حلية طالب العلم 25

الدرس في حلية طالب العلم 25، ألقاها

أهمية الابتعاد عن مجالس اللغو

يناقش الشيخ أهمية ابتعاد طالب العلم عن مجالس اللغو والباطل، ويشير إلى أن اللغو يشمل مخالطة المشركين في أعيادهم والمبتدعين في بدعهم والعصاة في معاصيهم. يجب على طالب العلم أن يتجنب هذه المجالس حتى لا يكون سببًا في تشويه صورة أهل العلم.

آداب طالب العلم في التعامل مع مجالس اللغو

يجب على طالب العلم أن يتحلى بأخلاق أهل العلم من السكينة والوقار، ويتجنب مجالس اللغو والهيشات. كما يجب عليه أن يتأدب في حديثه وصمته، ويبتعد عن رفع الصوت والجلبة حتى لا يسيء إلى صورة أهل العلم.

التحلي بالرفق في طلب العلم والدعوة

يؤكد الشيخ على أهمية التحلي بالرفق في طلب العلم والدعوة إلى الله، مستشهدًا بأحاديث نبوية. الرفق يزين الأمور ويجعل الدعوة أكثر قبولًا، بينما العنف والفظاظة يؤديان إلى النفور منها.

ختام بالذكر والتوبة والتوحيد

يختم المقطع بالتأكيد على علم الله تعالى وإثبات التسبيح والاستغفار والتوبة إليه، ويظهر التوجه الديني والاعتراف بالعجز عن الإحاطة بالعلم الكامل. يتضمن الدعاء والاعتراف بتوحيد الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الحالي عشر الإعراض عن مجالس اللغو. قال: «لا تطأ بساط من يخشون في ناديهم المنكر ويهتكون أستار الأدب متغابيًا عن ذلك، فإن فعلت ذلك فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة». يقول الشيخ رحمه الله تعالى: من الخصال التي ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عنها وأن يجتنبها الإعراض عن مجالس اللغو، كما قال الله جل وعلا في وصفه لعباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، وقال ربنا أيضًا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «واللغو في اللغة كل ما يلغى ويطرح والمعنى لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو أن يميلوا إليه». قال: «ويدخل في هذا أعياد المشركين، ويدخل في هذا الغناء وأنواع الباطل، كلها فأنواع الباطل كلها تدخل في مسمى اللغو؛ لأن اللغو كما ذكر رحمه الله تعالى حقيقته كل ما يلغى ويطرح لا فائدة تحته ولا منه، بل إما أن يكون كذلك لا فائدة فيه وإما أن يكون فيه المضرة المحضة». فيقول الشيخ بكر رحمه الله تعالى: ها هنا مما ينبغي بل يجب على طالب العلم الإعراض عن مجالس اللغو. وتقدم معنا في كلام العلامة ابن القيم رحمه الله ما معنى مجالس اللغو، فيدخل فيها كما ذكر مخالطة المشركين في أعيادهم، ومخالطة كذلك المبتدعين في بدعهم، وكذلك مخالطة العصاة في معاصيهم، ومخالطة كل أهل الباطل في باطلهم. فمما ينبغي بل يجب على طالب العلم أن يترفع عن هذه المجالس، ولا يدنس نفسه ولا يدنس كذلك ما آتاه الله جل وعلا من العلم بحضوره تلكم المجالس الباطلة الفاسدة المفسد أهلها. لذا قال الشيخ: «لا تطأ بساط من يغشون في ناديهم المنكر». والمنكر هو كل ما أنكره الشرع، فكل ما أنكره الشرع فهو يدخل في معنى المنكر. كل ما نهى عنه الشرع وحذر منه وأنذر فإنه يدخل في معنى المنكر. فينبغي لطالب العلم أن يترفع عن هذه المجالس وأن لا يكون مخالطًا لأهلها. قال: «ولا يهتكون أستار الأدب». إما أستار الأدب مع الله جل وعلا كما هو الحاصل في أعياد المشركين، سواء كان هؤلاء المشركين من المشركين الذين قد عرف شركهم عند القاصي والداني، أو كان من المشركين من القبورية الذين كذلك عرف حالهم كل من بصره الله جل وعلا بالتوحيد الذي بعث الله جل وعلا به رسله. هذا من هتك الستر بينهم وبين الله جل وعلا، الشرك بالله جل وعلا. ويدخل فيه كذلك هتك الستر في الآداب بين الناس بعضهم مع بعض، كما يحصل في كثير من مجالس الباطل والزور، هذا يتكلم بكلام فاحش قبيح وآخر يتكلم بكلام نحوه وهكذا. فينبغي لطالب العلم أن يتجنب هذه المجالس، ويدخل فيها في مثل هذه الأيام حضور المجالس أو الاجتماعات التي تكون ها هنا وها هناك، فيها من الأغاني وفيها من الأقوال الباطلة ومن الزور ومن المنكر كما هو على مسمع ومرأى من كثير من الناس. ويدخل فيه كذلك حضور والمشاركة في تلكم المظاهرات ونحوها، فإن تلكم المجالس من مجالس الزور التي ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عنها وأن لا يدنس العلم بحضور تلكم المجالس. قال الشيخ رحمه الله: «فإن فعلت ذلك فإن جنايتك على العلم وأهله عظيمة». لماذا؟ أما على نفسك فالأمر واضح، أما الجناية على النفس فالأمر واضح. كيف يكون طالب علم قد فتح الله جل وعلا عليه من كتاب الله جل وعلا بما فتح من حفظه، ومن حفظه ما تيسر من سنة رسوله، وما آتاه الله جل وعلا من العلوم الشرعية، ثم هو يحضر مجالس الزور إما المجالس الكفرية وإما المجالس التي فيها الباطل والمنكر والفاحشة أو ما شابه ذلك؟ هذا يدنس نفسه، وكذلك يدنس العلم الذي يحمله. وكذلك يكون سببًا لنيل من في قلبه مرض على أهل العلم، يقولون: «انظروا إلى حال هؤلاء الطلبة، هؤلاء طلبة العلم يحضرون هذه المجالس، يستمعون الغناء، يشاهدون المنكرات، يسمعون الباطل واللغو أو يشاركون في ذلك». فيكون سببًا لكلام المبطلين في أهل العلم والخير والصلاح بسبب من؟ بسبب فلتة هذا الطالب الذي لم يتخلق بأخلاق العلم ولم يتأدب بآداب العلم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «الثاني عشر الإعراض عن الهيشات». قال رحمه الله: «التصون من اللغط والهيشات، فإن الغلط تحت اللغط، وهذا ينافي أدب الطالب». وهذا كذلك مقارب لما تقدم، أنه مما ينبغي على طالب العلم أن يبتعد وأن يعرض عن مجالس التي فيها اللغو واللغط والهيشات. ومعنى اللغط رفع الصوت والجلبة وما شابه ذلك. لا يليق بطالب علم أن يكون حاله كحال غيره ممن ليس كذلك، إذا سمع الناس يرفعون أصواتهم وهيشات وما شابه ذلك، ينبغي لطالب العلم أن يتأدب بأدب العلم من السكينة والوقار. إذا تكلم تكلم بأدب وبسكينة، وإذا صمت كذلك صمت بأدب وسكينة، لا يكون صخابًا بالأسواق رافعًا لصوته وما شابه ذلك. قال: «والهيشات كذلك الهيشات أي الاختلاط في الجماعات». الاختلاط في جماعات كثيرة، كما يقال شلل، كما هو حاصل من كثير ممن لم يعرف العلم، تجده إذا تكلم تكلم بصوت قبيح يرفع صوته، وإذا ضحك ضحك كذلك بصوت منكر. وتأمل إلى قول الله جل وعلا في وصية لقمان لابنه، قال له: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. كيف صوت الحمير ارتفع مزعج؟ فبعض الناس حالهم كحالهم، تجدهم في الأسواق في الليل أو النهار إذا ضحكوا تعجب صوت قبيح، وإذا تكلموا تكلموا كذلك بصوت قبيح منكر. فالحاصل أنه مما ينبغي لطالب العلم أن يترفع عن هذه الأمور وأن يبتعد عن هذه الأمور، بل ينبغي له أن يتحلى ويتخلق بأخلاق أهل العلم من السكينة والوقار والأدب، ويكون ذلك معينًا له على الخير ومعينًا كذلك لغيره على الخير؛ لأن الإنسان إذا رأى منك أيها الطالب هذا الخلق لعله أن يتأثر بك، فتكون داعيًا إلى الخلق الحسن من خلال عملك وفعلك، وهذا مطلب مرغب فيه. قال رحمه الله تعالى: ومن لطيف ما يستحضر هنا ما ذكره صاحب الوسيط في أدباء شنقيط، وعنه في معجم المعاجم، أي الشيخ رحمه الله تعالى سيذكر الآن لطيفة. قال: «أنه وقع نزاع بين قبيلتين، فسعت بينهما قبيلة أخرى في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع». وهذه نعمة من الله أن يوفق الإنسان عند التنازع إلى التحاكم إلى الشرع، فقال الله جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال رحمه الله: «وحكموا عالما فاستظهر قتل أربعة من قبيلة بأربعة قتلوا من القبيلة الأخرى». هذا العالم قال: «قصاص قتلوا من هذه القبيلة أربعة». فقال القاضي: «إن هذا لا يوجد في كتاب». أي قولك أنه لا قصاص فيه لا يوجد في كتاب. فقال له الشيخ باب بن أحمد: «بل لم يخل منه كتاب». هذا قال له: «ليس في كتاب». والآخر