كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها

حكم دم الاستحاضة ونواقض الوضوء

يتناول حكم دم الاستحاضة وكونه ناقضًا للوضوء، حيث وقع خلاف بين العلماء في ذلك. واستدل الجمهور بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش.

خروج الدم والدود والحصى من السبيلين

تناول حكم خروج دم الاستحاضة وخلص إلى أنها ليست ناقضة للوضوء، كما ناقش حكم خروج الدود والحصى والشعر والدم من القبل أو الدبر.

نواقض الوضوء وحالات خاصة وتفاصيل فقهية

تناول آراء الفقهاء في نواقض الوضوء مثل خروج الحصى أو الدود، وخروج الريح من القبل، والجشاء، واستعرض الأدلة والخلافات بين المذاهب الفقهية.

حكم الوضوء من الجشاء وتوضيح الإجماع

أجمع العلماء على أن الجشاء لا يؤثر على الوضوء، وهذا إجماع بين العلماء كما ذكر ابن المنذر رحمه الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، طيب، ندخل في المسائل، نذكر مسائل أخرى بإذن الله عز وجل. طيب، دم الاستحاضة، حكم دم الاستحاضة. وقع خلاف بين العلماء في كونه ناقضًا من نواقض الوضوء أو لا. فذهب الجمهور، وهي رواية عن إمام مالك رحمه الله تعالى، إلى أنه ناقض من نواقض الوضوء. واستدلوا بحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، ﴿فكانت تستحاض﴾ رضي الله عنها وأرضاها، ﴿فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم وتوضئي لكل صلاة﴾ الحديث متفق عليه. وهذه اللفظة تفرد بها البخاري. وخالف نحو من أربعة عشر راويًا من الرواة فلم يذكروها، منهم الإمام مالك ويحيى القطان وسفيان بن عيينة والليث بن سعد وغيرهم رحمهم الله تعالى. لذا حكم على هذه الزيادة غير واحد من العلماء بالشذوذ، وهو كما قال، أي أن هذه الزيادة من قسم الحديث الضعيف. وكذلك استدل هؤلاء على قاعدتهم بأنه خرج من أحد السبيلين، والخارج من أحد السبيلين عندهم كقاعدة عامة: ما خرج من السبيلين أو من أحدهما فهو ناقض من نواقض الوضوء. وهذا الأخير محل بحث، أي هذه القاعدة المذكورة. ليس على إطلاقه، بل وقع الخلاف في ذلك بين العلماء. فالجمهور ذهبوا إلى هذه القاعدة، وخالفهم غيرهم، خالفهم الإمام مالك رحمه الله تعالى وغيره في هذه القاعدة. وسبب الاختلاف في ذلك أنهم رأوا أن الشرع رتب حكم النقض على ما خرج من أحد السبيلين، مثل الغائط، مثل البول، مثل المني، الودي والفساء والضراط. قالوا: فكون الشارع رتب على ما خرج من السبيلين أو من أحدهما النقض، فما لم يذكره الشارع يلتحق بما ذكره الشارع، فيكون ما خرج من السبيلين سببًا لنقض الوضوء. ووضح هذا الأمر. استدلوا كما سمعتم بالأدلة الكثيرة الدالة على أفراد من المسائل التي تدل على أن من حصل منهم شيء من ذلك فإن وضوءه يكون منتقضًا. كما مر معنا في البول والغائط والفساء والضراط وما شابه ذلك. قالوا: وكذلك يلتحق به ما خرج من أحد السبيلين. ثم اختلف القائلون بهذه القاعدة على قولين في تعليل السبب من ذلك. فمن قائل أن السبب في ذلك المخرج، أي المخرج الذي هو الدبر أو القبل، فما خرج من القبل أو الدبر من غائط أو بول أو دم أو دود أو حصى أو ما شابه ذلك، فهو ناقض من نواقض الوضوء. لأنه خرج من أحد السبيلين. وهذا قول