الدرس في كتاب الصلاة 20، ألقاها
تناول حكم تسوية الصفوف في الصلاة، حيث ناقش قولين حول كونها سنة أو واجبة مستندًا إلى أحاديث نبوية وآراء أئمة. أيد الرأي القائل بوجوبها بأدلة شرعية.
يشرح أهمية تسوية الصفوف ووجوبها، ويفرق بين الواجب للصلاة والواجب في الصلاة، ويبين تفاصيل تسوية الصفوف مثل المحاذاة بين المناكب والأعناق والأقدام والتراص في الصف.
يؤكد على أهمية تراص الصفوف وتسويتها مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة، ويشدد على إكمال الصفوف الأولى وتقريبها من الإمام. كما يناقش تأثير الفواصل الكبيرة بين المصلين على صحة الجماعة.
طيب تقدمت معنا في الدرس الماضي جملة من الأحاديث في تسوية الصفوف، من أحاديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، ومن أحاديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه. فيما تقدم جملة من المسائل، من هذه المسائل حكم تسوية الصفوف، في المسألة قولان. القول الأول: أن تسوية الصفوف سنة مستحبة، سنة مؤكدة مستحبة، وهذا قول الجمهور، وحكاه بعضهم إجماعًا، وفيه نظر. القول الثاني: ذهب إليه جماعة من أهل العلم، وهو القول بوجوب تسوية الصفوف. وممن ذهب إلى هذا القول الإمام البخاري في الصحيح، حيث بوّب، قال: باب إثم من لم يقم الصف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكذا هو قول ابن حزم الظاهري، بل بالغ ابن حزم فقال: إنه فرض من فرائض الصلاة. وسعة البحث في هذه المسألة إن شاء الله. وممن ذهب إلى الوجوب أيضًا من المحققين أيضًا الحافظ ابن رجب، والحافظ ابن حجر، والصنعاني، والشوكاني، وأئمة العصر الأربعة، أي الشيخ محمد بن إبراهيم، والألباني، والعثيمين، والوادعي رحمه الله جميعًا. وهو الصحيح، وهو الصحيح لظواهر الأدلة الماضية الدالة على ذلك، منها ما تقدم في قوله: «سووا صفوفكم»، والامر يقتضي الوجوب. وأيضًا منها حديث النعمان بن بشير، وهو أظهر وأجري في هذا الأمر: «لتسومن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وهذا كما قال جماعة من أهل العلم: نص في التحريم. إذ إن التخليف -قالوا- إما أن يكون المراد بالتخليف على ما تقدم أن يولي كل واحد وجهه، ويكون لكل واحد رأي يخالف الرأي الآخر، فيكون سببًا للتفرق وللتشردم. وقد يكون التخليف حقيقيًا، قد يكون حقيقيًا بأن يمسخ الله عز وجل وجهه إلى وجه آخر، كما جاء في الحديث الذي في الصحيحين: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار». قالوا: فيمكن أن يكون التخليف والاختلاف يكون سببًا لأن يمسخ الله عز وجل الوجوه إلى وجوه أخرى، ويحتمل أن يحول الله عز وجل رأس الإنسان إلى قفاه، ويحتمل غير ذلك. فقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ولا مانع من حملها على هذه المعاني، ولا مانع من حملها على هذه المعاني، أي على حقيقتها وعلى معناها المعنوي التفرق. أما أن يكون بالمعنى كما تقدم معنى في الدرس السابق، وقد يكون حقيقيًا كما ذكرنا الآن، وكلها تدل على حرمة الاختلاف وعدم تسوية الصفوف، على حرمة الاختلاف في تسوية الصفوف، ووجوب تسوية الصفوف. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أي مستدلًا على هذه المسألة، قال: «لأنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا باديًا صدره، فقال: لتسومن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وقال عليه السلام: «سووا صفوفكم، فإن تسويتها من تمام الصلاة». قال البعلي رحمه الله تعالى: قال الإمام البعلي رحمه الله تعالى في الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام، بعد أن ذكر ما ذكر عن شيخ الإسلام، قال: ومن ذكر الإجماع على استحبابه، ومن ذكر الإجماع على استحبابه، فمراده ثبوت استحبابه، لا نفي وجوبه، والله أعلم. وهذه قاعدة مهمة وتأصيل مهم سيمر معنا في عدة مسائل، وهو أن حكاية الإجماع على المشروعية أو على الاستحباب لا ينافي الوجوب إذا كان هناك دليل يدل على الوجوب، وقال به قائل، ووضح هذا الأمر أم لا. وهذا من هذا الباب، فمن نقل الإجماع على الاستحباب ليس معناه أنه ينفي القول بالوجوب، فإن كان معناه أنه ينفي القول بالوجوب، فهذا قول فيه نظر، ولكن الصواب ما ذكره البعلي رحمه الله تعالى. وهذا الذي ذكره البعلي ذكره قبله الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى في كتاب الفروع. والبعلي غالب اختياراته، إن لم تكن كلها، مأخوذة من كتاب الفروع للامام ابن مفلح، البعلي أخذ كلامه أو مسائل اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من كتاب الفروع للامام ابن مفلح رحمه الله تعالى. فالحاصل: أن الراجح في هذه المسألة، والذي لا ريب فيه ولا شك، أن تسوية الصفوف واجبة لضواهر الأدلة على ذلك. مسألة أخرى: من ترك تسوية الصفوف عمدًا، فهل تبطل صلاته؟ لأنه ترك واجبًا. طيب باعتبار مسألة من حيث تعلمون كما تقدم: أن الجمهور يقولون بالاستحباب أصلا، الجمهور يقولون بالاستحباب أصلا في تسوية الصفوف، فعلى قول الجمهور، تفريع على قول الجمهور، يكون ترك التسوية لا يخدش فيه الصلاة، ولا في كمالها الواجب، وإذا خدش إنما يخدش في كمالها المستحب. وأما القائلون بالوجوب، فاختلفوا في المسألة على قولين. وأما القائلون بالوجوب، أي بوجوب تسوية الصفوف، فالمسألة عندهم على قولين: القول الأول: أن عدم تسوية الصفوف مبطل للصلاة، وهذا قول الإمام ابن حزم الظاهري. والقول الثاني: أنها ليست مبطلة، ونص على هذا القول الإمام ابن مفلح، وكذلك المرداوي، وكذلك جماعة من المحققين. قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر هذه المسألة: في احتمال قد يقال: إنها تبطل؛ لأنهم تركوا الواجب. قال: ولكن احتمال عدم البطلان مع الإثم أقوى. قال: لأن التسوية للصلاة، قال: لأن التسوية واجبة للصلاة، لا واجبة فيها؛ لأن التسوية واجبة للصلاة، لا واجبة فيها، يعني أن خارج عن هيئتها، والواجب للصلاة يأثم الإنسان بتركه، ولا تبطل الصلاة به، كالأذان مثلًا، كالأذان مثلًا، فإنه واجب للصلاة، ولا تبطل الصلاة بتركه. واضح لكلام الجماعة من الأخير، وهذا الذي ذكره العلامة العثيمين رحمه الله تعالى هو الصواب في هذه المسألة، من أن ترك تسوية الصفوف عمدًا يأثم صاحبها، وهو على خطر عظيم، يعرض نفسه للعقوبة. ومن هذه العقوبة ما سمعتم في حديث النعمان بن بشير: «لتسومن صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وجاء في سنن أبي داود: «أو ليخالفن الله بين قلوبكم». وهذا وعيد شديد في هذه المسألة. فعلى هذا: من ترك تسوية الصفوف عمدًا فهو آثم عاصي، فهو آثم عاصي لله عز وجل. وهل تبطل صلاته أم لا؟ الجواب: أن صلاته لا تبطل؛ لماذا؟ لأنه ترك واجبًا للصلاة، لا واجبًا في الصلاة، وإنما يبطل الصلاة من ترك واجبًا في الصلاة. ووضح هذا الأمر أم لا؟ وسيأتي الكلام على هذا بإذن الله عز وجل في صفات الصلاة: أن من ترك واجبًا عمدًا في الصلاة أنها تبطل صلاته. وسيأتي الكلام حينها على هذه المسألة بإذن الله عز وجل. ولكن الذي نريده في هذه المسألة: أن من ترك تسوية الصفوف عمدًا، كمن ترك الأذان عمدًا، الأذان واجب أم لا؟ الأذان واجب للصلاة، من تركه عمدًا هو آثم، وهل تبطل صلاته بعدم الأذان؟ الجواب ماذا؟ أن صلاته لا تبطل؛ إذ إن الأذان للصلاة، وليس هو واجبًا في الصلاة. فرق بين أن يكون الواجب للصلاة، أي لأجلها كان واجبًا، وبين أن يكون واجبًا في الصلاة، أي داخلًا فيما هي الصلاة وفي حقيقتها. الأول: من تركه عمدًا يأثم، ولا يفسد الصلاة. الثاني: من تركه عمدًا يكون آثمًا، وتبطل كذلك ماذا؟ صلاته، إجماعًا على ما سيأتي معنا بإذن الله عز وجل. طيب من المسائل أيضًا من المسائل التي تدخل تحت تسوية الصفوف مسائل كثيرة، منها: أن المراد بتسوية الصفوف عدة أشياء أو عدة أمور. الأولى: تسوية المحاذاة، تسوية المحاذاة، والمحاذاة بالحاء المهملة والذال المعجمة، أي جعل بعضها حذاء بعض، بحيث يكون منكب أو منكب كل واحد من المصلين موازنًا لمنكب الآخر، ومسامتًا له، فتكون المناكب، والأعناق، والأقدام على سمت واحد، واضح على جمع الأخير. طيب والمحاذاة واجبة، والمحاذاة واجبة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا الصفوف، فإنما تصفونك صفوف الملائكة، حاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل». أو النبي صلى الله عليه وسلم: «حاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجة للشيطان». ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله عز وجل. الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وإسناده صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. والشاهد منه واضح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ماذا؟ «حاذوا بين المناكب». ولفظه الأمر يقتضي ماذا؟ الوجوب، ولفظه الأمر يقتضي الوجوب على الأصل. وأيضًا: لا تحصل التسوية إلا بالمحاذاة، لا تكون ولا تصح تسوية الصفوف إلا بالمحاذاة. وتقدم معنا أن تسوية الصفوف واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ماذا؟ فهو واجب، واضح هذا الأمر أم لا؟ المحاذاة كما ذكرنا: أن يكون بعضهم حذاء بعض، بحيث يكون منكب كل واحد من المصلين موازن بمنكب الآخر، وكذلك الأعناق، وكذلك الأقدام. طيب وأيضًا مما يدل عليه كذلك ما جاء في حديث أنس أيضًا عند الإمام أحمد بإسناد صحيح، فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بين الأعناق». قال: «فو الذي نفسي بيده»، أو قال: «فو الذي نفسي محمد بيده، إني لأرى الشيطان إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف». أو «كأنه الحذف»، والحذف غنم سود صغار تكون باليمن والحجاز، يعني إذا حصلت الفراغات كان الشيطان يدخل كأنه غنم صغيرة بين الصفوف. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ويقسم بالله عز وجل على ذلك: أنه يرى الشيطان يدخل من بين الخلل، إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعتم: «رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بين الأعناق». طيب وهذه الأحاديث تدل على هذا المعنى. وأيضًا جاء نحو حديث أنس، من حديث أبي أمامة، عند أحمد أيضًا، إسناده صحيح. وأيضًا إسناده صحيح. طيب هذه مسألة، وأن الراجح فيها أنها واجبة. المسألة الثانية: التراص في الصف، التراص في الصف. ومعناه لغة: انضمام الشيء إلى الشيء بقوة وتداخل، هذا معنى التراص لغة، معنى الرص الشيء. وفي لسان العرب: قال: وتراص القوم تضاموا وتلاصقوا، وتراصوا في القتال والصلاة. قال الكسائي، وهو من أئمة اللغة: التراص أن يلصق بعضهم ببعض، حتى لا يكون بينهم خلل ولا فرج. وأصله تراصص، من رص البناء يرصه رصًا إذا ألصق بعضه ببعض، فأضغم الصاد بالصاد. طيب والتلاصق أو التصاف الذي يلزم من عدمه وجود الخلل والفرج واجب، واضحها جماعة. والتراص الذي يلزم من عدمه وجود الخلل والفرج واجب؛ لحديث سابق، حديث سابقة، وغيرها. حديث سابقة: فيه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رصوا صفوفكم». طيب وأيضًا جاء عن أنس رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال: «وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه». كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وهذا يدل على ماذا؟ على أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهمهم من أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتلاصق أو بالصف: أنه ماذا؟ أنه التلاصق حقيقة، أنه التلاصق حقيقة. فكان أحدهم يلزق أو يلزق -يقال بالصاد ويقال بالزاي- يلزق منكبه بمنكب صاحبه، منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. وجاء كذلك في حديث النعمان بن بشير، عند أبي داود وغيره، في الحديث الذي رواه أبو داود، وأصله في الصحيحين، حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا باديا صدره، فقال: «لتسومن صفوفكم». وجاء في رواية أبي داود: «أو ليخالفن الله بين قلوبكم». قال النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه: قال: «فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، ورقبته برقبته، ومنكبه