقة. يقولون: «فلان يسرق الحديث»، يأخذ من حديث بعض الأشياء ممن هم في طبقته عن شيخ لم يدركهم، فيحدث عن ذلك الشيخ الذي لم يدركه ليقال: بأنه قد أدرك الشيوخ، ليقال: بأنه قد أدرك الشيوخ وسمع. وقد يدخل في هذا المعنى كذلك من قد استعمل أو وقع في التدليس. فإن العلماء -رحمهم الله تعالى- ذكروا من أسباب التدليس أن يظهر كثرة المشايخ وكثرة الرحلة في طلب العلم، أنه قد أخذ العلم على الأشياخ، وقد رحل يمنة ويسرة إلى أقصى الأرض وإلى أدناها. ومن اطلع على كتب علماء الحديث نظر أو وجد معنى هذا. فالحاصل بأن من وقع في التدليس -من الأئمة رحمهم الله- سعى الذين قد علموا بالإمامة في الدين قد اعتذروا لهم بالأعذار. ومن أحسنها ما قاله الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- بأنهم «متأولون». قال الذهبي -رحمه الله تعالى- كلامًا معناه هذا: «أحسن ما نستطيع أن نقوله في حق هؤلاء بأنهم تأولوا هذا المعنى». فالحاصل أن هذه منقصة أن ينسب الإنسان علم غيره إلى نفسه. لذا كلما كان الإنسان أبعد عن النظر إلى الناس، وكان أقرب في عمله نظرًا إلى الله جل وعلا، فإنه لا يبالي أن يعزو العلم إلى من هو دونه أو هو مثله أو أعلى منه. لذا نجد في كتب أهل العلم -رحمهم الله تعالى- من قيل فيه أنه حدث عن بعض تلامذته. ثبت عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه حدث عن بعض تلامذته عن أبي داود وعن غيره. ثبت كذلك على الإمام البخاري -رحمه الله- أنه حدث عن بعض تلاميذه، حدث عن الإمام مسلم وهو من تلاميذه، وعن الإمام الترمذي وهو من تلاميذه، وحدث عن غيرهم. كذلك الإمام مسلم -رحمه الله وتعالى- حدث عن بعض تلاميذه. وهكذا تجد طائفة مباركة من أهل العلم أن يحدث عن تلاميذه أو عن بعض تلاميذه. هل كان هذا في حقهم نقصًا؟ الجواب: لا. شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله تعالى- الناظر في كتبه -يعني على سبيل المثال- انظر وارجع إلى كتاب الشيخ -رحمه الله تعالى- «أحاديث معلى ظاهرها الصحة»، ستجد الشيخ أفادنا أخونا فلان بهذا الحديث، وأفادنا أخونا فلان بهذا الحديث، وأفادنا أخونا فلان بهذا الحديث. هذا كما يقال مثال عملي لشخص معاصر. هل كان في ذلك العزو منقصة أو كان فيه ممدحة وفيه مكرمة لشيخنا -رحمه الله تعالى؟ الجواب: أن المنصفين والخيرين يذكرون هذا من مناقب الشيخ -رحمه الله تعالى-. فالحاصل أن مسألة العناية بهذا الباب تعطي الطالب كمالًا فوق كمال، والإخلال بذلك منقصة. فليكن الطالب على حذر. ولأهل العلم في ذلك بعض الأبحاث والتحريرات في مسألة عزو العلم وعدم عزوه، أي متى يكون ذلك واجبًا -بمعنى أنه إذا لم يعزه ربما قيل فيه أنه نسب علم غيره إلى نفسه- ومتى لا يكون؟ فلهم تفصيلات في هذا المقام. قال رحمه الله تعالى: «والتحمل والعمل والبلاغ والأداء، فإن فلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها في أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون». فمن تحدث في العلم بغير أمانة، «فقد مس العلم بقرحة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة»، أي أن الخطأ والعثرة للطالب يكون غدًا سببًا لتأخر الأمة عن رقيها المطلوب وعن تقدمها المنشود. قال رحمه الله تعالى: «لا تخلو الطوائف المنتمية إلى العلوم من أشخاص لا يطلبون العلم ليتحلوا بأسنى فضيلة، أو لينفعوا الناس بما عرفوا من حكمة». وأمثال هؤلاء «لا تجدوا الأمانة في نفوسهم مستقرًا، فلا يتحرجون أن يرووا ما لم يسمعوا، أو يصفوا ما لم يعلموا». وهذا ما كان يدعو جهابذة العلم -جهابذة أهل العلم- إلى نقد الرجال وتمييز من يسرف في القول ممن يصونه على قدر ما يعلم، حتى أصبح طلاب العلم على بصيرة من قيمة ما يقرؤونه، فلا تخفى عليهم منزلته من القطع بصدقه أو كذبه، أو رجحان أحدهما على الآخر، أو احتمالهما على سواء. وحاصله هو أنه -كما تقدم- ينبغي للطالب أن يعتني بهذا الباب، وأن يعزو العلم إلى أهله، ولا سيما إذا كان من المسائل المستنبطة والفوائد المستخرجة بجهد، فإن هذا جهد، وهذا كما يقال عمل ينبغي أن يحال إلى صاحبه، ويعزى إليه. فإن هذا من بركة العلم. ذكر بعض أهل العلم بأن عزو العلم إلى قائله من بركة العلم، أي إن أردت أن يبارك الله جل وعلا في علمك، فلتحل العلم إلى قائله. وليس في ذلك من قصر قط. نعم، قد يتأثر الطالب بشيخه أو بمن سمع منه، وربما يسوق كلامًا قد يظنه القائل بأنه سبقه وليس كذلك. وهذا حاصل بمعنى أن الطالب لتأثره بشيخه ربما تكلم بكلامه، وكذلك عبر بتعبيره وبأسلوبه وما شابه ذلك. وهذا لا يكون من هذا الباب. وإنما هو من تأثر الطالب بشيخه. لكن إن كان من باب المسائل التي بابه الاستنباط والاستخراج والتعب والجهد، واستفادها إنسان من إنسان، فمن بركة العلم أن يحيل القول إلى قائله. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الله أكبر. شكرًا للمشاهدة.