حلية طالب العلم 72

الدرس في حلية طالب العلم 72، ألقاها

أهمية عزة العلماء وتعظيم العلم

يُناقش هذا الفصل أهمية أن يتحلى طالب العلم بالعزة والشرف، مع ضرورة صيانة العلم وتعظيمه وحمايته من أي شيء قد يدنسه. طالب العلم مطالب بأن يكون عزيز النفس، شريفًا، ويحافظ على علمه ليكون قدوة حسنة للناس.

تعظيم العلم وإجلاله وحمايته

يجب على طالب العلم أن يعظم العلم ويجلّه في نفسه لينتفع به في الدنيا والآخرة، مع حماية وعناية من أي شيء قد يقلل من شأنه. كلما زاد إجلاله للعلم زادت حمايته له واستفادته منه.

تحذير من ابتذال العلم والتنازل في الفتوى

يُنبه هذا الفصل على أهمية تعظيم العلم وأهله، ويحذر من ابتذال العلم والتنازل في الفتوى أو القضاء لإرضاء الكبراء أو السفهاء. يشير إلى أهمية قراءة تراجم وسير العلماء السابقين لتعلم عزة العلماء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: عزة العلماء، أي مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم أن يتحلى بهذه الخصلة، بأن تكون عنده عزة. وفرق بين العزة والتكبر على الخلق، عزة بأن يكون عنده عزيز النفس، شريف النفس، لا يتطلع إلى ما في أيدي الناس، ولا يدنس علمه بشيء من الأشياء التي تشين العلم، بل العلم شريف، والعلم عزيز، فينبغي أن يكون حاملوه كذلك، أن يكون أعزاء، وأن يكون كذلك شرفاء، عندهم معالي الأخلاق، ومعالي الصفات. قال رحمه الله تعالى: التحلي بعزة العلماء صيانة العلم وتعظيمه. هذا من عزة العلم أن يصون الطالب العلم، وأن يعظم في نفسه العلم، يعلم في نفسه علم يقين أنه قد حاز بفضل الله جل وعلا وتوفيقه وعونه أمرًا عظيمًا، وهو العلم، حفظ كتاب الله جل وعلا، أو من كتاب الله، وحفظ ما تيسر من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وحفظ ما تيسر من العلم من العلوم الشرعية. من نظر إلى هذه المعاني، ونظر قبل ذلك إلى شرف العلم، علم أنه قد حاز أمرًا عظيمًا، وأمرًا جليلًا، وأمرًا عاليًا شريفًا، فيحتاج منه إلى عناية، وإلى صيانة، وإلى حفظ، وإلى تذكر. نعم، المولى جل وعلا عليه بهذا، إذ أنه اصطفاه واجتباه واختاره دون غيره بهذه المزية وهذه الخصيصة، جعله ممن قد حاز علمًا، وهذه منقبة عظمى لمن علم قدرها. فلأجل هذا وذاك ينبغي، كما ذكر، لطالب العلم أن يصون العلم، أن يكون صائنًا العلم، معظمًا له، مجلًا له. قال: صيانة العلم وتعظيمه، وحماية جناب عزه وشرفه. أن يكون محافظًا من أن يدنس، أو أن يمس أن يمس العلم بأي شيء، ولو كان صغيرًا، يصون العلم، لأن طالب العلم هو محل نظر للآخرين، وإذا وصل إلى مرتبة عالية في العلم، كلما وصل إلى مرتبة عليا، كلما كان محط نظر عند الآخرين، فأقواله محسوبة عليه، وأفعاله كذلك محسوبة عليه، لأنهم يقولون: هذا طالب علم، أو هذا شيخ، أو هذا عالم، فانظروا إلى حاله. فإن كان حاله صالحًا، وكان ممن صان علمه، كان سببًا لدعوة الناس إلى العلم، وإلى الخير الذي قد حازه. وإن كان غير ذلك، ربما كان سببًا لشماتة الأعداء، وشماتة الخصماء، وربما كان سببًا لزهادة الناس فيه. فينبغي لطالب العلم أن ينتبه لهذا الأمر، وأن يحرص عليه غاية الحرص. لذا قال الشيخ رحمه الله: وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه ومن العمل به. وبقدر ما تبذله في هذا، أي في صيانة العلم، وفي تعظيم العلم في نفسك، أن ينبغي لطالب العلم أن يعظم العلم، وأن يجل العلم في نفسه، أولًا يعلم مكانة العلم وشرف العلم. وبهذا العلم الذي يتبعه العمل تكون الصيانة لذلك العلم، يصونه الإنسان أشد من صيانة الدينار والدرهم، ويحميه أشد من حماية كل شيء، لأن الشيء على قدر تعظيمه في النفس تكون الحماية له. فكلما عظم، عظمت الحماية، وكلما كبر، كبرت الحماية، وكلما كان العكس، كان العكس. فلينظر طالب العلم إلى حاله مع العلم، فيما يراه من نفسه للعلم، فيما يراه من نفسه في العلم. إن كان معظمًا، مجلًا للعلم، مجلًا إجلالًا عظيمًا للعلم، فإنه يصون العلم صيانة تامة. لذا قال الشيخ: وبقدر ما تبذله في هذا يكون الكسب منه، أن يكون كسبًا من العلم، والاستفادة من العلم، والانتفاع من العلم في دنياك، وفي آخراك. في دنياك تكون لك المكانة العالية بإذن الله جل وعلا في أنظار الناس، وفي الآخرة تكون ممن انتفع بعلمه، فتكون ممن يرفعه الله جل وعلا بإذنه درجات. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات. شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط. شرف العلم شرف العلم، فعلى قدر ما يكون في قلب العبد للعلم من إجلال وتعظيم، يكون لك أيها الطالب عند الله جل وعلا أولًا، ويكون لك كذلك عند الناس. فانظر إلى حالك مع العلم، كيف أنت معه؟ كيف إجلالك له؟ كيف تعظيمك له؟ كيف حرصك عليه؟ انظر إلى حالك مع العلم، تعرف مكانتك عند الله جل وعلا من العلم، ومكانتك كذلك عند الناس من العلم. قال رحمه الله: «وَبِقَدْرِ مَا تَبْذُلُهُ فِي هَذَا يَكُونُ الْكَسْبُ مِنْهُ وَمِنَ الْعَمَلِ بِهِ، وَبِقَدْرِ مَا تَهْدُرُهُ يَكُونُ الْفَوْتُ». ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. كلما استكمل الإنسان التعظيم والإجلال والتقدير للعلم، كلما كان نصيبه منه كذلك كاملًا، وكلما قصر، كلما قصر، وكلما ذهب، كلما ذهب. فالعلم يحتاج إلى حماية وإلى عناية، يعني ينبغي لطالب العلم أن يعرف هذه المنزلة العظيمة الذي جعله الله عز وجل فيها، جعله طالبًا للعلم. انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع». هذه مكانة عليا، أم لا؟ مكانة عالية جليلة، تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع. انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس به علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». أنت تطلب العلم، تبحث عن طريق يوصلك إلى العلم، هذا الطريق هو الطريق إلى الجنة. هذا الطريق الذي تسلكه في طلب العلم هو طريقك إلى الجنة، فانظر إلى حالك، كيف حالك في هذا الطريق؟ وكيف سلوكك أيها الطالب في هذا الطريق؟ وكيف أخذك من هذا الطريق؟ وما هو زادك في هذا الطريق؟ فإن كل إنسان على قدر ما يقوم بقلبه من العمل، وما يقوم به كذلك بجوارحه من العمل، تكون منزلته عند الله جل وعلا. وما ربك بظلام للعبيد. قال رحمه الله تعالى: وعليه فاحذر أن يتمندل بك الكبراء، أو يمتطيك السفهاء، فتلين في فتوى أو قضاء أو بحث أو خطاب. أي ينبغي لطالب العلم إن عرف قدر العلم وشرف العلم ومكانة العلم والعلماء، يحذر أن يتمندل به الكبراء، أن يكون منديلًا، يأتي إنسان كبير صاحب جاه وشرف، أيش قولكم في هذه الفتوى؟ يترخص له برخص، أو يمتطيك السفهاء، تكون مطية لهم، أيش عندكم في هذه المسألة؟ لا بأس، لا بأس، وما شابه ذلك. هذا لم يعظم العلم، ولم يقدر العلم قدره. قال رحمه الله تعالى: ولا تسعى به إلى أهل الدنيا. أي لا تسعى بالعلم إلى الدنيا، لماذا؟ لأن العلم شريف، العلم يؤتى إليه، العلم يرحل إليه، العلم يطلب، لا يذهب به إلى من هو في رغبة عنه من السفهاء أو أهل الدنيا، أو من كان من أهل الدنيا ممن يرغب عن العلم. قال رحمه الله تعالى: ولا تقف به على أعتابهم، ولا تبذله إلى غير أهله، وإن عظم قدره. أي كان عظيمًا جليلًا عند قومه، لماذا؟ لأن العلم أعظم وأجل. قال رحمه الله تعالى: ومتع بصرك وبصيرتك بقراءة التراجم والسير لأئمة مضوا، ترى فيها بذل النفس في سبيل هذه الحماية. لا سيما من جمع مثلًا في هذا، مثل كتاب «من أخلاق العلماء» لمحمد سليمان رحمه الله تعالى، وكتاب «الإسلام بين العلماء والحكام» لعبد العزيز البدري رحمه الله، وكتاب «منهاج العلماء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لفاروق السامرائي. وأرجو أن ترى ما ذكروا في كتاب «عزة العلماء»، يسر الله إتمامه وطبعه. قال: وقد كان العلماء يلقنون طلابهم حفظًا قصيدة الجرجاني، علي بن عبد العزيز المتوفى سنة ثلاثمائة واثنين وتسعين رحمه الله تعالى، كما نجدها عند عدد من مترجميه، ومطلعها: «يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلًا عن موضع الذل أحجما». أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظم. الشيخ هاهنا قال: «لعظم» بفتح الضاء المعجمة المشالة. وكنا نسمع شيخنا رحمه الله تعالى يقول: «ولو عظموه في النفوس لعظم». والمعنيان صحيحان ومتلازمان. المعنيان صحيحان ومتلازمان، فلو عظم أهل العلم العلم لعظم العلم، ولو عظم العلم لعظم أهله. هذا على القول بماذا؟ لعظم. وعلى القول لعظم، أي لو عظموه في نفوسهم لعظم هذا العلم أهله، لعظم هذا العلم أهله. فالمعنيان متلازمان، فبتعظيم العلم تعظيم لأهله، وفي عظمة العلم عظمة لأهله. والأبيات كما ترون واضح وجليل، فيه الدلالة على هذا المعنى، على عزة العلم وعزة أهله، وأن الإنسان كلما عظم العلم في نفسه، كلما عظم. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على