الجواب الكافي 5

الدرس في الجواب الكافي 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الدعاء وعلاقته بالبلاء

الدعاء هو سلاح المؤمن الذي يمنع نزول البلاء أو يخففه، وهناك ثلاث مقامات بين الدعاء والبلاء تحدد تأثير الدعاء في البلاء. الدعاء قد يدفع البلاء أو يخففه إذا كان أقوى منه.

فضل الإلحاح في الدعاء وآثاره

الإلحاح في الدعاء له فضل كبير حيث يحبه الله جل وعلا، ويغضب إذا لم يسأله العبد، كما أن الذنوب قد تمنع الاستجابة. الإلحاح في الدعاء يعتبر من أهم الأمور التي تقرب العبد من ربه.

آفات الدعاء وآثار الاستعجال

الاستعجال في الدعاء يعتبر آفة تمنع ترتب أثر الدعاء، وحكمة الله جل وعلا أن جعل الأمور بالتدرج، والصبر على الدعاء والإجابة من أهم الأمور. الله يحب الملحين في الدعاء ولا يستجيب لمن يستعجل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي هذا الفصل الذي ذكره الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى فيما يتعلق بأنفع الأدوية، وهو الدعاء. فإن الدعاء من أنفع الأدوية، ولذلك ذكر رحمه الله تعالى أن الدعاء عدو البلاء، فالبلاء عدوه الدعاء؛ لأنه يدافعه. البلاء يدافعه الدعاء، فلذلك كان الدعاء عدو البلاء؛ لأنه يمنع نزوله، أو يرفعه، أو يخففه. وهو سلاح المؤمن. الدعاء سلاح المؤمن، وهذا المعنى الصحيح، وإن كان الحديث الوارد في هذا فيه ضعف، الذي ذكره رحمه الله، وهو حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض». هذا الحديث لم يثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، بل هو حديث موضوع، فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، وهو متروك، قد ضعفه العلامة الألباني في «الضعيفة»، وغيرها. ومحمد بن حسن كذبه النسائي، وهكذا أبو داود. وهكذا هذا الحديث فيه انقطاع؛ لأنه من رواية علي بن حسين عن علي بن أبي طالب، ورواية علي بن حسين عن علي بن أبي طالب مرسلة. فلذلك هذا الحديث لم يثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، ولكن معناه صحيح، وهو أن الدعاء سلاح المؤمن. ولذلك أنبياء الله عليهما فضل الصلاة والسلام كانوا يدعون الله عز وجل إذا لاقوا الأعداء. النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر، دعا الله عز وجل دعاء عظيما، حتى سقط رداؤه، فجاء أبو بكر، قال: كفاك مناشدتك ربك يا رسول الله. فهذا يدل على أن الدعاء من أعظم الأسلحة. الدعاء من أعظم الأسلحة، فلذلك أنبياء الله عند الشدائد، وعند ملاقاة الأعداء، كانوا يتضرعون إلى الله جل وعلا بالدعاء؛ وذلك لعظم هذا السلاح، إذا كان قد صدر من قلب مستحضر لما يقول، ومن قلب خاشع، ومتذلل لله جل وعلا. ذكر رحمه الله تعالى أن الدعاء له مع البلاء ثلاث مقامات. الدعاء مع البلاء له ثلاث مقامات. المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه. يعني يكون الدعاء أقوى من البلاء النازل، فإذا قدر أن بلاء نازل، دعا الشخص بدعاء، وكان دعاؤه قويا، صدر هذا الدعاء من عبد قلبه مستحضر لما دعا به، ومن شخص قد تجرد عن الحرام في مطعمه، وملبسه، ومشربه، فيدفع البلاء. إذا قوي الدعاء على البلاء، دفع البلاء بإذن الله جل وعلا. لكن يكون الدعاء قويا إذا صدر من العبد المستحضر في دعائه لما يقول، ومن العبد المتقي ربه جل وعلا، فيكون الدعاء قويا، فيدفع هذا