قال: «بل لم يخل منه كتاب»، أي أن كل كتاب ذكر هذه المسألة أنه لا قصاص فيه مثل هذه المسألة. فقال القاضي: «هذا القاموس». وهذا من باب التعجيز واضح، جماعة القاضي استفاد من قوله: «لا يخل منه كتاب». فقال له: «هذا القاموس». وهو كتاب واضح، جماعة من باب التعجيز. وإلا مفهوم أن الإنسان إذا قال: «لم يخل منه كتاب»، أي من كتب الفقه؛ لأن مسألة مسألة فقهية. لكن الشيخ استفاد من هذا اللفظ فأراد أن يسكت ذلك الشيخ أمام الناس، فقال له: «هذا القاموس». والقاموس كتاب يهتم بالألفاظ العربية ومعانيها. قال له: «هذا القاموس». يعني أنه يدخل في عموم كتاب. فتناول صاحب الترجمة القاموس، أي باب ابن أحمد، قال: «وأول ما وقع نظره عليه والهيشة». يعني من الله جاءتهم الفرج، فتح الكتاب جاء على ماذا؟ على لفظ الهيشة. واضح جماعة. الشيخ رحمه الله تعالى يقول: «الإعراض عن الهيشة». كانت مناسبة لأجل هذا. قال: «وأول ما وقع نظره عليه والهيشة الفتنة». والهيشة الفتنة. قال: «وأم حبين وليس في الهيشات قود». وليس في الهيشات قود. إذن هذا دليل المسألة. إذن القاموس في القاموس هو من كتب اللغة، فيه دليل على ما قاله الشيخ أن هذه المسألة لا يخلو منها كتاب. استبعنا هذا يا جماعة. قال رحمه الله: «الثالث عشر التحلي بالرفق». أي مما ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بالرفق وأن يكون لين الجانب، أن يكون لين الجانب مع إخوته ومع الناس في تعامله مع الناس. قال رحمه الله: «التزم الرفق في القول مجتنبًا الكلمة الجافية، فإن الخطاب اللين يتألف النفوس الناشزة». قال: «وأذلة الكتاب والسنة في هذا متكافرة». كما جاء في صحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». وقالت رضي الله عنها وأرضاها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على غيره». وكذلك قالت رضي الله عنها وأرضاها في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا». وقالت رضي الله عنها وأرضاها كذلك في مسألة الرفق: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». فانظر يا طالب العلم ما أحوجك إلى هذا الأمر وإلى هذا الخلق العالي الذي كان عليه نبيك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ما كان الرفق في شيء إلا زانه. أنت أيها الطالب للعلم إن كنت رفيقًا في قولك، رفيقًا في معاملتك، رفيقًا مع الناس، كان هذا سببًا لماذا؟ لقبول الناس لما عندك من الخير، فتكون بهذا الخلق داعيًا إلى الله جل وعلا ومبلغًا عن الله جل وعلا دينه بأسلوب يقبله منك كل أحد، ممن وفقه الله جل وعلا لقبول الحق. بخلاف ما إذا اتصفت بالوصف الآخر، وكنت شديدًا سيئ المعاملة وفيك عنف، هل يقبلك أحد ويستجيب لدعوتك أحد؟ الجواب لا. فربنا جل وعلا قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أمر الله جل وعلا الناس بطاعته واتباعه، وأن الخير بما جاء به والفضل فيما جاء به، ومع هذا يقول ربنا جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. انظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي من أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، مع هذا يقول ربنا جل وعلا: «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك». لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه أكمل الخلق، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه أعظم الخلق وأحسن الخلق، صلوات ربي وسلامه عليه. كان كما قال الله جل وعلا عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال ربنا جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فالله جل وعلا أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. فينبغي لطالب العلم أن يتحلى بهذا الخلق السامي الجليل، فإنه من أعظم الأسباب إلى الدعوة إلى الله. والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على