الخطبة بعنوان وقفات مع جرائم الإساءة للرسول، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو القعدة 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع حملات أعداء الدين ضد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويشير إلى أن هذه الحملات ليست بجديدة. يوضح أن الله له حكمة بالغة في ذلك.
يجب على المسلمين نصرة رسول الله ودينه بالعلم والهدى وليس بالعواطف، مع التأكيد على أهمية التمييز بين المواقف الصائبة والخاطئة. كما يجب مراجعة أنفسهم في نصرة دين الله.
الخطاب يدعو إلى نصرة الدين بالطرق الشرعية الصحيحة ويحذر من التصرفات العشوائية. يشدد على أهمية التعاون لنصرة الدين وفق الضوابط الشرعية.
يتضمن المقطع دعاء للأمة الإسلامية بأن يمنحها الله أمر رشد يعز فيه الدين وينصر كتابه. يعبر عن حمد الله وشكره على نعمه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾. إن سنة الله جل وعلا في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل ماضية إلى قيام الساعة، ولله الحكمة البالغة في ذلك. عباد الله، إن حملة شرسة يقوم بها أعداء هذا الدين تجاه أهل هذا الدين، وتمثلت في الأيام القليلة الماضية وما قبلها في مقام نبينا الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجنابه العظيم، نبي الأمة أجمعين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد ولد آدم ولا فخر، محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، خليل الرحمن الذي شهدت له البشرية جمعاء بعظيم مقامه وعلو منزلته ورفيع درجته وجوامع فضائله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. شهد له الأعداء قبل أن يشهد له الأحباء، شهد له المخالفون قبل أن يشهد له المتابعون الموافقون. فسيرته العطرة وما كان منه صلى الله عليه وسلم مما نقل بالنقولات المحققة والأخبار الصحيحة المثبتة، ما كان كافيًا في إثبات عظيم منزلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكفى بها شهادة أن يشهد له ربنا سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، رب العالمين الذي قال في كتابه الكريم: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فَمِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. فهو يصطفي من خلقه ما يشاء، وقد اصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لختم الرسالات، ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون له المقام الأمين عليه الصلاة والسلام. فهو الذي أكرمه الله جل وعلا بأعظم الكرامات، وخصه صلى الله عليه وسلم بأعظم الخصائص والعطيات عليه أفضل الصلاة والسلام. فخصه فيما خصه في نسبه، فنشأ في أعظم نسب. وخصه ربنا سبحانه وتعالى في كمال خلقه وخلقته، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وخلقته صلى الله عليه وسلم الكاملة وأخلاقه الرفيعة العالية وسيرته العطرة مليئة بشواهد ما أخبر الله عز وجل به. فكيف يجرؤ أحد أن ينتقصه بنوع من أنواع الانتقاص أو يرميه بفرية من أنواع الفرية؟ فإنه إن دل على شيء، دل على سفاهة قول قائله ودناءته وسقوطه، حتى لم يستطع أن يقابل الحق إلا بالكذب والبهتان الذي أول ما يحول ويحور على صاحبه. وفي هذا المقام ما ينبغي أن يقوم به المسلمون ويتذاكر به الناصحون، فنقف فيه وقفات لعل الله عز وجل أن ينفعنا بما يكون عولنا في إصلاح ديننا ودنيانا. أول هذه الوقفات أن نعلم أن ما يجري ليس بجديد، فقد مضى مثله في تاريخ البشرية لأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ولنبينا عليه أفضل الصلاة والسلام خاصة. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الصراع بين أهل الحق والباطل. وقفة أخرى أن نعلم عباد الله أن سنة الله جل وعلا ماضية، سنة الله جل وعلا ماضية بأن كلمة أهل الحق هي العليا، وكلمة أهل الباطل هي السفلى. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. فمهل الكافرين، أمهلهم رويدًا. يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. سنة الله جل وعلا ماضية. ورب ضارة نافعة، بينما كان المشركون يقفون في أبواب مكة يحذرون الداخلين إليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان سببًا في السؤال عنه والتعرف عليه عن قرب، فكان بذلك إسلامهم ودخولهم في دين الله جل وعلا. وهكذا كذلك ما يفعله الأعداء، لله الحكمة البالغة. كثير من هؤلاء يبثون ذلك بما كان سببًا في تنبه الكثير من الغافلين عن هذا الرجل الذي ربما لم يسمعوا به عن قرب، بما يجعلهم يقرؤون في سيرته ويقفون عن حقيقة دعوته، بما يجعلهم يدخلون في دين الله سبحانه وتعالى أفواجًا. فلله الحكمة البالغة في ذلك. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. ولو تأملنا ما حصل من خير للإسلام والمسلمين في هذه الوقائع التي حدثت، لعلمنا عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى فيما يمضيه من ابتلاء وامتحان لأهل هذا الدين. وقفة أخرى، عباد الله، أن نعلم أن لله حكمة أخرى، أن يُرغم لرسوله صلى الله عليه وسلم الأجر بما يكون من الأجور الكثيرة التي تتبعه بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. أما من أتباعه، فمن دعائهم له ومتابعتهم لسنته ونصرهم لدينه، وكلها أجور عظيمة تتبعه صلى الله عليه وسلم. يعظم الله عز وجل له بها الأجر، بل الأجور العظيمة الكثيرة. ومن أعدائه، بالتطاول عليه وبما يصنعونه، بما يكون كذلك من إعظام أجره. وفي مقابل ذلك، وقفة أخرى بما يكون من أتباعه تجاه هذه الامتحانات وهذه الابتلاءات، كيف تكون المواقف الشرعية من الغيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجنابه؟ ومن المنافحة عن هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ودينه؟ وما هو الموقف الصحيح الذي يكون به نصرته ونصرة دينه سبحانه وتعالى؟ وما يكون به ومنافحة أعدائه ومنافحة أهل الباطل جميعًا؟ فهو موضع امتحان وابتلاء يميز الله جل وعلا به بين الخبيث من الطيب، وبين المؤمن من الكافر والمنافق من الفاجر. وهذه سنة الله جل وعلا في أنواع الامتحانات والابتلاءات التي يبتل الله عز وجل بها عباده سبحانه وتعالى. وقفة أخرى أن نعلم عباد الله كذلك أن الله جل وعلا ناصر دينه وحافظ جناب رسله ورسوله صلى الله عليه وسلم خاصة. فهو القائل جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾. وغير ذلك من الآيات العظيمة الكثيرة. فجناب نبينا صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله، ومنصور بنصر الله. وكم قد حكى لنا التاريخ وسطر في الكتب وشهدته الأمم مما أجر الله عز وجل من عظيم سنته وعظيم نصره لرسوله ونبيه صلى الله عليه وسلم، مما هو آية وعبرة وعظة وذكرة لكل معتبر ومتعظ. أعداءه الذين كانوا يعادونه، أمضى الله عز وجل فيهم سنته. فمنهم من أخذته الصاعقة، ومنهم من أكلته السباع، ومنهم من سلط الله عز وجل عليه أقرب الناس إليه، ومنهم من غير الله عز وجل قلبه، فرده في هذا الدين بعد أن كان عدوًا لدودًا، صار متوددًا خاضعًا متابعًا منافحًا مناصرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. أليس الله بكاف عبده؟ ويخوفونك بالذين من دونه. إنك بينك المستهزئين. إلا تنصروه فقد نصره الله. سنة الله سبحانه وتعالى ماضية. وقفة أخرى، عباد الله، أن نعلم أن الله جل وعلا يمتحننا بهذه الامتحانات والابتلاءات التي تمر بنا وبأمتنا، ليميز الخبيث من الطيب، ويعلم الحق من الباطل. وبه ينبغي أن نعلم وأن نعرف أن الصواب الذي ينبغي أن يتبع والحق الذي ينبغي أن يلتزم، ليس بالعواطف ولا بالهتافات والصراخات، ولكن بالعلم والهدى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بما يكون من نصائح العلماء الراسخين العارفين، وتوجيه الدعاة المخلصين الذين يوجهون هذه الأمة لما فيه الخير لها في عاجل أمرها وآجلها. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن الكثير من المواقف تحتاج إلى وقفة، وأن توزن بالميزان الشرعي الصحيح، ميزان الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. وعند ذلك يُعرف الصواب من الخطأ، بل أحيانًا قد يكون بعض الصواب يقابله ما هو أصوب منه. فقاعدة درء المفاسد واتباع المصالح قاعدة شرعية عظيمة تظافرت بها نصوص الكتاب والسنة. يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. سنة الله ماضية في الامتحان والابتلاء ليميز الخبيث من الطيب. فليس الشأن كل الشأن أن تصرخ فتكون بذلك غيورًا لدين الله مناصرًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، إذ بعض الصمت وبعض السكوت يكون به النصر الأعظم، ويكون به كذلك الغيرة الأعظم لله ولرسوله ولدين ربنا سبحانه وتعالى. فإذا كان الذهاب في نصرة هذا الدين مما يحبه الله، فكذلك الصمت والهدوء والسكينة بما يكون به نصرة هذا الدين، فهو مما يحبه الله. ولذلك علينا أن نزن المواقف وهكذا كذلك تلك الصراخات بالموازين الشرعية، لا بالعواطف. وعندها يميز العقلاء بين علماء أهل السنة، علماء الكتاب والسنة الذين يدعون الأمة إلى ما فيه رشدها في عاجل أمرها وآجلها، وبين علماء العواطف والثورات الذين تسيرهم العواطف والهتافات، ولا يدرون إلى أي واد تنتهي بهم الأمور. ربما يكون استدراج من أعداء الله يستدرجون به المسلمين ليرموا بهم في أحضان الفتن، أو يستدرجوهم ليوقعوهم بمفسدة أعظم مما هم فيه. فلذلك علينا أن نميز عباد الله بين المواقف الصائبة الصحيحة والمواقف الخاطئة التي ربما يغطيها ويلبس أمرها تلك العواطف والحماسات. ودين الله جل وعلا إنما ينصر بالعلم والهدى الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقفة أخرى، عباد الله، نقفها مع أنفسنا معاشر المسلمين، ونحن يقارب المليار وربع المليار يملؤون الأرض. ومع ذلك ليحدث كل مسلم ومسلمة نفسه، أين نحن من نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه في أنفسنا وفي أبنائنا وفي مجتمعاتنا؟ أين نحن من حقيقة العداوة لأعداء هذا الدين وهؤلاء البغضاء اللعناء الأشقياء الذين ظهر ما ظهر وما تخفي صدورهم أكبر؟ فإننا إذا نظرنا إلى حال أكثر المسلمين -إلا القليل ممن رحم الله- لوجدته ممن يقف وقفة سوداء في متابعة هؤلاء الكافرين في سلوكياته وأخلاقه ومواقفه في نفسه وفي أهله وولده وفي حاله بمجتمعه. بما لا يكون من الإنصاف أن تخرج هذه الجماهير من شعوب المسلمين متظاهرة في عديد من بلاد ومدن الإسلام والمسلمين. وله نظر الواحد إلى نفسه في لبسه وزيه، لوجد أنه لا ينصر رسول الله بل ينصر أعداء الله. هذا حلق لحيته، وهذا يتناول الخمر بالحشيش، وذاك يغرب الزنا، وتلك تركت الحجاب، وذاك قد اغتبى الغرب في ذوق ذاته، فهو لا يترك منهم قليلًا ولا كثيرًا. وربما يعادى أهل الغدو والصلاح، ويحاربهم ويقف بطريقهم أعظم من وقوف أعداء هذا الدين أمام المصلحين الذين يريدون إصلاح الأرض بعد فسادها. وبعد ذلك الكل يقول: إلا رسول الله! وكل يقول: ننصر رسول الله! أين نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه سبحانه وتعالى؟ وأنت أحد المحاربين لله ورسوله ولأتباعه ودينه، وأنت أحد جنوب أعداء هذا الدين الكافرين والفاجرين، بما يكون من بذل الشر والفساد في الأرض. أين هؤلاء وهذه القنوات الفضائية الخبيثة التي ما تركت بيتًا ولا كذلك مكانًا إلا وقد دخلته وأدخله الكثير من المسلمين وللأسف؟ أين هؤلاء الذين يصرون رسول الله ويحبونه ويريدون المنافحة عن عرضه ومقامه من موافقتهم السيئة في نصرة هذا الدين؟ وفي كونهم حجر عثرة أمام الدعاة والمصلحين في المجتمعات؟ فإذا نادى المنادي بالحجاب، قال بلسان الحال أو المقال: هذه رجعية! وإذا نادى المنادي بما ينادي به من الإصلاح للمجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الناس إلى الخير والفضيلة، لقال: دعوا الناس وشأنهم! دعوا الناس وشأنهم! وغير ذلك من العبادات وتلك المواقف السيئة التي اندلت على شيء، دلت على حقيقة ما يذكر في هذا المقام، مما يقتضي وقفة صادقة في نصرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقفة أخرى، عباد الله، تكون لكل من له عقل وإنصاف في معرفة حقيقة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ سيرته ويقف على تاريخه عن قرب. فإنه من وقف في ذلك الموقف لن يجد بدًا إلا أن يعترف له بالفضل، ولو منعه من متابعته مانع من شهوة أو ملك أو غير ذلك. فهذه رقة عظيم الروم كما جاء بالصحيحين من حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان حين بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل عن حاله وعن سيرته وعن نسبه وعن ما يدرى إليه وحال أتباعه. قال: إن كان ما تقول حقًا فإنه رسول الله، وسيملك موضع قدمي هاتين. قال ذلك بإنصاف. فلما أراد أن يسلم وعرض ذلك على شعبه، فإذا بهم يثورون عليه، وقد أغلق عليهم الأبواب. فرجع خوفًا على ملكه وعلى منصبه. فقال: إنما كنت أمتحنكم! فعند ذلك رضوا له وخروا له ساجدين. فاعتبروا بالفضل والحق والصدق، ولكن منعه من متابعته ملكه ومنصبه وما هو عليه. فلن يكون الذين يبحثون للإنصاف عن سيرته عن قرب، لم يجد بدًا إلا بالاعتراف بالفضيلة. فإذا كان كذلك، لنكن مما نقوم به في نصرة هذا الدين ونصرة رسوله، تعريف الناس بحقيقة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواقفه وما كان عليه صلى الله عليه وسلم. عز وجل أن يلهمنا رشدنا، وأن يوفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما يذكر في هذا المقام أن نعلم عباد الله أن الواجب على المسلمين جميعًا بذل الجهود الكثيرة والتعاون فيما يكون به نصرة هذا الدين ونصرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ولكن بالضوابط الشرعية والقواعد المرعية التي دلت عليها الشريعة الغراء. وهكذا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم السمحاء التي يكون بها جلب الناس إلى دين الله جل وعلا، وعدم إدخال الشر والفتن على أهل هذا الدين بالحوارات وبالردود العلمية والمناقشات. وهكذا بما يكون كذلك من منابذة أعداء هذا الدين المنابذة الصحيحة وفق الضوابط الشرعية. وبما يكون كذلك من أمري المطالبة الصحيحة الواقعية التي يكون بها معاقبة هؤلاء المعتدين، لو لم يكن إلا ما يثيرونه من فتن تجلب الشر على شعوبهم، وغير ذلك مما تقره الشريعة ويطلبه الشرع، ليس بالعواطف والحماسات، ولا بالتصرفات العشوائية الهوجاء التي تدخل الشر والفتن على الإسلام والمسلمين. فإن مثل ذلك لا تقره الشريعة، وليس له في صالح هذه الأمة إلا ما يكون به الشر في عاجل أمرها وآجلها، مع ما فيه من تشويه جمال هذا الدين وتشويه صورته. وهذا من أعظم التنفير عن دين الله عز وجل. وإن كان هناك ما يجب أن يكون، فليكن بالطرق الشرعية الصحيحة التي تقرها الشريعة، لا بالمواقف الارتجالية التي لا يدرى ما منتهاها وما هي عواقبها؟ فضلًا عما قد أثمرته هذه الفتن من عواقب سيئة عاجلة. فإننا لا نرضى أن يتسلط الأعداء على المسلمين أو على فرد من أفرادهم، لا من قريب ولا من بعيد. فكيف يرضى الواحد أن يدخل على نفسه وعلى أمته وعلى شعبه وعلى أهل بلده ما يكون به مثل ذلك وأعظم؟ فلذلك، عباد الله، يكرر ويكرر أن الواجب على أهل الإسلام أن ينضبطوا أنفسهم بالعلم والهدى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الميزان العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل تنزيل من حكيم حميد. ميزان الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به، فقد اهتدوا. وإن تولوا، فإنما هم في شقاق. فسيكفيكهم الله، وهو السميع العليم. نسأل الله جل وعلا أن ينصر الإسلام والمسلمين. اللهم انصر الإسلام والمسلمين يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الأمة أمر رشد يعز به أولياؤك وينصر به دينك وينتقم فيه لرسولك صلى الله عليه وسلم في عاجل أمرها وآجلها. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين. اللهم فرج عن المستضعفين من المسلمين في كل مكان. اللهم فرج عنهم في بورما، اللهم فرج عنهم في فلسطين، وفرج عنهم في سوريا، وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه دينك وينصر به كتابك ويتابع فيه رسولك صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين.