الدرس في حلية طالب العلم 40، ألقاها
يناقش الشيخ أهمية تجنب التعلم من المبتدعين لجهلهم بالله ودينه، ويحذر من اتباع آرائهم على حساب الدين. يشدد على ضرورة الابتعاد عنهم حفاظًا على سلامة الدين.
يذكر أن المبتدعة يسمون بالأصاغر بينما أهل السنة بالأكابر، ويحذر من اعتمادهم على العقل أو الذوق على حساب النصوص. يشبههم بأبي جهل وإبليس لسوء منهجهم.
يُنبه الشيخ على خطورة مجالسة المبتدعة ووقوع ذلك في البدعة أو ضعف البراءة منها، ويمكن أن يضر الآخرين المتأثرين بهم.
يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية التوبة والاستغفار، ويشير إلى استمرار الحديث بإذن الله. الدعاء يعبر عن التضرع لله والاعتراف بالذنب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ -رحمه الله تعالى- وهو يذكر الآداب التي ينبغي أن يراعيها الطالب مع الشيخ: قال الثاني والعشرين: التلقي عن المبتدع. التلقي عن المبتدع، أي هذا من الأمور التي ينبغي أن يعلمها الطالب وأن يحذرها، وهو اختيار الشيخ، وأن لا يكون الشيخ مبتدعًا، فإذا كان الشيخ مبتدعًا فلا ينبغي للطالب أن يتعلم منه، بل يجب عليه أن يبتعد منه حفاظًا على دينه وسلامة كذلك لدينه من الخلل ومن الزلل. لذا قال الشيخ -رحمه الله-: «إحذر أبا الجهل المبتدع»، لأن المبتدع حقيقة هو جاهل بالله وبدين الله جل وعلا، متنقص -شعر أم لم يشعر- لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بأنه ما بلغ البلاغ المبين ولا أوضح السبيل أتم وضوح وأحسن تبيين. فالمبتدع إنما يبتدع لأنه يظن أن رأيه وفكره أعظم أو أسد، فيقدم رأيه وهواه على دين الله جل وعلا. قال -رحمه الله تعالى-: «إحذر أبا الجهل المبتدع الذي مسه زيغ العقيدة، وغشيته سحب الخرافة، يحكم الهوى ويسميه بالعقل، ويعدل عن النص». قال: «وهل العقل إلا في النص؟!» أي: وهل العقل الصحيح إلا وهو موافق للنقل الصريح؟ قال: «ويستمسك بالضعيف ويبعد عن الصحيح»، ويقال لهم أيضًا: أهل الشبهات، أهل الأهواء، أهل البدع، أهل الشهوات. كما قال: «وأهل الأهواء». ولذا كان ابن المبارك -رحمه الله تعالى- يسمي المبتدعة «الأصاغر»، وفي المقابل أهل السنة هم «الأكابر»؛ لأنهم أهل سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلف كل فكل من خالف الكتاب والسنة فهو من «الأصاغر» وإن كان يرى نفسه أنه قد بلغ من الرأي والعلم ما بلغ، فهو يعد من «الأصاغر» ما دام أنه مخالف لكتاب الله جل وعلى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم. قال: وقال الذهبي -رحمه الله تعالى-: «إذا رأيت المتكلمة المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث وهات العقل»، قال: «فاعلم أنه أبو جهل»، أي: أبو جهل المشرك؛ لأن أبا جهل هو الذي رد القرآن وحكم العقل وحكم الهوى وحكم الرأي. فيقول الإمام الذهبي -رحمه الله-: إن رأيت رجلًا يقول ذلك، فاعلم أنه أبو جهل، أي: أنه مثل أبي جهل. قال: «وإذا رأيت السالك التوحيد يقول: دعنا من النقل ومن العقل، ما هو الذي بقي؟ هات الذوق هو الوجد»، قال: «فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر وقد حل فيه». قال: «فإن جبنت منه فاهرب»، أي: إن استطعت أن تواجهه بالحجة والبيان والتوضيح فبها ونعمة، وإن لم تستطع فاهرب، أي: فاهرب بدينك؛ فهو أسلم لك وأحفظ لدينك. قال: «وإلا -أي: إن كنت قويا- فاصرعهم، وابرَك على صدره، واقرأ عليهم آية الكرسي، واخنقهم!» لماذا يا جماعة؟ لأنه إما إبليس تكلم أو ظهر بصورة إنسان، وإلا إنسان ويتكلم بلسانه ماذا؟ إبليس؛ لأنه يقول: دعنا من النقل، ودعنا كذلك من العقل، وتعال نتكلم بالذوق والوجد وما شابه ذلك من عبارات الصوفية، فكل هؤلاء مبتدعة؛ المحكم للعقل على النقل مبتدع، والمحكم للذوق والوجدان على شرع الله كذلك هذا مبتدع. قال -رحمه الله-: أي ذهبه. قال: «وقرأت بخط الشيخ الموفق -والظاهر أنه الموفق ابن قدامة- قال: سمعنا درس ابن أبي عصرون مع أخي أبي عمر، فانقطعنا عنه. فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد، فقال: لمن قطعتم عني؟ قلت: إن ناسًا يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا بأشعري». هذا معنى الحكاية. والشاهد منه أن الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- وأخاه ترك مجلس ذلك العالم حينما بلغهما أنه أشعري. ففيه أن الشيخ إذا كان مبتدعًا، ولو كان عنده من العلم ما كان، ما دام أنه مبتدعًا ففر بدينك منه، واحذر أن تخالطه وأن تجالسه؛ فيكون سببًا لوقوعك في البدعة -شعرت أم لم تشعر- أو أقل شيء أن يكون سببًا لضعف البراءة من المبتدعة والبعد عن المبتدعة والتحذير من المبتدعة أيضًا -شعرت أم لم تشعر-. وأيضًا مفسدة ثالثة: أنك لو كنت وقلت: أنا على حذر تام، والحمد لله عندي إيمان بالله جل وعلا يمنعني من الشبهات، وعندي علم -بحمد الله- بمسائل العقائد -بحمد الله- تمنعني من الشبهات، لو فرض أنك سلمت من الأمر الأول والأمر الثاني، فإن جلوسك -أيها السني- عند هذا المبتدع يكون سببًا للإضرار بغيرك ممن هو ليس مثلك في العلم والإيمان، فلا تكون سببًا لفتنة غيرك -شعرت أم لم تشعر-. وسأتي لهذا مزيد بإذن الله جل وعلا. نكتفي بهذا القدر. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.