الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 121، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُثني الشيخ على الصحابة وتابعيهم لما لهم من دور كبير في نشر الإسلام بأخلاقهم الفاضلة. بينما ينتقد حال بعض المسلمين اليوم الذين ينفرون الناس من الإسلام بسبب سوء أخلاقهم.
يتحدث عن مشكلة تنفير بعض المسلمين عن الإسلام ويحذر من خطورة هذا الأمر، مؤكدا على أهمية أن يكون المسلم داعية حقا. كما يشير إلى تأثير الغزو الفكري على بعض الدعاة والعلماء.
يشرح مفهوم الاجتهاد وضرورة قبول الحق ورد الخطأ عن الأئمة المجتهدين، ويفرق بينهم وبين غيرهم من الناس. ويبين أن ليس كل أحد يستحق الاعتذار له عند الخطأ.
يُعبر عن ختام الرسالة بالحمد لله على نعمه ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُظهر الامتنان لله ويُثني عليه، ويُكمل الرسالة بالصلاة والسلام على النبي.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول الشيخ العلامة الناظم حافظ الحكمي رحمه الله تعالى: «بدور تم سوى أن البدور لها غيبة أبدا والنقص مضطرد»، أي أن هؤلاء الأعلام الذين نقلوا لنا هذا الدين من الصحابة ومن جاء بعدهم هم البدور، وهم الأقمار التمام، أي أنهم بدور تمام كالبدر التمام، ولا تغيب علومهم عن الناس، وما ورثوه الأمة من علم غزير. وأولى هؤلاء هم صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لذلك قال إمام القيم رحمه الله تعالى، وهو يثني عليهم: «أولئك أتباع النبي وحزبه، ولولا هم ما كان في الأرض مسلم، ولولا هم كاد التميد بأهلها، ولكن رواسيها وأوتادها هم، ولولا هم كانت ظلاما بأهلها، ولكن هم فيها بدور وأنجم». الصحابة رضي الله تعالى عنهم هم السبب في إسلام كثير من الناس، أسلم من الناس من الشرق والغرب، فتحوا المشارق والمغارب، دخل الناس في دين الله جل وعلا أفواجا، رأوا ما على الصحابة من الأخلاق الفاضلة ومن التمسك الصحيح، فظهر لهم عظمة هذا الإسلام وعظمة هذا الدين، فسارع أولئك في الدخول في دين الله جل وعلا. كم أسلم من اليهود، وكم أسلم من النصارى، وكم أسلم من الملاحدة الذين كانوا ملاحدة على أيدي صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، لما رأوا من أخلاقهم وتمسكهم العظيم بدينهم. أما اليوم، نسأل الله العافية والسلام، صار من أهل الإسلام من ينفر عن دين الإسلام بأخلاقه وبمعاملاته، ما معه إلا اسم الإسلام، قربه يحافظ على شيء من الفرائض، لكن الأخلاق ليست أخلاق أهل الإسلام، يكذب ويغش ويرتشي ويخادع ويمكر وينافق، وإلى آخره. يأتي اليهود أو نصراني يشتري من عنده سلعة أو قيمتها ألف ريال أو خمسة آلاف ريال، فيعطيه مبلغا ويعلم أنه قد سرق منه ولم يعطيه باقي المبلغ، وعندها يقول: هذه شطارة، خدعت هذا اليهودي، خدعت هذا النصراني، اشترى من عندي بضاعة بألف وأخذت عليه أكثر من ذلك، والمسكين لا يعلم أن هذا اليهودي والنصراني يعلم أنه أخذ، فيقول: هؤلاء أصحاب دين، أصحاب أمانة. أما الصحابة رضي الله تعالى عنهم، السلف الصالح، قد ضربوا أروع الأمثلة في إظهار هذا الدين، المظهر الذي يجب أن يظهر به. يأتي يهودي ويشتري بضاعة ثم يذهب يتركها، ربما يأتي بعد عشر سنين، وقد ربما نسيها هو، فيذكره هذا المسلم، يقول: يا فلان، لك بضاعة قبل عشر سنوات ذهبت وتركتها، خذها. كيف لا يتأثر هذا بأي دين عند هؤلاء يدفعهم ليفعلوا مثل ذلك؟ هذا الدين الذي أورده، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وتابعوهم بإحسان قد أظهروا هذا الدين المظهر العظيم، فدخل الناس دين الله. أما اليوم، ابتلينا بأناس من أهل الإسلام ينفرون عن الإسلام باسم الإسلام، أهل الإسلام ينفرون عن الإسلام باسم الإسلام، هذه مشكلة، ظلمات بعضها فوق بعض، ينفر عن الإسلام، والذي ليس بمسلم الأمر سهل إذا كان ينفع الإسلام وهو كافر، لكن مشكلة ينفر عن الإسلام وهو مسلم، هذه مشكلة ثانية، ومشكلة ثانية باسم الإسلام. ويأتي يقول: هذا رأيي الشخصي، لا يقول: هذا هو الدين، هذا هو الإسلام، فالآمر جد خطير. فلذلك الواجب على المسلم أن يظهر بالإسلام الحق، وأن يكون مسلما حقا، ليس شكلا، وإنما يكون مسلما ظاهرا وباطنا، وخاصة الدعاة، وخاصة كذلك من نصب نفسه للدعوة إلى هذا الدين. للأسف الشديد، هناك من يشار إليه بالبنان، وأنه من العلماء، وعند الناس عالم من العلماء، وهذا المسكين قد دخل عليه الغزو الفكري من قبل أعداء الإسلام، فربما يحاضر محاضرة طويلة العريضة يحذر فيها من الغزو الفكري من قبل أعداء الإسلام، وأن أهل الإسلام قد غزونا في ديارنا، وأن أعداء الإسلام قد غزونا في مدارسنا، قد غزونا في أسواقنا، قد غزونا في ملابسنا، قد غزونا، وهو لابس للكرافته، يقول: قد غزونا، وقد غزونا، أعداء الإسلام، وينسى المسكين وقد غزوا في نفسه. قالوا: هم مدى الدهر ما زالت مآثرهم في جدة وانجلاء، منذ ما وسدوا آثارهم باقية في الناس. وكما قال محمد رحمه الله تعالى: ما أحسن آثارهم في الناس، وما أسوأ آثار الناس عليهم، رحمة بالناس، هؤلاء لما بثوه من العلم ونصح به. لكن هناك من الناس من ربما ينظر إلى العلماء أو إلى هؤلاء بمنظار سيء، وربما يتنقصهم، وهم رحمة بهم، وهم رحمة به، بيّنوا له الرشاد من الضلال، والهدى من الغواية، وهذا يطعن فيهم، الجاهل عدو نفسه، الجاهل عدو نفسه، فكيف لا يكون عدوا لغيره؟ يريد إلا الظلام، لا يريد أن يعيش على نور وعلى فهم صحيح وعلى طريق سليم، وإنما يريد أن يعيش بين الظلمات كالخفافيش. قال: أولئك الملأ الغر الأولى، ملأ الأقطار علما، وغير ذلك مما اعتقدوا، ملأ الأقطار بالعلم، تذهب إلى الهند فهناك أهل حديث، تذهب إلى أمريكا هناك سلفيون، أهل أثر، أهل كتاب وسنة، تذهب إلى أقصى الدنيا من هذه الجهة تجد من يدرس علم البخاري وعلم الشافعي وعلم غيرهم من الأئمة والعلم، تذهب إلى أقصى البلاد من هذه الجهة تجد كذلك، فأقطار الدنيا قد ملأت بعلوم هؤلاء، وهذا من الخير العاجل والبشرى العاجل لهم في الدنيا بأن جعل الله جل وعلا علومهم منتشرة، وينتفع بها في مشارق الأرض ومغاربها. لا يستطيع أن يذكر الاسم كاملا، لكنه يعرف ويلفظ باسمه هذا الإيمان، من صاحب كتاب كذا، يقول: شافع، يقصد الشافعي، وإن