الدرس في حلية طالب العلم 17، ألقاها
يناقش الشيخ أهمية التحلي بآداب النفس ويحذر من نواقضها مثل الخيلاء والكبرياء. يُوضح أن هذه النواقض تعتبر إثمًا وتدل على ضعف العقل.
يُظهر المقطع تواضع السلف الصالح وتواضعهم في حياتهم اليومية، ويُؤكد على أهمية اجتناب الكبر والتواضع. يُستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله.
يُنذر الشيخ من داء الكبر ويُوضح آثاره السلبية مثل التعالي على الآخرين واحتقارهم. يُشير إلى أن الكبر هو أول ذنب عُصي الله به.
يُنبه المقطع إلى أن العلم دليل على التواضع والعمل الصالح، بينما يؤدي عدم العمل بالعلم إلى الكبر. يُشبه العلم بالسيل الذي يهدد المكان العالي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: خفض الجناح ونبذ الخيلاء والكبرياء، تقدّم معنا شيء من التعليق على هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: تحلّ بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر والتواضع للحق، وسكون الطائر من الوقار والرزانة، وخفض الجناح متحملًا ذلّ التعلم لعزة العلم، ذليلًا للحق. لا بد أن يكون الإنسان للحق ذليلًا، أي خاضعًا متقبلًا له، ولو كان ذلك الحق جاءه من إنسان يبغضه؛ لأن الحق فحق أن يتبع. قال رحمه الله تعالى: وعليه، فاحذر نواقض هذه الآداب، نواقض هذه الآداب المتقدمة من العفاف والحلم والصبر والتواضع إلى غير ذلك. قال: فإنها مع الإثم تقيم على نفسك شاهدًا على أن في العقل علّة، أي: مع كون نواقض هذه الأمور أو تلكم الأمور إثمًا؛ لأن مقابل العفاف عدم العفاف والتدنس بأدناس الآثام والمعاصي والشهوات، وهذا من الآثام والمعاصي، ومقابل الحلم الطيش والصبر الجزع والتواضع التكبر، إلى غير ذلك مما ذكره رحمه الله. فكما قال: فإنها مع الإثم، أي: مع كونها إثمًا، تقيم على نفسك شاهدًا على أن في عقلك علّة، أي: نقصًا وضعفًا؛ إذ أنك استبدلت بمكارم الأخلاق ما هو دونها، بل ما هو من رذالات الأفكار والأخلاق. وهذا يدل على ضعف العقل ونقصه؛ إذ كيف يرضى الإنسان بغير الوصف الأعلى والأكمل والأتم؟ الإنسان العاقل إذا رأى شيئين أحدهما كمال وممدوح ومحبوب ومفضل، وآخر مذموم ومرذول ومذموم، وكذلك مبعد عن أخلاق الأفاضل، متصف به الأراذل، فإن اختار الأكمل دل على ماذا؟ على كمال عقله، وإن اختار الأرذل، اختار ما كان فيه رذالة ونقص، دل على ماذا؟ على نقص عقله. قال: وعلى حرمان من العلم والعمل به، أي: أنه حرم العلم، وكذلك حرم العمل بالعلم. حرم العلم، أي: العلم النافع. من ينتفع بعلمه؟ وكذلك حرم العمل، إن كان عنده علم فحرم، فحرم العمل بذلك العلم. وإذا كان كذلك، فعلمه إذن ضار ليس بنافع. قال: فإياك والخيلاء؛ فإنه نفاق، وكبرياء. والخيلاء والخيلاء حالة من حالات الكبر والغطرسة والترفع على الناس والتبختر، هذا من معاني الخيلاء. وقوله: فإنه نفاق؛ لأن فيه معنى من معاني النفاق، وهو التكبر على الحق، وكذا التكبر على الخلق، تكبر على الحق والتكبر على الخلق. قال: وقد بلغ من شدة التوقي منه عند السلف مبلغًا. السلف رحمهم الله تعالى من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، كانوا قمة في البعد عن الخيلاء وعن الكبر والغطرسة، إلى غير ذلك من المعاني. بل كانوا متصفين بمكارم الأخلاق، مؤتسين برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بهديه وسمته وخلقه الحسن. قال: ومن دقيقه ما أسنده الذهبي في ترجمة عمر بن الأسود العنسي، المتوفى في خلافة عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى، أنه كان إذا خرج من المسجد قبض بيمينه على شماله. قبض بيمينه على شماله معروف القبض. فسئل عن ذلك، فقال: مخافة أن تنافق يدي. قال الذهبي رحمه الله تعالى معلقًا على هذا: قلتم يمسكها خوفًا من أن يخطر بيده في مشيته، أن يخطر بيده في مشيته؛ فإن ذلك من الخيلاء، يخشى أن يمشي مشيًا فيه معنى من معاني الخيلاء والتكبر. انظروا إلى حال هؤلاء رحمهم الله تعالى. وهذا الرجل رحمه الله تعالى جاء في ترجمته من السير أنه حج ثم أتى المدينة، فرآه عبد الله بن عمر يصلي، فقال: من هذا؟ قيل له: عمر بن الأسود العنسي، فقال رحمه الله تعالى: من أراد أن ينظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وسمتًا وخشوعًا، قال: ولبسًا. وهذا يدلنا على ما كان عليه هذا الرجل من الصلاح والخير رحمه الله. قال رحمه الله: وهذا العارض عرض للعنس، رحمه الله تعالى، أي: خشي على نفسه بحركة مشيته أن يكون فيها معنى التكبر والتبختر، فكان يقبض على يمينه بشماله؛ لئلا تتبختر يده. والناظر في حال هذا يجد له معنى فيما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أولئك السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وهذا يدلنا على أن هذا الأمر، وأن هذا الملحظ له أصل؛ لأن قائل قد يقول: كيف يقبض بيمينه على شماله خشية التبختر؟ انظر إلى هذا الحديث: فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. قال رحمه الله: واحذر داء الجبابرة، داء الجبابرة جبابرة الأرض، قال: الكبر، هذا داء الجبابرة. ما من جبار إلا وهو متكبر. انظروا، اقرأوا في كتاب الله عن حال هؤلاء، اقرأوا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال هؤلاء الجبابرة، اقرأوا في كتب التاريخ عن حال هؤلاء الجبابرة، تروا أن قلوبهم قد ملئت كبرًا، وظاهرهم كذلك، أظهر ما يكون عليه الكبر، فهذا حال وداء الجبابرة كما قال. قال: فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصي الله به من عصى الله جل وعلا بهذا، إبليس، إبليس أول من عصى الله جل وعلا بهذا المرض، بهذا أدى تكبر، استكبر عن أمر الله جل وعلا أن يخضع لأمر الله، وأن يسمع كلام الله، أن يطيع الله جل وعلا. ما منعك أن تسجد إذ أمرت؟ قال: أنا خير منه. انظر الله جل وعلا يقول: اسجد، وهو يقول ماذا؟ أنا خير منه، هذا يدل على ماذا؟ على تكبر، تكبر عن أمر الله. فانظر ماذا كان حاله؟ فأخرج منها، فانك رجل ملعون، وقال له ربنا جل وعلا: فإن عليك لعنة إلى يوم الدين، وإن عليك اللعنة كذلك ملعون بلعنة الله جل وعلا له. ما سبب هذه اللعنة؟ الكبر والحسد، أنا خير منه، أنا خير ممن هو آدم. كيف أسجد وأنا خير منه، وأنا أفضل منه، وأنا أجل منه؟ في ماذا؟ في نظره. وهذا حال كل متكبر، حال كل متكبر ينظر إلى نفسه أنه أعظم وأفضل وأجل من غيره. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿الكبر بطر الحق وغمط الناس﴾، يتنقص الناس. لماذا؟ لأنه يرى أنه أفضل وأعظم وأجل، وأنه أوتي ما لم يؤت غيره من الناس. قال رحمه الله تعالى: واحذر داء الجبابرة الكبر؛ فإن الكبر والحرص والحسد أول ذنب عصي الله به. فتطاولك على معلمك كبرياء، تطاولك على معلمك كبرياء. يأتي طالب يترفع على معلمه، معلمه يقرر المسألة، ويقول: ما يظهر لي هذا، الأظهر خلافه، أو الذي يظهر لي كذا وكذا، أو ما شابه ذلك من التطاول، هذا من سوء الأدب، وكذلك فيه معنى من معاني الكبر؛ لأنك ترى في نفسك أنك قد وصلت إلى مرحلة أعظم وأجل من مدرسك، لذا تأبى أن تأخذ من معلمك ما يأخذه بقية الطلبة. قال: واستنكافك عما يفيدك مما هو دونك كبرياء. إنسان يرى جميلًا له، لكن طلب العلم بعده، ويجد عنده الفائدة وعنده المسألة العظيمة الجليلة، فيأنف أن يأخذ منه. لماذا؟ أنا أعلم منه، وأنا أقدم طلبًا للعلم منه، فكيف أخذ عن هذا الذي هو دوني، والذي ما طلب العلم إلا قبل أيام؟ هذا من ماذا؟ هذا من داء الكبر. قال: وتقصيرك عن العمل بالعلم حمأة كبر، حمأة كبر. لماذا؟ لأن العلم العلم يدلك على التواضع وعلى العمل بالعلم والعمل بالخير، وترك كل ما يخالف معالي الأخلاق. قال: وعنوان حرمان. قال القائل: العلم حرب للفتى المتعالي، كالسيل حرب للمكان العالي. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.