الدرس في كتاب الصلاة 36، ألقاها
تناولت المقاطع حكم تكبيرة الإحرام لمن أدرك الإمام راكعًا، وخلصت إلى أن التكبيرة الواحدة تكفي. كما ناقشت حكم تكبيرة الانتقال للمأموم وخلصت إلى عدم وجوبها.
ناقشت المقاطع آراء الفقهاء حول قول 'سمع الله لمن حمده' و 'ربنا ولك الحمد' بعد الركوع، وخلصت إلى أن الراجح هو عدم قول المأموم للتسميع وأن الإمام يقول كلا العبارتين.
أوضحت المقاطع كيفية الاقتداء بالنبي في الصلاة، خاصة بعد الركوع، حيث كان يقول "اللهم ربنا ولك الحمد" بعد "سمع الله لمن حمده".
طيب، مسائل التي ما أخذناها بعد. طيب، مسألة السادسة من مسائل من أدرك الإمام راكعًا. من أدرك الإمام راكعًا، أجزأه أن يكبر تكبيرة واحدة للإحرام على الصحيح، وبهذا قال النخع وعروة وعطاء والحسن وقتادة والحكم وميمون، إلا أنهم يستحبون أن يكبر تكبيرتين، واحدة للإحرام والثانية للركوع. وإن كبر واحدة لافتتاح الصلاة أجزأه من الركعة. وعلى هذا مذهب الفقهاء بالحجاز والعراق والشام. وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح إلى سالم، عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، ما قال: «إذا أدرك القوم الإمام راكعًا، فإنه يجزئه تكبيرة واحدة». وقال ابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان: «لا يجزئه حتى يكبر تكبيرتين، واحدة يفتتح بها، وثانية يركع بها». المسألة جماعًا: من أدرك الإمام وهو راكع، هل تجزئه تكبيرة واحدة؟ يكبر ثم على طول يتابع الإمام وهو راكع، أم أنه يكبر تكبيرة أولى وهو قائم، ثم يكبر تكبيرة ثانية للركوع، تكبيرة الانتقال؟ قلنا: في المسألة خلاف. ذهب أكثر العلماء إلى أنه يجزئه التكبيرة الواحدة، وإن كبر تكبيرتين فهو أفضل وهو مستحب. وذهب بعضهم إلى أنه لا يجزئه إلا أن يكبر تكبيرتين. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في الاستذكار: «والقول الأول أصح من جهة الأثر والنظر». قال: «لأن التكبير لما عدا الإحرام مسنون، يستحب. قد أجمعوا أنه لا يضر سقوط التكبيرة للركوع». هذا تعليل. هذا قول مالك، وتوافقنا وتخالفونا على ما تقدم معكم. لأن الصواب أصح الأقوال من أهل العلم: أن التكبيرات في الانتقال واجبة، وليست مستحبة. تقدمت معنا في المسألة أم لا؟ تقدمت معنا، فالصريح أنها واجبة. فتعليله بأن تكبيرات لما عدا الإحرام مسنون، يستحب، ليس بصحيح. بل نص غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام أحمد وإسحاق: أن من ترك ذلك عمدًا فإن صلاته تبطل، وإن فعلها سهوًا فإنه يتممها بالسهو. فأرى من هذا أن هذا التعليل ليس بصواب. وأما من حيث الترجيح، فالترجيح صواب، وهو أن القول الأول هو الصواب. ولكن يقال: والصواب في التعليل أن يحمل على أحد احتمالين، أو قل: ثلاثة، على واحد من ثلاثة احتمالات. الأول: أن تكبيرة الانتقال دخلت في تكبيرة الإحرام، فأجزأت عنها. واضح هذا. دخلت فيها فأجزأت عنها، فما يحتاج أن يكبر مرتين. الثاني: أن يقال: إن من أدرك الإمام راكعًا سقط عنه تكبيرة الانتقال، كما سقط عنه القيام والقراءة. هذا في حالة مخصوصة. إذا أدرك الإمام قائمًا، نقول له: واجب عليك أن تأتي بالتكبير للانتقال. أما إذا أدرك الإمام راكعًا، فإنه يجزئه التكبيرة الواحدة، التي هي تكبيرة افتتاح الصلاة، وبها يدخل مع الإمام على هيئته. فتكون في هذه الحالة هذه التكبيرة سقطت، كما سقطت القراءة والقيام لمن أدرك الإمام وهو راكع. واحتمال ثالث: وهو أن يقال: إن تكبيرة الانتقال في هذه الحال تكون مستحبة، ولا تكون واجبة، بمعنى أن من أتى بها أجر، ومن لم يأت بها فلا شيء عليه. فالراجح من هذه الأقوال: أنه يجزئهم هذه التكبيرة لهذا المقام. طيب، أمر أو مسألة المسألة التي تليها: من أدرك الإمام في غير ركوع، ساجدًا أو قاعدًا مثلًا، فهل يكبر للانتقال؟ واضح يا جماعة: من أدرك الإمام راكعًا، عرفنا الحكم: أنه يجزئه تكبيرة واحدة، وإن كبر مرتين فالأمر واسع، وهو مستحب. وهو كما يقول أيضًا: قد يقال: إنه مستحب، وخرجًا من الخلاف، إن كبر الإنسان تكبيرتين فهو ماذا؟ يخرج من الخلاف. المسألة الأصل. طيب، من أدرك الإمام وهو ساجد مثلًا، أو أدركه قاعدًا، هل يجب عليه مع تكبيرة الإحرام أيضًا تكبيرة أخرى، التي هي تكبيرة الانتقال أم لا؟ أيضًا في المسألة خلاف، على قولين. القول الأول: أنه ينحط بلا تكبير، أي: لا يكبر تكبيرة الانتقال، ويجزئه تكبيرة الإحرام. طيب، الأمر الثاني، أو القول الثاني: أنه لا بد أن يأتي بتكبيرة الانتقال. الذين قالوا: ينحط بتكبير، أي: لابد أن يكبر، عللوا ذلك بأن قالوا: هذا كما لو أدرك الركوع. وإذا أدرك الركوع يكبر مرة للإحرام، ومرة للركوع، فكذلك إذا أدركته جالسًا أو ساجدًا. والذين قالوا: ينحط بلا تكبير، قالوا: لأن انتقالك من القيام إلى الركوع، انتقال من ركن إلى الذي يليه، فهو انتقال في موضعه. بخلاف من القيام إلى السجود، هل أتيت أو انتقلت من الركن إلى الذي يليه؟ أم انتقلت من الركن إلى الذي لا يليه؟ من أدرك الإمام وهو ساجد، وهو ساجد، هل يكون انتقل من الركن الذي هو عليه إلى الركن الذي يليه، أو إلى الركن الذي لا يليه؟ الركن القيام، كبر وقائم. بعد القيام، أيش الركن؟ يكون الركوع. طيب، الآن من أدرك الإمام وهو ساجد، هل الركن الذي يليه القيام، الركوع أم السجود؟ الذين يقولون: يجوز التكبير في الركوع، أو يجب التكبير في الركوع، فيقولون: لا يجوز التكبير في السجود. لماذا؟ قالوا: لأن التكبير في الركوع تكبير من الركن إلى الركن الذي يليه. أما التكبير للسجود، أو القيام للسجود، أو الإمام قاعد، فإنه تكبير من قيام إلى الركن الذي لا يليه، وهو السجود أو القعود. قالوا: فهذا لا يحتاج إلى أن يكبر للانتقال؛ لأنه من الركن إلى الركن الذي يليه. وتكبيرة الإحرام لأجل ماذا؟ لأجل انتقال من الركن إلى الركن الذي يليه. فلذا قالوا: لا تشرع التكبير بهذا المعنى. وهذا القول على فرض ماذا؟ على القول بأن التكبير يكون ماذا؟ تكبيرتين: تكبيرة الإحرام وتكبيرة الانتقال. أما الذين يقولون: تكبيرة واحدة تجزئ للركوع، فالأمر عندهم واسع، ما في إشكال. طيب، ما هو القول الراجح في هذا؟ القول الراجح هو القول بعدم وجوب تكبيرة الانتقال. فإن كبره فلا شيء عليه. أي: يقول: إن أكبر من القيام إلى السجود مثلًا، أدرك الإمام وهو ساجد، يكبر «الله أكبر» تكبيرة إحرام، ثم يكبر تكبيرة ثانية «الله أكبر». من حيث الجواز، فله أن يفعل. ومن حيث الوجوب، ليس من الواجبات. هذه المسألة الأخيرة. والأفضلية: لا يكبر؛ لأن انتقال من ركن إلى ركن لا يليه. الثامنة: من رفع من الركوع. من رفع من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده». هكذا. من رفع من الركوع، ماذا يقول؟ «سمع الله لمن حمده»، إن كان منفردًا أو كان إمامًا. وهل يقوله إن كان مأمومًا؟ في خلاف. «سمع الله لمن حمده»، إن كان منفردًا صلى منفردًا، عليك أن تقول إذا رفعت من الركوع: «سمع الله لمن حمده». لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». طيب، من صلى مأمومًا خلف إمام، فقال الإمام: «سمع الله لمن حمده»، فهل المأموم كذلك يقول: «سمع الله لمن حمده» ويرفع رأسه؟ أم أنه يكتفي بقول إمامه؟ في المسألة قولان. الأول: ذهب إليه عطاء، وأبو بردة، وابن سيرين، والشافعي. ذهب هؤلاء إلى أن المأموم يقوله. مستدلين بحديث أبي جحيفة: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع قال ماذا؟ «سمع الله لمن حمده»، كما جاء في حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه الآن. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي». هذا الاستدلال. وذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، إلى أنه لا يقوله. وروي هذا القول عن أبي مسعود، وأبي هريرة، والشعب، وغيرهم. واستدلوا بظاهر حديث أبي هريرة في البخاري. وفيه قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد». فهذا يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الإمام والمأموم في هذه الصفة، فجعل قول «سمع الله لمن حمده» خاصًا بالإمام. إذا قال الإمام: «سمع الله لمن حمده»، فماذا؟ فقولوا: «ربنا ولك الحمد». ما قال: فقولوا: «سمع الله لمن حمده». «ربنا ولك الحمد». هذا القول هو الراجح؛ لهذا الحديث. وهو واضح بين في أنه فرق بين الإمام والمأموم. طيب، مسألة أخرى، وبها نختم هذا الدرس إن شاء الله تعالى. إذا انتصب المنفرد أو المأموم من ركوعه قائمًا، قال: «ربنا ولك الحمد» أو «اللهم ربنا ولك الحمد»، فهل يجمع الإمام كذلك بين التسميع والتحميد؟ المنفرد والمأموم إذا رفعوا رؤوسهم، وقالوا بعد «سمع الله لمن حمده»: «ربنا ولك الحمد» أو «اللهم ربنا ولك الحمد». فهل يقول كذلك الإمام أم لا يقول؟ أي: الإمام إذا رفع رأسه، وقال: «سمع الله لمن حمده»، يقول: «ربنا ولك الحمد» مثل المأمومين؟ أم أن هذا خاص بالمأمومين دون الإمام؟ فيه خلاف. فذهب الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، إلى أن الإمام يقوله كما يقوله المأموم. ورؤية هذا القول عن أبي هريرة رضي الله عنه. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد». حديث الباب. النبي صلى الله عليه وسلم هو إمام، كان إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قال ماذا؟ «اللهم ربنا ولك الحمد». عملًا. فهذا نص في المسألة. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الإمام يقتصر على التسميع، أي: يقول: «سمع الله لمن حمده»، والمأموم على التحميد، أن يقول: «ربنا ولك الحمد». واستدلوا أيضًا بظاهر حديث أبي هريرة في المسألة السابقة. أشد الحديث أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد». فكأنهم يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الإمام والمأموم، فقال للإمام أنه يقول ماذا؟ سمع الله لمن حمده. وفي المأموم أنه يقول ماذا؟ «اللهم ربنا ولك الحمد». دليل قوي، أو ضعيف؟ حيث في البخاري، دليل واضح. فما هو الراجح؟ الراجح القول الأول. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام، كان إذا قال: «سمع الله لمن حمده»، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد». وصلوا كما رأيتموني أصلي. إلهنا سبحانك، اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.