حنفية، هذا قول أبي حنيفة. وأما الشافعي رحمه الله تعالى، فقال: العبرة بالخارج لا بالمخرج. ذهب كما سمعتم إلى أن العبرة بما خرج، لا بمخرجه. أبي حنيفة يقول: إذا خرج مثلًا الحجارة أو خرج الدود، فهو ناقض. لأنه خارج، لأن هذا الخارج خرج من أحد السبيلين، لا بسبب المخرج. فعندنا مخرج وعندنا خارج. المخرج: القبل أو الدبر. والخارج: هو الشيء الذي يخرج من القبل أو من الدبر، البول، الدم، الدود، الحصى، وما شبه ذلك. ثم سئلوا عن الأحاديث التي جاءت فيها تنصيص، قالوا: هذه وإن كانت خاصة إلا أنها أريد بها العموم. مثل حديث «صفوان بن عسال رضي الله عنه وأرضاه في شأن الخطين قال: إلا من جنبه ولكن من بول أو غائط أو نوم». جاء الحديث مخصوصًا بهذه الثلاثة. قال هؤلاء: ليس المراد هذه الأشياء الثلاثة فقط، بل هو خاص أريد به العموم. وأما مالك رحمه الله تعالى، فقال: إن الحديث الذي جاء في ذلك هو خاصة، فتبقى على خصوصيتها، فلا تتعدى الحكم إلى الحكم العام. يقول: جاءت في هذه الثلاثة الأمور. ووقفنا على الثلاثة الأمور. جاءت أحاديث أخرى تدل على أزيد من هذا. أخذنا بالزيادة لا من هذا الحديث، ولكن من أحاديث أخرى. فكان هذا الحديث دل على شيء، والأحاديث الأخرى دلت على أشياء أزيد من ذلك الشيء. فكان الدليل الخارجي دل على حكم آخر لم تدل عليه الأدلة الأخرى، فيأخذ بما زاد. فاقتصر الإمام مالك رحمه الله تعالى على ما ثبت به الدليل في النواقض. لذا لم يلحق شيئًا من الأشياء التي لم يأتي بها الدليل بالأشياء التي جاء بها الدليل كما فعل الجمهور. لذا ذهب مالك رحمه الله تعالى، وكذا شيخه من قبله، شيخه ربيعة، وأيضًا عكرمة وأيوب وطائفة، إلى أن الاستحاضة ليست ناقضة من نواقض الوضوء. قال: لأنها نادرة، فيأخذ حكم النادر. والطهارة ثبتت بيقين، فلا تزول إلا بيقين. الطهارة ثبتت بيقين، فلا تزول إلا بيقين، فلا تزول بشيء محتمل. فكما سمعتم، المسألة على قولين: القول الأول قول الجمهور، إلى أن الاستحاضة ناقض. والقول الثاني قول ربيعة ومالك وقبلهما عكرمة وكذا أيوب السختياني وطائفة من أهل العلم، إلى أن الاستحاضة ليست بناقض من نواقض الوضوء. وهذا القول هو الأقرب في المسألة. والاستحاضة دم طبيعي يخرج من المرأة لمرض أو لعاهة أو لشيء من الأمور. أما الحيض فهو دم ذو أوصاف معروفة يخرج من المرأة في فترات معلومة. وسينعقد الكلام على ذلك في بابه. فالاستحاضة نحن ما عرفنا أنها هي دم يخرج من فرج المرأة لأمر من الأمور، لمرض أو لإصابة أو لداء في رحم المرأة. فحكمها أنها ليست بناقض. إذا استحاضت المرأة، فهل ينتقض و. الجواب: أنه لا ينتقض وضوءها. أولًا لعدم وجود الدليل الثابت يدل على أن وضوءها انتقض بذلك. الأمر الثاني: أن الوضوء ثبت بيقين، وما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين. الوضوء ثبت بيقين، فهي باقية على الطهارة. كما يدل عليه حديث الباب، حيث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». فإذا كان متوضئًا، فلا ينتقض وضوءه إلا بحدث معتبر، دل عليه الدليل. والاستحاضة لم يدل عليها الدليل، إنما هو قياس وإلحاق لها بغيرها من الخارج من السبيلين. لذا قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «والنظر دال على ما قاله ربيعة». إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه. قلت: النظر يدل عليه، ويقوي قول من يقوي قول ربيعة على قول الجمهور. مع أن ابن المنذر يقول بقول الجمهور، إلا أنه ما أخذ بقول ربيعة لأنه يرى أنه ما علم أن ربيعة قد قال بقوله أحد. قال: وإنما قلت: النظر يدل عليه. لأنه لا فرق بين الذي يخرج من المستحاض قبل الوضوء، والذي يخرج في أثناء الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء. يعني يقول: لا فرق بين إذا كان مستحاضة دم يخرج منها باستمرار. فلو أنها توضأت والدم يخرج، ما حكمها الآن؟ هل ينتقض وضوءها؟ قال: يقول: ما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه، لا ينقض طهارة. أي لا ينقض طهارة عند القائلين بأنه ناقض. قال: وكذلك ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة، لا تنتقض منه طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة. وخلاصة قول ابن المنذر رحمه الله تعالى: أنه قال: القائلون بأن دم الاستحاضة ناقض، يقولون: إنه ناقض قبل الوضوء وبعده. لكن بعد الوضوء أو في أثناء الوضوء، بمعنى أن المرأة إذا شرعت في الوضوء، وغسلت يديها وغسلت وجهها، ثم خرج الدم، هل ينتقض وضوءها بهذه الحال؟ قال: لا. فإذا كان كذلك، أيضًا المرأة توضأت، ثم خرج منها الدم قبل أن تصلي، يقولون أيضًا: تصلي ولا تعيد الوضوء. قال: ما كان ليس بناقض بعد الوضوء، يجب أن يكون كذلك ليس بناقض قبل الوضوء. فالنظر يدل على ما ذهب إليه ربيعة وغيره رحمهم الله تعالى في هذه المسألة. فالحاصل من هذا: أن الاستحاضة ليست من نواقض الوضوء لما تقدم. والله أعلم. طيب، المسألة الأخرى: هل خروج الدود والحصى والشعر والدم من القبل أو الدبر ينقض الوضوء؟ لكن الدم من القبل، ليس الاستحاضة. مثل ما يحصل لبعض الناس من بعض الأمراض، فهل ينقض الوضوء أم لا؟ المسألة: هل خروج الدود والحصى والشعر والدم من القبل أو الدبر ناقض من نواقض الوضوء أم لا؟ وقع فيه الخلاف بين العلماء. فذهب الجمهور إلى أنها من نواقض الوضوء، على القاعدة: أن ما خرج من السبيلين فهو ناقض من نواقض الوضوء. وذهب الإمام النخعي، والقول الثاني قول النخعي وحماد أبي سليمان وقتادة ومالك، ذهب هؤلاء إلى أنها لا تنقض الوضوء. واستدل هؤلاء أيضًا بدليلهم السابق: عدم وجود الدليل، وما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين. القول الثالث: تفصيل، وهو أن هذه الأشياء أو أحدها إذا خرج مع ندوة من غائط أو بول، أي رطوبة غائط أو بول، أو في أثر الغائط أو البول، فهو ناقض. لأن قليل الغائط والبول ناقضان، كما أن كثيرهما ناقضان. وإن خرجت هذه الأشياء أو أحدها جافة، فليس فيها نقض للوضوء. وإلى هذا القول ذكره ابن المنذر رحمه الله تعالى، وهو الأقرب في المسألة. وهو مجموع قول الفريقين. الفريقان يتفقان على الصورة الأولى، وإن كان يختلفان في الصورة الثانية. فإذا خرج معه شيء من أثر البول أو أثر الغائط، فيكون الناقض من نواقض الوضوء، لا لأنه حصى أو دود أو ما شابه ذلك، لا لأنه خرج معه شيء من البول أو شيء من الغائط. طيب، مسألة ثالثة: من خرج منه الغائط أو البول من غير المخرج المعتاد، فهل ينتقض وضوءه؟ وهذا يحصل في بعض الناس، عافانا الله وإياه. تحصل له بعض الأمراض، فيضطر الأطباء إلى فتح فتحة في المعدة أو في المثانة أو ما شابه ذلك، وإخراج البول أو الغائط من تلك الفتحة. فما حكم هذا الخارج؟ هل يكون ناقضًا من نواقض الوضوء أو لا يكون ناقضًا من نواقض الوضوء؟ طيب، في المسألة خلاف. فذهب جمهور الشافعية، وهو قول كذلك بعض الحنابلة، إلى التفصيل. فقالوا: إن كان المخرج من فوق المعدة، فهو كالقيء. وإن كان تحتها، فهو كالغائط. والضابط فيه: أعلى المعدة وأسفلها، كما ذكر الإمام النووي: السرة. فما كان أعلى من السرة، يسمى أعلى المعدة. وما كان أسفل من السرة، يسمى أسفل المعدة. وما كان في السرة، فما حكمه؟ قالوا: أيضًا يأخذ حكم الأعلى. والقول الآخر: أنها تنقض الوضوء مطلقًا، ما دام أنه غائط أو بول. لأن الشرع أعلق الحكم بهما، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهذا قول الحنابلة، وذهب إليه بعض الشافعية، وهو الراجح وهو الراجح في المسألة. سواء كان عملوا له مخرجًا من أعلى المعدة أو من أسفل المعدة، ما دام أن الخارج هو الغائط أو ما دام أن الخارج هو البول، فحكمه حكم خروج الغائط أو البول من المخرج. لأن العبرة بكونه غائطًا أو بولًا. لأن الشرع أعلق الحكم بالغائط أو البول. طيب، مسألة أخرى: هل خروج الريح من القبل ينقض الوضوء؟ الريح يخرج من القبل، ينقض أم لا؟ ذكر العلماء رحمه الله تعالى أن هذا الأمر، وهو خروج الريح من القبل، لا يتصور في الرجل، وإن وجد فهو نادر. ولكنه يحصل للمرأة. فهل هذا الريح الذي يخرج من القبل ناقض من نواقض الوضوء أم لا؟ الجواب: وقع فيه خلاف بين أهل العلم. فذهب أحمد والشافعي وغيرهما إلى أنه ناقض، وهذا أيضًا قد يكون قول جمهور على القاعدة السابقة. وذهب مالك إلى أنه ليس بناقض. والراجح: الثاني، لما تقدم، وأيضًا لأن المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف حتى يلحق بالفساء. واضح الأمر؟ الدليل: عدم الدليل على ما مر معنا. وأيضًا ما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين. وأمر ثالث: أن المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف، حتى يقال: إن حكم الخارج حكم الريح الخارج من القبل كحكم الخارج من الدبر. طيب، مسألة أخرى: رجل قطر في إحليله دهنًا، أي في ذكره، بهن أو دواء أو ما شابه ذلك، ثم عاد فخرج، فهل ينقض ذلك الوضوء أم لا؟ الجواب: أنه ينقض الوضوء. لأن مثل هذا لا يخرج إلا مع ناقضه، سواء كان بولًا أو غائطًا. ولو احتشى قطنًا، أي عمل قطنًا، سواء كان في قبله أو في دبره، لأمر أو لآخر، ثم نزع ذلك القطن، هل ينتقض وضوءه؟ الجواب: في التفصيل السابق في الحجارة والدود نحوها. مسألة أخيرة: هل الجشاء ينقض الوضوء أم لا؟ تعرفون الجشاء؟ الجشاء: الذي يخرج من الفم. رجل يتجشأ، يعني الهواء أو الريح الذي يخرج من الفم، هل ينقض الوضوء أم لا؟ أجمع العلماء على أن الجشاء لا وضوء فيه. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أجمع العلماء على أن الجشاء لا وضوء فيه». والله أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على