كان لا يستطيع أن يأتي بالاسم، لكن يعلم يقصد من، وهكذا حتى الذي لا يستطيع أن يأتي بالاسم كاملا يأتي ببعض الأحرف، رفعة من الله جل وعلا. قال: كل له قدم في الدين راسخة، وكلهم في بيان الحق مجتهد، فإن أصاب له أجران، وإن أخطأ له أجر، لأنهم جميعا من أهل الاجتهاد، فلذلك لا يتعصب لقول أحد منهم، وكلهم قصده إصابة الحق والقول به، لكن مع هذا قد يخطئ، ولا يكون الحق حليفه، فلذلك يقبل الحق منه، ويرد الخطأ مع الإجلال له. رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لماذا؟ لأنهم أئمة مجتهدون، فيرد الخطأ ولا يلامون، ويطعن فيهم لأنهم أهل الاجتهاد. وغثبت عن الله سلم في الصحيحين عن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر»، فهم بين الأجر والأجران، فيقبل الحق ويرد الخطأ مع الاعتذار للمخطئ، لأنهم من أهل الاجتهاد، ولأن قصده الحق، فيفرق بين من كان هذا حاله وبين من هو ليس كذلك. ليس كل أحد يعتذر له، لا، وإنما هو صنف خاص من الناس توفرت فيهم أوصاف بينها السلف، أن من توفرت فيه الواجب في حقه أخذ الحق ورد الخطأ، وليس لكل من هب ودب ينصب نفسه إماما مجتهدا وهو ليس كذلك، ثم يأتي بالطامات وبالفتاوى السريعة في هدم الشريعة، ثم يقول: اعتذروا لي كما اعتذرتم للشافعي، وكما اعتذرتم لشيخ الإسلام، وكما اعتذرتم للنووي، وكما اعتذرتم لابن حجر، لماذا لا تعتذرون لي؟ ما الفرق بيني وبين ابن حجر؟ ربما أنا أطول منه، ليس الطول وقصر القامة، الأمر اجتهاد، والأمر أوصاف لا بد أن تتوفر حتى تكون من هذا الصنف الذي هو حقا من أهل الاجتهاد. قال رحمه الله تعالى: والحق ليس بفرد قط منحصرا، إلا الرسول هو المعصوم، لا أحد كما تقدر، المعصوم هو رسول الله عليه الصلاة والسلام. صلى الله عليه وسلم، صلاة من الله جل وعلا على نبيه، هو السنى عليه الحن والعطف منه جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: صلاة له ودعاء له بالصلاة والسلام ما جرت الأقلام بالمداد، فصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمراد صلي عليه صلاة كثيرة، وأسلم عليه سلاما كثيرا. قال: والآل والصحب ثم التابعين لهم، والحمد لله لا يحصى له عدد. وهكذا الصلاة على الآل والصحب، الصلاة على الآل رد على الخوارج الذين يبغضون آل البيت ولا يصلون عليهم ولا يدعون لهم، والصلاة على الصحب رد على الروافض الذين لا يصلون على صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ولا يدعون لهم ولا يثنون عليهم. والآل، آل النبي عليه السلام المراد بهم آل البيت بن هاشم وبن عبد المطلب، إذا ذكر الآل، إذا قرن الآل بالصحب، إذا قيل: آله وصحبه، المراد بالصحب الصحابة من غير آل البيت، وإذا قيل: وآله وسلم، فيدخل في الآل آل البيت وأهل البيت والصحابة الآخرون، لأن الآل بمعنى الأتباع، وأتباع النبي عليه السلام منهم من آل البيت ومنهم من غيرهم. والحمد لله لا يحصى له عدد، أي الحمد الذي الحمد لله جل وعلا الذي لا يحصى له عدد. ونكون بهذا قد أكملنا هذه الرسالة، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.