كتاب الطهارة 12

الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها

أحكام الفطرة في الإسلام

يتناول هذا الفصل أحكام الفطرة في الإسلام مثل إعفاء اللحية وتقليم الأظفار ونتف الإبط، ويبين أهمية هذه السنن في التجمل والتطهر والنظافة. كما يشير إلى ضرورة مخالفة الأعداء وعدم التشبه بهم في هذه الخصال.

تفاصيل أحكام اللحية والشارب

هذا الفصل يفصل في أحكام اللحية والشارب، حيث يشرح معنى قص الشارب وإعفاء اللحية ويبين أن الأفضل في الشارب هو القص دون الاستئصال. كما يشدد على وجوب إعفاء اللحية ومخالفة الكفار والمجوس في هذه الخصال.

خصال الفطرة ومدتها الشرعية

يتناول هذا الفصل خصال الفطرة المختلفة مثل السواك والاستنشاق والمضمضة وغسل البراجم، ويشير إلى المدة المحددة لفعل هذه الخصال وهي أربعون ليلة كما ورد في حديث أنس بن مالك.

أحكام إزالة الشعر أثناء العدة

يفصل هذا الفصل حكم إزالة الشعر الزائد أثناء العدة، ويبين أن من طال شعرها بشكل فاحش قبل انتهاء الأربعين ليلة يستحب لها إزالته، مع التنبيه على هذا الحكم لمن يحصل لها الطول سريعًا.

