الدرس في كتاب الطهارة 19، ألقاها
يشرح المقطع الأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك بسواك رطب ويتناول مسائل فقهية متعلقة بالسواك. يتم التركيز على مشروعية السواك للسان وليس فقط للأسنان وأحكام متعلقة باتجاهه ويد الاستياك به.
يتناول المقطع تفاصيل فقهية حول مسألة المسح على الخفين ويستشهد بأحاديث نبوية عن الصحابة. يشير إلى إجماع أهل العلم على جواز المسح واختلاف أهل البدعة معهم.
يتناول المقطع آراء العلماء المختلفة حول أفضلية المسح على الخفين أو غسل الرجلين. يشير إلى اختلاف الآراء واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية للتفصيل في هذه المسألة.
يشير المقطع الأخير إلى مسائل أخرى متعلقة بمسح الخفين ستتم مناقشتها في الدرس القادم. يختتم بالدعاء والاستغفار.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك بسواك رطب، قال: وطرف السواك على لسانه وهو يقول: «أع أع» والسواك في فيه كأنه يتهوع. قوله: «أع أع» بضم الهمزة وسكون المهملة، حكاية الصوت المتقي، أصلها «هع» فأبدلت الهاء همزة. ومعنى قوله: «يتهوع» أن يتقيأ بصوت. وقوله: «وطرف السواك على لسانه» قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولًا. فالحديث استفاد منه أن السواك ليس مقصورًا على الأسنان فحسب، بل يكون كذلك للسان. بمعنى أن الإنسان يطهر أو يسوك لسانه، فيذهب به أثر الفضلات وما شابه ذلك، كما دل عليه هذا الحديث. وكما ذكر الحافظ: يستحب أن يكون التسوك في اللسان طولًا، ولا يكون عرضًا؛ لأنه قال: «وطرف السواك على لسانه»، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل السواك إلى طرف اللسان. ثم ذكر مسائل في السواك، منها: أيهما أفضل الاستياك عرضًا أم طولًا؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن الاستياك طولًا أفضل، والثاني: أن الاستياك عرضًا أفضل، والثالث: أنهما سيان. وهذا هو الأقرب؛ لأن الأمر يحتاج إلى دليل. ومن استدل بأن لفظ «الشوص» معناه أنه يستاك عرضًا، رد بأن بعض اللغة قال: معناه أنه يستاك طولًا. فإذا كان لفظ «الشوص» يطلق على الطول وعلى العرض، فالأمر يدل على جواز الأمرين، وأنهما سيان. أي سواء استاك من أعلى إلى أسفل، أي طولًا، أو من اليمين إلى الشمال، ولكن العبرة بأن يكون هناك تنظيف، وأن لا يؤذي أسنانه. مسألة أخرى: بأي اليدين يستحب السواك؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن اليسرى أفضل؛ لأنه من باب إماطة الأذى. وذهب آخرون إلى أنه يكون باليمنى؛ لأنه من باب التعبد والتكريم. وبعض أهل العلم ذهب إلى التفصيل، فقال: إن استخدمه لأجل التنظيف والتطهير، فيستخدم اليسرى، وإن استخدمه للتعبد، يستخدم اليمنى. وهذا تفصيل حسن. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب «العمدة» في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين. ومعناه: باب ذكر أدلة شرعية ذلك. والخف: نعل من أدم يغطي الكعبين. والجرموق: خف كبير. والجورب: فوق الجرموق، يغطي الكعبين بعض التغطية. ذكر رحمه الله تعالى أحاديث في باب مسح على الخفين، منها: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين»، فمسح عليهما. قوله: «عن المغيرة بن شعبة» هو أحد الصحابة المعروفين رضي الله عنه وأرضاه. قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه»، أي: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فلما بلغ غسل الرجلين، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم لابس الخفين. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين»، أي: أدخلت القدمين في الخفين حال كونهما طاهرتين. قال: «فمسح عليهما»، وهو الشاهد من الحديث. والحديث الثاني: حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فبال وتوضأ ومسح على خفيه. قال: والشاهد منه واضح: «توضأ ومسح على خفيه». ثم ذكر مسائل في هذا الباب، منها: جواز المسح على الخفين. قال ابن المنذر رحمه الله: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على القول به. وقال النووي رحمه الله تعالى: وأما ما روي عن علي بن أبي طالب وعائشة من كراهة المسح، فليس بثابت. وقال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى: بعد أن نقل اتفاق أهل العلم على جواز المسح، وبين أن هذه المسألة من المسائل العظام، ومن الفروق بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة؛ فإن أهل البدع لا يرون المسح على الخفين. مسألة أخرى: حكم المسح على الخفين في السفر والحضر. ذكر بعضهم بخلاف في المسألة. القول الأول: مذهب عامة أهل العلم، وهو جواز ذلك مطلقًا، أي: المسح على الخفين سفرًا وحضرًا. القول الثاني: رواية عن مالك، قال فيها بكراهيته في الحضر دون السفر. ورواية ثالثة أيضًا عن مالك: إنكار مسح مطلقًا. وهذه الرواية كما مر معنا، استنكرها أصحابه. مسألة ثالثة: أيهما أفضل غسل الرجلين أو مسح الخفين؟ يعني: رجل كان يلبس الخفين على طهارة، هل يستحب له أن يمسح عليهما أو يستحب له أن يخلع الخفين ويغسل القدمين؟ في مسألة خلاف. فذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب من الصحابة إلى أن الغسل أفضل. وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة، ورواية عن أحمد. واستدلوا بأن الغسل هو المنصوص عليه في القرآن، وهو الذي كان يداوم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالوا: إن مسح الخفين إنما هو رخصة. القول الثاني: ذهب إليه الشعب والحكم وأحمد في رواية وإسحاق، وطائفة إلى أفضلية مسح الخفين؛ لأنها سنة أنكرها أهل البدع، فينبغي إظهارها ونشرها. وأيضًا قالوا: لأنها رخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. القول الثالث: ذهب بعض أهل العلم إلى أنهما سواء، أي: لا فضل للغسل على المسح. وهذه رواية عن أحمد. القول الرابع: التفصيل، فقالوا: إن كان لابسًا للخف، فالأفضل في حقه المسح. وإن لم يكن لابسًا لهما، فالأفضل في حقه الغسل. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره. وهذا القول هو الأقرب؛ لأنه تجتمع الأدلة، ولا يكون فيه تكلف. مسألة الرابعة: شروط المسح على الخفين. الأول: أن تكون الخفان ساترتين لمحل الفرض من الرجل بالجملة، وهو الكعبين. وأن تكون الخفان ساترتين وإن كانت فيهما خروق، ما لم تسلب الخفين حقيقتهما. الثاني: أن تلبس على طهارة، والمراد بالطهارة طهارة ماء لا تيمم ونحوه. الثالث: أن يمسح عليهما في زمن المسح المحدود، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام وليالهن. الرابع: أن تمسحا من الحدث الأصغر، أما الأكبر فلابد من نزعهما. الخامس: أن تكون الخفان طاهرتين، فإن كان فيها نجاسة، فالواجب إزالة النجاسة وإلا خلعهما. وسيأتي معنا كذلك بعض المسائل الأخرى إن شاء الله تعالى متعلقة بمسائل مسح الخفين بإذن الله عز وجل في الدرس القادم. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.