بمنكبه». واضح على جماعة. قال: «فرأيت الرجل امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم». قال: «فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه، ورقبته برقبته، ومنكبه بمنكبه». رواهما أبو داود، أي أثر أنس، وأثر النعمان بن بشير من الحديث، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. واضح على جماعة أيضًا. فيكون التلاصق واجب، التصاف الذي هو معنى التلاصق: أن يلصق بعضهم ببعض، بحيث لا يدعون فرجة يدخل منها الشيطان، يدخل منها الشيطان. طيب مسألة الثالثة: إكمال الأول فالاول، فإن هذا من استواء الصفوف، إكمال الأول، أي الصف الأول فالاول، فإن هذا من استواء الصفوف، فلا يشرع في الصف الثاني حتى يكمل الأول، ولا يشرع في الثالث حتى يكمل الثاني، وهكذا. وهذا أيضًا الراجح فيه أنه واجب؛ للأدلة السابقة، للأدلة السابقة. ومنها حديث ابن عمر السابق: «أقيموا الصفوف». وقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا: «سووا صفوفكم». قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: عند قوله صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم». قال: «فيه أن تسوية الصفوف واجبة». وهذا من تسوية الصفوف؛ إذ إنه لو بدأ أو شرع بالصف الثاني قبل أن يكتمل الأول، وشرع بالثالث قبل أن يكتمل الثاني، لم يكن أو لم تكن تلك الصفوف مستوية، بل كانت ماذا؟ مقطعة. ولم تكن مستوية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله». كما مر معنا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وغيره. طيب ومما يدل عليه أيضًا بخصوصه: ما جاء في حديث أنس، عند الإمام أحمد، وأبي داود، والنسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، فإن كان نقص فليكن في الصف الآخر». وهذا نص في المسألة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، فإن كان نقص فليكن في الصف الآخر». بمعنى: أنه لا يكون نقص في الصف الأول، وتشرع في الصف الثاني، فإن حصل هذا: فقد خالف الأمر، وإذا خالف الأمر: لازم منه الإثم. وكما تقدم معنا مرارًا: أن القاعدة عند العلماء: أن الأمر يقتضي ماذا؟ الوجوب، الأصل في الأمر أنه يقتضي الوجوب. وضح على جمعه: النبي صلى الله عليه وسلم: «أتموا الصف الأول، ثم الذي يليه، فإن كان نقص فليكن في ماذا؟ في الصف الآخر». بمعنى: إذا كان هناك نقص، لا تجعل في الصف الأول، وتشرع في الصف الثاني، بل واجب عليك أن تكمل الصف الأول، فإن اكتمل الصف الأول: انتقلت إلى ماذا؟ الصف الثاني، ولا تشرع في الصف الثالث حتى تكمل الصف الثاني، وهكذا إلى آخر الصفوف. فمسألة أخرى: من تسوية الصفوف: التقارب فيما بينها، التقارب ما بينها وبين الإمام؛ لأنهم جماعة، أي صلاة جماعة، والجماعة مأخوذة من الاجتماع، والاجتماع كامل مع التباعد، والاجتماع كامل مع التباعد. فكلما قربت الصفوف من الإمام: كانت أفضل وأكمل. وكلما بعدت: كلما حصل الخلل والبعد. والضابط في هذا القرب: أن يكون بينهما مقدار ما يسع للسجود، وزيادة يسيرة. فإن حصلت زيادة كبيرة: خرج عن الفضل. فإن كانت الزيادة بعيدة جدًا، بحيث إذا رآها الناظر لم يعتقد أنهم في جماعة: فهؤلاء لا يكونون مؤتمين بذلك الإمام، ويكونون وقعوا في الخلل في تسوية الصفوف، يعني يحصل من بعض الناس: أن يصلي أحدهم في المسجد، وبيته خلف المسجد، فيصلي في ماذا؟ في خلف المسجد هذا لا يجوز، مثلا هذا المسجد يصلي الإمام، والصف الأول مثلا بعده، مثلا بعشرين متر، في ثلاثين متر، هذا كذلك لا تصح. لذا ذكر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وغيره من السلف: قالوا: إذا فصل بين الإمام نهر أو نحوه، فإنها لا تصح الجماعة؛ كما قال رحمه الله تعالى، أي لا تكون جماعة يصلون منفردين؛ لأنهم فصل بينهم فاصل كبير؛ لأنهم فصل بينهم فاصل كبير، فخرجوا عن حقيقة الجماعة، لم تكن صورتهم صورة الجماعة الذي يمأخوذة من الاجتماع. والله أعلى وأعلم. وإلهنا سبحانه الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.