  • 12 جمادى الآخرة 1433هـ - 03/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض سنن الفطرة، وذكر منها الاستحداد والختان. واليوم بإذن الله جل وعلا نكمل ما تبقى من خصال المذكورة في الحديث. في حديث أبي هريرة، قالوا: «الثالث قص الشارب». وقص الشارب وإحفاؤه، وهو المبالغ في قصه، لما في ذلك من التجمل والنظافة ومخالفة الكفار. وقولهم: «قص الشارب وإحفاؤه»، وإحفاؤه قد يراد به أن الإحفاء غير القص، وقد يراد به أن القص والإحفاء قد يأتي بمعنى. ومسألة قص الشارب، كما ذكر، والمبالغ في قصه قولهم: «وهو المبالغ في قصه»، أي الإحفاء، إشارة إلى المعنى الثاني، إلى أن الإحفاء مبالغ في القص، وليس هو بمعنى استئصال الشارب، ولكن المبالغ في تقصيره. وهذا قول لأهل العلم. ومن أهل العلم من قال: بأن المراد بالإحفاء إحفاؤه من على الشفة، أي قصه من على الشفة، يكون من على الشفة العليا، بحيث تظهر الشفة أو الشفة العليا. ومن أهل العلم من يذكر: بأن معنى الإحفاء هو استئصال الشارب، استئصال الشارب. وبعض أهل العلم أنكر هذا المعنى، بل قد ثبت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، أنه ذكر: بأن معنى الإحفاء هو إحفاؤه بمعنى قصه ورفعه من على الشفة، وأن من استأصله من أصله فإنه مثله، وإنه يعذر. والقول هو ما قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى: من أن القص أفضل، للأحاديث المذكورة في ذلك. وأما الإحفاء أو الجز والمبالغة، أو استئصال الشارب من أصله وحلقه، فهذا وإن كان قال به من قال من أهل العلم، إلا أن في المسألة خلافًا. فالشاهد أن الأفضل هو القص. ومن حلق أخذًا بظواهر هذه الأحاديث، وبقول من ذهب إلى هذا القول من أهل العلم، فكذلك يكون آخذًا بالحديث ممتثلًا له بإذن الله جل وعلا. ولكن الكلام فيما ذكر في الأفضل، أيهما أفضل؟ فالأفضل هو القص وعدم الاستئصال. وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر بعضها بعضًا. فقوله: «قص الشارب» واضح، نص واضح صريح. والإحفاء وقع فيه الاحتمال، أي فيه إجمال. والقاعدة عند العلماء: أن يحمل المجمل على المبين. ومع هذا، من ظهر له أن الأمر ظاهر وليس بمجمل، فأخذ بمعنى الحلق للشارب، فالأمر في هذا واسع. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: وقد وردت الأحاديث الصحيحة في الحث على قصه وإعفاء اللحية وإرسالها وإكرامها، لما في بقاء اللحية من الجمال ومظهر الرجولة. وقد عكس كثير من الناس الأمر، فصاروا يوفرون شواربهم ويحلقون لحاهم أو يقصرونها، وبعضهم لا ذا ولا ذاك، يحلق الشارب واللحية، فيكون كأنه امرأة. بعض الناس يحلق شاربه ولحيته تشبهًا بأعداء الإسلام، بل قد ذكر بعض أهل العلم: أن هذا فيه تشبه كذلك بالنساء. قال: «وفي كل هذا مخالفة للسنة والأوامر الواردة في وجوب إعفائها». منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس». وقد جاء في بعض الأحاديث: بأن المجوس كانوا يرخون الشوارب ويحلقون اللحى. وهذا للأسف حال كثير من المسلمين اليوم، تجد الشارب موفرًا، وأما اللحية فقد حلقها. فمثل هؤلاء فيهم مشابهة المجوس، وقعوا في المشابهة للمجوس. وقالوا: وحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب». وهذا كذلك يبين لنا أن هذا الحال وحال أهل الشرك. فمما يجب على المسلم: أن يرخي لحيته، فإرخاء اللحية واجب على الصحيح من أقوال أهل العلم، لضواهر الأدلة الكثيرة المتكاثرة في ذلك. فالحديث كما ترون بلفظه الأمر: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المشركين وفروا اللحى». وكذلك جاء في الصحيح في حديث ابن عمر وغيره قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى». والأمر الأصل فيه أنه للوجوب، ولا صارف له هاهنا. قالوا: فعلى المسلم أن يلتزم بهذا الهدي النبوي ويخالف الأعداء، ويتميز عن التشبه بالنساء، لأن المرأة هي التي من خصائصها التجمل وطلب شيء من معنى التلطف. أما الرجل فهو رجل، واللحية تدل على هذا المعنى. وأيضًا في قولهم: «ويتميز عن التشبه بالنساء»، في إشارة إلى مسألة وهي ما إذا ظهرت اللحية في المرأة، فهل تترك المرأة اللحية وتقول: قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى؟ الجواب: أن المرأة يستحب لها أن ينتف فيها شيء من الشعر في وجهها أن تحلق هذا الشعر، لأن الأحاديث المذكورة إنما هي في الرجال. وهذا قد يحصل في بعض النساء أنهن ربما ينبت في بعضهن شيء من الشعر كاللحية، فمثل هؤلاء لا بأس، بل يستحب لهن أن يحلقن ذلك، لأن الأصل في المرأة التجمل، بخلاف الرجل. طيب، الأمر الرابع، قالوا: «تقليم الأظفار»، وهو قصها بحيث لا تترك حتى تطول. والتقليم يعني: التقليم في اللغة بمعنى القلم مع القطع، فمعنى تقليم الأظفار أي قطعها وقصها. لذا قالوا: «وقصها بحيث لا تترك حتى تطول». والتقليم يجملها ويزيل الأوساخ المتراكمة تحتها. وقد خالف هذه الفطرة النبوية بعض المسلمين، فصاروا يطيلون أظفارهم أو أظفار إصبع معين من أيديهم، كل ذلك من تزيين الشياطين، والتقليد لأعداء الله. وهذا كما ذكر من السنن، وهي من سنن الفطرة، من سنن الإسلام، من سنن الأنبياء: أن تقص الأظافر. وهذا يشترك فيه الرجال والنساء، قص الأظافر يشترك في هذه السنة الرجال والنساء. وللأسف كما ذكر: أن بعض النساء، قل كثير من النساء ممن يتشبه بأعداء الإسلام، فتطيل أظافرها، بل ربما وصل هذا الأمر، ووقع في كثير من الرجال من الشباب، بعض