حلية طالب العلم 70

الدرس في حلية طالب العلم 70، ألقاها

مقدمة في علامات العلم النافع

يتناول الشيخ علامات العلم النافع ويشير إلى أهمية محاسبة النفس وتأمل حالها في طلب العلم. يعدد ست علامات للعلم النافع منها العمل به وكراهية التزكية والتكبر على الخلق.

تأكيد على أهمية العمل بالعلم النافع

يؤكد المقطع على أهمية العمل بالعلم النافع ويشير إلى علاماته مثل العمل بما يعلم وكراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق. يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتوضيح هذه المعاني.

صفات المتواضعين ومواقفهم في العلم النافع

يتحدث المقطع عن صفات المتواضعين وأهمية التواضع في العلم، حيث يزداد الإنسان تواضعًا بزيادة علمه ويتجنب حب الترأس والشهرة ودعوى العلم. يسيء الظن بنفسه ويحسن الظن بالناس.

خاتمة وتسبيح وتأكيد على عظمة الله

يشير المقطع إلى خاتمة الحديث بإظهار تعظيم الله تعالى والإقرار بعلمه الأعلى. يتضمن تسبيحًا لله والاستغفار والتوبة إليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الفصل السادس: التحلي بالعمل، أي مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم أن يتحلى بالعمل بذلك العلم الذي قد علمه. قال رحمه الله تعالى: من علامات العلم النافع: تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع، وهي: أولًا: العمل به، ثانيًا: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق، ثالثًا: تكاثر تواضعك كلما ازددت علمًا، رابعًا: الهرب من حب الترأس والشهرة والدنيا، خامسًا: هجر دعوى العلم، سادسًا: إساءة الظن بالنفس وإحسانه بالناس، تنزهًا عن الوقوع بهم. وقد كان عبد الله بن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد: «لا تعرضنا بذكرنا مع ذكرهم، ليس الصحيح إلى مشاكل مقعدين». يقول الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الفصل، في أوله وفي مطلع هذا الفصل: من علامات العلم النافع... لأن لكل شيء علامة، بل قد يكون في الشيء الواحد علامات تميز هذا الشيء عن غيره، وتبين أن هذا الشيء قد وقع على الوجه المطلوب والوجه المقصود أم لا. ومنه العلم، العلم النافع. لأن قائلًا قد يقول: ها نحن نطلب العلم ليلًا ونهارًا، فكيف نستطيع أن نعلم أن هذا العلم من العلم الذي ينفع؟ أي أن هذا العلم قد نفع صاحبه نفعه في دنياه، ويكون سببًا بإذن الله جل وعلا لنفعه في آخراه يوم أن يلقى ربه جل وعلا. فالشيخ رحمه الله تعالى ها هنا ذكر جملة من العلامات التي إذا ظهرت في الشخص ورآها، ورآها كذلك الطالب في نفسه، فليعلم أنه ممن وفقه الله للعلم النافع؛ لأنه قد انتفع به في دنياه، ويكون سببًا أيضًا لأن ينتفع به في آخراه. قال رحمه الله: «تساءل مع نفسك عن حظك من علامات العلم النافع». وفي هذا إلماحة من الشيخ رحمه الله، ولفته منه رحمه الله إلى أن طالب العلم ينبغي له أن يقعد مع نفسه مقعد صدق، وكذلك مقعد محاسبة ونظر في حاله، وفي طلبه للعلم، وفي أموره كلها، يجلس مع نفسه جلسة متأمل في حاله، متأمل في أعماله، متأمل كذلك فيما صنع وفيما عمل، وفيما بدر منه، فيحدث نفسه حينها بما قد أثمر أو قد جنى، إما من الأمور والثمار الطيبة، وإما من غيرها. فإن كان من الأولى فليحمد الله، وإن كان من الأخرى فيسعى إلى تصحيح ما قد أخطأ فيه وزل. قال رحمه الله: «أولًا: العمل به». من أولى علامات هذا العلم النافع أن يكون الطالب عاملًا بما علم. وقد قيل: «هتف العلم بالعمل، إن أجابه وإلا رحل». العلم يهتف بالعمل، ينادي بالعمل. فإن عمل الطالب بعلمه كان سببًا لاستقرار ذلك العلم، وكان ذلك من العلم النافع؛ لأن العلم قد انتفع به. فعمل. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال بعض أهل العلم: «آمنوا» بالعلم، لا بالإيمان لا يكون إلا بعلم. قال: «وعملوا الصالحات»، إذن أتبعوا العلم بالعمل، فكانوا ناجين بإذن الله جل وعلا من الخسران. وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. مع هذه الخصال، وأدلة الكتاب والسنة كثيرة تدل على هذا المعنى. وتعرفون الحديث: حديث أسامة في الصحيحين: في الرجل الذي كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، فرؤي يوم القيامة وهو في النار، وقد اندلقت أمعاؤه، وهو يدور حولها، فقيل: يا فلان، ما لك يا فلان؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتكن تنهانا عن المنكر؟ فقال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. ماذا كانت عاقبة أمره؟ والعياذ بالله، كانت عاقبة أمري خاسرة. فإذا العلم النافع الذي يكون من ثماره العمل بذلك العلم، لذا مما أثر عن الإمام أحمد أنه قال: «ما علمت حديثًا أو قال: سنة إلا عملت بها». بل قال الإمام أبو محمد بن حزم الظاهري رحمه الله: «قال: لا يكون الإنسان سنيا حتى يعمل بكل ما علم من السنة ولو مرة واحدة». أي من الأعمال ما لا يحتاج إلى مداومة عمل، لو عملت مرة واحدة قد عملت بالسنة. فإذا العمل لا بد منه، وهو من ثمار العلم النافع، ومن علاماته. قال رحمه الله: «ثانيًا: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق». هذه كذلك علامة. كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق؛ لأن العلم النافع يؤدب الطالب ويرفعه عن هذه الأمور، يحذره غاية التحذير من حب العجب وحب المدح وحب التزكية. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾، قال الله جل وعلا: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ﴾. هم يعلمون أن الله جل وعلا هو المزكي حقًا، فمن زكاه الله جل وعلا فهو المزكى، ومن لم يزكه الله جل وعلا ولو اجتمع أهل الأرض على تزكيته، فإنهم لا ينفعونه شيئًا. قال رحمه الله: «ثالثًا: تكاثر تواضعك كلما ازددت علمًا». وهذا كأنه ملازم أو باللزوم من الأول. الإنسان كلما ازداد علمًا كلما ازداد تواضعًا، هذا من علامات العلم النافع. لذا مما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله، وذكره غيره: أن من علامات العلم النافع أن الإنسان كلما ازداد علمًا كلما ازداد خضوعًا وانكسارًا وذلًا لله رب العالمين؛ لأنه صار عالما بالله جل وعلا. وكلما ازداد الإنسان معرفة من ربه جل وعلا، كلما كان ذلك سببًا لأن يكون خاشعًا لله جل وعلا. وقد قيل: «من كان بالله أعرف كان منه أخوف». وقال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالشاهد من هذا أن الإنسان كلما ازداد علمًا كلما ازداد تواضعًا، وخفضًا للجناح لأهل الإيمان، ولإخوانه، ولزملائه، ولطلابه، ولمشايخه، إلى غير ذلك، يكون متواضعًا. قال: «رابعًا: الهرب من حب الترأس والشهرة والدنيا». والأمور كما ترون متلازمة؛ لأن من لازم التواضع أن يفر من الرئاسة، وأن يحب ألا يكون مشتهرًا بين الناس. قد جاء فلان، ودخل فلان، ومر فلان، أن تكون له شيء من الأبهة كما يقال، هذا مما يتنزه عنه، مما نفعه الله جل وعلا بالعلم النافع. قال: «خامسًا: هجر دعوى العلم». هجر دعوى العلم، أي لا يدعي أنه قد وصل من العلم عنده من العلم ما قد وصل. تأتي المسألة فيتشدق لها ويتكلم لها، كأنه إمام عصره. يتواضع، يتواضع. وقد مر معنا مثل لهذا المعنى: أن الإنسان ينبغي له أن يكون متواضعًا، أن يكون كما يقال: «الله أعلم» نصب عينيه. تأتي المسألة لا يعلمها، «الله أعلم»، ليس في ذلك غضاضة، بل فيه رفعة. قال: «سادسًا: إساءة الظن بالنفس وإحسانه بالناس تنزهًا عن الوقوع بهم». أي ينظر إلى نفسه نظرة ازدراء، وهذا من التواضع. وقد مر معنا فيما مر: أن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أخذ بيد سفيان، فقال له: «لو كنت تظن أن أحدًا أو أنك أفضل من أحد من الناس، فبئس ما تظن». لا يظن الإنسان إلى إخوانه أو إلى زملائه أو إلى كذا من هذا: «أنا عندي ما ليس عنده، أنا عندي من العلم، أنا عندي من الأعمال الصالحة، أنا عندي... أنا عندي...». لا ينظر إلى نفسه نظرة ازدراء. «الله أعلم» هل قبل الله جل وعلا مني أم لا؟ «الله أعلم». قد يكون هذا المسكين الضعيف أحب إلى الله جل وعلا مني، أفضل عند الله جل وعلا مني، أجل عند الله جل وعلا مني. وتأمل معي إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب أشعث، رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، أشعث شعث الشعر، أغبر الثياب والمنظر، وماذا هو؟ مدفوع بالأبواب، إذا أراد الدخول يدفعونه: اخرج». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أقسم على الله لأبره». ما هي منزلته عند الله جل وعلا؟ عظيمة جليلة. وعند الناس مدفوع بالأبواب، ليدفعونه من الأبواب. لكنه عند الله: «لو أقسم على الله رب العالمين لأبره». لماذا؟ لأنه من المكرمين عند الله. إذن ينبغي لطالب العلم أن ينظر إلى غيره وإخوانه من المسلمين بهذا المنظار. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على