الشباب ممن ضعف دينه، وكذلك رق وضعف عقله، تجده يطيل بعض الأظافر تشبهًا بأعداء الإسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في سنن أبي داود: من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «من تشبه بقوم فهو منهم». فأقل أحوال أن يكون آثمًا، من فعل هذا الفعل يكون آثمًا، إما أن يكون متشبها بالكافرين، وإما أن يكون متشبها بالفاسقين العاصين. قالوا: «الخامس نتف الإبط»، أي إزالة الشعر النابت فيه. قالوا: «فيسن إزالة هذا الشعر بالنتف»، وهذا هو الأصل، لأن النتف جاء به السنة، جاء في الحديث المذكور: «ونتف الإبط». فالأفضل في الإبط أن ينتف لمن قوي على ذلك. فمن لم يستطع ذلك، فله أن يحلق ذلك أو أن يستخدم بعض المزيلات. قد ثبت عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: «نتف الإبط سنة، ولكني لا أقوى عليه، فأحلق». فالحاصل: أن المعتبر في ذلك هو إزالة الشعر، والأفضل في هذه الإزالة تكون بالنتف لمن قوي عليها. فمن لم يقو عليها، انتقل إلى إزالة ذلك الشعر بما تيسر له وبما استطاع. لذا قالوا: «فيسن إزالة هذا الشعر بالنتف أو الحلق أو غيرهما»، أي غيرهما من الأشياء المزيلة. كان في الزمن السابق السلف يستخدمون النورة لتساقط الشعر، والآن هناك مزيلات كثيرة استخدمها الناس لهذا المعنى. فالحاصل: أن أي شيء وقع فيه أو تم وحصل به هذا المقصود، فإنه يكون داخلًا في المعنى المطلوب. قالوا: «لما في إزالته من النظافة وقطع الروائح الكريهة التي تتجمع مع وجود هذا الشعر». فهذا هو ديننا الحنيف، أمرنا بهذه الخصال لما فيها من التجمل والتطهر والنظافة، وليكون المسلم على أحسن حال، مفتخرًا بدينه، مطيعًا لربه، متبعًا لسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. بمعنى أن الإنسان كلما أظهر هذه الخصال وامتثل هذه الخصال، كلما كان فيه معنى من معاني إظهار الإسلام في نفسه، وإظهار عزة هذا الدين لغيره، وهذا مطلب شرعي، لمن حسنت نيته. قالوا: «ويضاف إلى هذه الخصال الخمس: السواك، واستنشاق الماء، والمضمضة، وغسل البراجم». قالوا: «البراجم»: وهي العقد التي في ظهور الأصابع، يجتمع فيها الوسخ. قال العلماء: يعني في عقد الأصابع، بعض الناس في هذه الجهات ربما وقعت فيه بعض الأوساخ. فيستحب أن يغسلها، على الحديث الذي رواه مسلم، وسأتي ذكره. قالوا: «والاستنجاء»، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء». قالوا: يعني استنجاء. قال مصعب بن شيبة أحد رواة الحديث: «ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة». والحديث رواه مسلم. وهذا الحديث رواه مسلم. وبعض أهل العلم تكلم في هذا الحديث. والحاصل: أن الحديث فيه إلى جانب الخصال المذكورة الخمس، خصال أخرى مذكورة، وهي كما ذكر: السواك، وقد تقدم الكلام عليه، والاستنشاق الماء، وسأتي بإذن الله جل وعلا الكلام عليه، والمضمضة، وغسل البراجم. البراجم كما سمعتم: هي العقد التي في ظهور الأصابع. ومنفاصلها. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يلحق بهذا يلحق بالبراجم، كل ما يجتمع من وسخ في معاطف الأذن، أحيانًا تقع أوساخ، فيستحب كذلك مسحها. قالوا: كذلك جميع الوسخ، يعني: وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف من أوساخ، كذلك يستحب تنظيفها. قالوا: وكل ما يتجمع فيه الوسخ بسبب العرق أو نحوه، يستحب تنظيفه. وفي هذا دلالة على عظيم قدر هذا الدين، وأنه دين الطهارة، ودين النظافة، ودين الطيب، فهو طيب بحمد الله رب العالمين. ها هنا مسألة: حتى نكمل بها هذا الباب، وهي: هل هناك مدة يكون فيها الحلق والتقصير، أي حلق مثلًا العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار إلى آخر ذلك؟ أم أن الأمر مطلق، أم أن الأمر مطلق لا مدة له؟ الجواب عن هذا: ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: «وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، أن لا يزيد على أربعين ليلة». قال العلماء رحمهم الله تعالى: ومعنى هذا أن هذه المدة هي المدة القصوى لهذا الأمر، بمعنى أن لا تزيد على هذه المدة، لا أن تقل. بمعنى أن من قلم أظفاره كلما طالت أظفاره، مثلًا في الأسبوع مرة أو في العشرة أيام أو في الثلاثة أيام، كل ذلك حسن. من كان ينتف إبطاه كذلك في فترات قبل الأربعين، هذا حسن. من كان يحلق كذلك عانته قبل الأربعين، فكذلك حسن. بل قال العلماء رحمهم الله تعالى: أن في أحاديث الجمعة، من أحاديث التجمل والنظافة والتطهر، فيه إشارات إلى أنه يستحب أن يفعل ذلك كل جمعة. في إشارات إلى أنه يستحب أن يتطهر، وأن ينظف، تقليم الأظفار، قص الشارب، وما يحتاج إزالته من الشعور. قالوا: يستحب أن يكون في كل جمعة، لأحاديث الجمعة، لما فيها من معاني التطهر والتطيب والتنظف لحضور الجمعة. فإذا يكون حديث أنس فيه: أن هذه المدة يعني هذه المدة لا يتجاوزها المسلم، يعني الإنسان إذا كان مهملًا لا يطيل إلى هذا، يعني إنسان بعض الناس قد لا يطيل أظفاره سريعًا، أو الشعور لا تطول فيه سريعًا، فهذا يتأخر إلى الأربعين. بعد الأربعين لا يجاوز الأربعين الليلة. فهذا كما سمعتم. وقد نبه العلماء، نبه بعض أهل العلم على أن من كان يحصل له الطول سريعًا في شعوره، ولا سيما في بعض المواضع، إذا كان يطول طولًا فاحشًا وسريعًا قبل الأربعين الليلة، كذلك يستحب له إزالتها قبل الأربعين. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على