البلاء. المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه. وإن كان ضعيفا، قد يصدر الدعاء من العبد، يدعو الله عز وجل، ولكن هذا الدعاء ضعيف. هذا الدعاء ضعيف بسبب ضعف الداعي الذي دعا به؛ فإنه ربما دعا، وقلبه غافل، وقلبه لاه، وقلبه ساه، أو قد تلبس بشيء من الحرام في مطعمه، أو في مشربه، أو في ملبسه، فلذلك يكون دعاؤه ضعيفا، فلا يقوى على البلاء، فيكون البلاء قويا، فيصاب العبد بهذا البلاء، لكن يحصل التخفيف لهذا البلاء. يحصل لهذا التخفيف، يحصل التخفيف لهذا البلاء؛ لماذا؟ لأن الدعاء لا شك أن له الأثر. الدعاء لا شك أن له الأثر، إن لم يدفع البلاء، خففه. إن لم يدفع البلاء، خففه، إذا كان فيه ضعف، فيه استحضار، لكن ضعيف، فيه وجود لمضمون إجابة الدعاء، لكن هناك موانع أيضا. فإذا ما توفرت الشروط التامة والكاملة، التي هي من مضمون إجابة الدعاء، حتى يقوى الدعاء على البلاء، فيدفع ذلك البلاء. المقام الثالث: أن يتقاوما، يقاوم الدعاء البلاء، يتصارعان. الدعاء يصارع البلاء. بلاء نازل، ودعاء طالع من العبد لربه جل وعلا. بلاء نازل على العبد، والعبد يدعو، فعندنا بلاء نازل، ودعاء طالع، وصاعد. كيف الأمر؟ قال: يتصارعان. يصارع البلاء الدعاء، الدعاء يريد عدم حصول البلاء، والبلاء يريد أن ينزل، والدعاء يدفعه. من الذي يغلب؟ الحال الأولى: غلب الدعاء؛ لأنه أقوى من البلاء؛ لأنه صبر من شخص كما تقدم، قلبه حاضر، وقد تجرد عن المحرمات. الثاني: ضعف الدعاء، فغلبه البلاء، فأصيب العبد، وحصل له من التخفيف. الحال الثالثة: يكون الدعاء والبلاء على تماثل، وعلى تساو. دعا العبد ربه جل وعلا، وأراد بهذا الدعاء أن يرفع الله جل وعلا، وأن يصرفه عنه البلاء. وأراد من الله جل وعلا أن يصرفه عنه البلاء، إذا كان الدعاء فيه ضعف، فلا شك البلاء سيزيد عليه، لكن تساوى الدعاء مع البلاء. الدعاء ليس بذلك القوي، نعم، فكان البلاء كذلك ليس بالضعيف، فإذن يحصل تصارع، يحصل تصارع. الدعاء والبلاء يتصارعان، أيهما يغلب الآخر؟ فأيهما غلب، فحصل ما يحصل، إما عدم وقوع البلاء، أو وقوع البلاء. قال رحمه الله تعالى: المقام الثالث أن يتقاوما، يعني يقاوم الدعاء البلاء، ويمنع كل واحد منهما صاحبه. قد روي في ذلك حديث عن هذا حديث عن نبي عليه الصلاة والسلام قال: وقد روى الحاكم في «مستدركه» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان». ومعنى فيعتلجان: أي يتصارعان إلى يوم القيامة. وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى لشواهده، وإلا فقد ضعفه غيره من أهل العلم؛ لأنه من تفرد ذكري ابن منظور، وهو متروك، واهي الحديث. وأيضا في سنده عطاف الشامي، وهو مجهول، وروايته عن هشام بن عروة منكرة. فالحديث لشواهده حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وهذا الحديث هو الشاهد لما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في ذكر هذه المقامات الثلاث بين الدعاء والبلاء. فالدعاء تارة يغلب البلاء لقوة الدعاء، وتارة يغلب البلاء الدعاء لضعف الدعاء، وتارة يتساوى الدعاء مع البلاء، فيتصارعان حتى يقوى أحدهما على الآخر. وذكر أيضا حديثا آخر. حديث عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو كذلك في «مستدرك الحاكم». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء». وهذا أيضا حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بشواهده. وبعض أهل العلم ضعفه؛ لأنه من تفرد عبدالرحمن بن أبي بكر القرشي المليكي، وهو ضعيف، ومتكلم فيه. قيل فيه: إنه «وهاء الحديث»، ومتروك. لكن لأن الحديث له طرق، حسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى هذا الحديث بشواهده. وذكر أيضا حديثا ثالثا، وهو حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القدر، لا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه». وهذا الحديث حسن العلامة الألباني رحمه الله، وهو قوله عليه الصلاة: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر». لكن تكملة هذا الحديث ضعفه، وهو قوله: «وإن الرجل لا يحرم الرزق بالذنب يصيبه». هذا ضعفه العلامة الألباني. وضعف هذه الزيادة، وحسن قوله: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر». وبعض أهل العلم ضعف الحديث بكامله؛ لأن في إسناده عبدالله بن أبي الجعد، قال الذهبي رحمه الله تعالى: فيه جهالة، وروايته كذلك عن ثوبان قد عنعن فيها. لكن للشواهد حسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى قوله: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر»، دون هذه الزيادة، وهي قوله: «وإن الرجل ليحرم الرزق بدنب يصيبه». ومعناها صحيح. ومعناها صحيح: أن الإنسان أحيانا يحرم الرزق بسبب الذنوب والمعاصي. فربما يقدر له ربنا جل وعلا رزقا، لكن العياذ بالله بسبب شؤم المعصية يحرم ذلك الرزق. يحرم ذلك الرزق، ويحرم ذلك الخير بسبب المعصية التي يقع فيها. فانظروا إلى شؤم المعصية، والعياذ بالله على صاحبها، فتكون سببا لحرمان الرزق من الله جل وعلا، وحرمان الخير من الله جل وعلا. وإلا يثبت الحديث في ذلك، لكن أدلة العامة تدل على هذا. وأن الذنوب والمعاصي من أعظم أسباب حرمان الأرزاق، وحرمان كذلك الخير من الله جل وعلا. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾. وقوم سبأ بسبب معاصيهم حل بهم ما حل. وكم من أمم ذكرها الله في كتابه، وأخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام: أهلكوا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وأصابهم القحط، وأصابهم كذلك الجدب إلى آخر ذلك. وهذا دلنا على شؤم المعاصي على أصحابها. قال رحمه الله تعالى: فصل الإلحاح في الدعاء. قالوا: من أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. قد روى ابن ماجة في «سننه» من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه». وفي «مستدرك الحاكم» من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعجزوا في الدعاء؛ فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد». وذكر الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء». وفي «كتاب الزهد» للإمام أحمد رحمه الله عن قتادة قال: قال مورق: «ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه». في هذا الفصل حث على الإلحاح في الدعاء، وهو أنه على العبد أن يحرس على أن يلح في الدعاء. يلح في الدعاء على ربه جل وعلا، فلا يستكثر كثرة الدعاء على الله جل وعلا. لا أنت كلما أكثرت من دعائك لله جل وعلا، فالله جل وعلا يحب ذلك. يحب من يكثر الدعاء، حتى لو استطعت أن تدعو الله عز وجل أن يصلح شسع نعلك إذا انقطع عليك، إذا كنت تمشي في نعلك، وانقطع النعل، ادع الله عز وجل: «اللهم أصلح لي نعلي». هذا وله في صغير، الله جل وعلا يحب هذا من عبده. لا تقول: أنا أدعو الله عز وجل: «اللهم أصلح نعلي»، لا. يا عبد الله، فالله جل وعلا يحب لو استطعت أن تدعو الله جل وعلا في كل شيء، في أي شيء، حتى في حكة حكة تشعر بها، و«اللهم اذهب عني هذه الحكة». الله يحب ذلك. الله يحب ذلك، فأنت ربما تقول: هذا شيء هاين، ما يحتاج أن أدعو. حكة سهل، بسيط، لا. اعلم حتى هذا يحبه الله جل وعلا. ولو انقطع نعلك، أو شعرت بحكة، أو غير ذلك، ولو كان شيئا يسيرا؛ لأن الله جل وعلا يحب من عبده أن يدعوه جل وعلا، وأن يلح في هذا الدعاء. بعكس إذا أعرض العبد عن الدعاء، فالله جل وعلا يغضب عليه. الله جل وعلا يغضب عليه، فمن يكثر الدعاء أحبه الله. والمنازل عند الله جل وعلا تتفاوت. منازل العباد، فمن كان يكثر الدعاء، فهو في منازل أعلى من غيره ممن قل دعاؤه. ولذلك ذكر هذا الفصل للحث على هذا الأمر، وللترغيب فيه؛ لأن الإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية. من أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. عرفنا أن من أنفع الأدوية الدعاء، ومن أنفع الأدوية أن تلح في هذا الدعاء. الدعاء دواء، لكن عليك أن تكثر من شربه، أن تكثر من شربه. فالدواء الحسن الآن الذي يشرب، يستخدمه الإنسان مرات. ثلاث مرات يومية. مرة في الصباح، ومرة في المساء، ومرة. ثلاث ربما بين الأربع وعشرين ساعة، بين كل ساعة ست ساعات تشرب. طيب تكثر، نعم، لمدة أسبوع. تتعاطى العلاج مدة أسبوع، مثلا يقرر الطبيب في العلاج أن تشرب الدواء لمدة أسبوع، ثلاث مرات يومية، وبانتظام. طيب أنت الآن تدعو الله عز وجل، أصبت ببلاء، عندك. مرات تدعو الله جل وعلا. الدعاء من أنفع الأدوية، لكن أيضا يحتاج إلى استمرار، نعم. ما هو مرة واحدة، قليل. يمر عليك اليوم وأنت دعوت مرة واحدة ربك جل وعلا أن يدفع عنك هذا البلاء. أعطيت الدعاء مرة واحدة، نعم. إذا دعوت مرتين، قليل كذلك. إذا دعوت ثلاث مرات، نعم، قليل. لو استطعت أن تدعو مئة مرة، فافعل. ربك جل وعلا يدفع عنك هذا البلاء، وهذا المرض. تلح في الدعاء، وتكثر في هذا الدعاء. هذا معناه تعاطيك لهذا الدواء بكثرة، بكثرة، وإلحاح. فالله جل وعلا يحب منك أن تتعاطى هذا الدواء بكثرة، وأن تلح في طلبه، وفي كذلك استعماله. ولذلك ذكر شاهد هذا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يسأل الله يغضب عليه». والحديث حسن العلامة الألباني رحمه الله، وغيره من أهل العلم، وهو حسن لأجل أبي صالح الخوزي. قال فيه أبو زرعة: «لا بأس به». فهذه درجة الحديث الحسن. «لا بأس به»، فالحديث حسن؛ لأن في سنده أبا صالح الخوزي، والحديث واضح المعنى. والشاهد منه: أن الذي لا يسأل ربه جل وعلا يغضب عليه. بعض الناس إذا أراد شيئا من أمور الدنيا من رئيس، أو من وزير، أو من أمير، أو من مدير، نعم، ربما يطلب منه ذلك مرات. أريد كذا، أريد كذا، ويلح. وذلك المدعو يغضب. المدير يغضب إذا طلبت منه مرتين، أو ثلاث مرات. ولو كان ملكا، ولو كان وزيرا، رئيسا، بني آدم يغضب إذا أكثرت في السؤال. لكن ربنا جل وعلا لا يغضب. وقال القائل: «فبني آدم يغضب إذا سألته، يقال: فالله يغضب إن تركت سؤاله». وبني آدم حين إذا سألته يغضب. بني آدم إذا سألته: «أعطني»، يغضب. نعم، ما يحب أنك تقول: «لا أعطني». وكيف إذا أكثرت عليه؟ «أعطني، أعطني، أعطني»، لازال يغضب أكثر. الله جل وعلا العكس. إذا سألت، نعم، أحب الله جل وعلا ذلك. إذا أكثرت، أحب الله جل وعلا ذلك. فلذلك عليك بالإلحاح، والإكثار في دعائك لربك جل وعلا. وذكر كذلك بعد ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تعجزوا في الدعاء؛ فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد». وهذا الحديث ضعيف، بل هو ضعيف جدا. فيه عمر بن محمد بن صحبان، وهو واهن. ضعف العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وغيره من أهل العلم. ومعناه صحيح. ومعناه صحيح: أن الإنسان لا يعجز في الدعاء. لا تبخل يا عبد الله على نفسك بالدعاء. لا تبخل على نفسك. بعض الناس، أو كثير من الناس، يبخل على نفسه بالدعاء. هذا بخيل. تبخل على نفسك بالدعاء. تدعو الله عز وجل خيري الدنيا والآخرة، فلا يعجبك من عباد الله جل وعلا الذي لا تمر عليهم الساعة إلا وكان لهم فيها دعاء. لا تمر الساعة إلا وكان لهم فيها دعاء. وأكثر، وأكثر. بل لو استطعت أن لا تمر عليك اللحظات إلا ولك في هذه اللحظات كذا وكذا من الأدعية، فذلك أفضل، وأكمل. يدل على رغبك لربك جل وعلا، وإلحاحك، وذكرك لله جل وعلا، وعدم غفلة قلبك عن الله جل وعلا. وأما الذين غفلت قلوبهم، فهم الذين يغفلون. غفلت قلوبهم، صارت لاهية في أمور الدنيا. ولذلك عجزوا، وبخلوا على أنفسهم. بخلوا على أنفسهم حتى بالدعاء. فكم من بلايا، وكم من مصائب، وكم من أمراض قدرت عليهم؟ كانوا هم سببا في وقوعها عليهم. كانوا هم سببا في وقوعها عليهم. تسببوا؛ لماذا؟ لأن من أسباب رفع البلاء الدعاء. لا يرد القدر إلا الدعاء. وكله بأمر الله جل وعلا. الدعاء، القدر، البلاء بقدر، والدعاء بقدر. لكن الذي لم يتعاطى السبب، فوقع به البلاء، كان مفرطا. كان مفرطا؛ حيث أوقع البلاء بنفسه؛ لأنه ترك سببا يدفع به هذا البلاء. فهو الذي تسبب في إيقاع البلايا بنفسه، والمصائب. ثم يقول: من أين هذا؟ ومن أين هذا؟ من نفسك يا عبد الله، وبما كسبت يداك، وبسبب تفريطك، وبسبب غفلتك عن ربك جل وعلا، وركونك إلى أمور الدنيا، والإلحاح فيها. أما إلحاحك لربك جل وعلا، وتضرعك، فهذا أنت في غفلة عنه. والله المستعان. ثم قال رحمه الله تعالى: وذكر الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة. وهذا أيضا لم يثبت، فهو منكر كذلك. فهو منكر كذلك؛ وذلك للتفرد فيه، وذلك للتفرد في هذا الحديث، أو في هذا. نعم، في هذا الحديث، والانقطاع كذلك، والانقطاع كذلك. وذكر بعد ذلك حديثا آخر، وهو قول عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب الملحين في الدعاء». وهذا الحديث موضوع. رواه الطبراني في «الدعاء»، والعقيلي في «الضعفة». ضعف العلامة الألباني رحمه الله في «ضعيف الجامع»، وغيره. وقال: موضوع؛ لأنه في سنده يوسف بن السفر. قال فيه الدارقطني: «واهن». قال فيه: «متروك». قال فيه: «كذاب». وهكذا أبو زرعة قال فيه: «يضع الحديث». فالحديث موضوع، ولكن معناه صحيح. فالله جل وعلا يحب الملحين في الدعاء. دل عليه ذلك الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه». ففيه الحث والترغيب على كثرة السؤال، والإلحاح. لكن بهذا السند، وبهذا المتن، موضوع، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. ومعناه صحيح. وذكر كذلك عن الإمام محمد بن سيرين رحمه الله تعالى في «كتاب الزهد» عن قتادة قال: «ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه». وهذا الأثر صحيح إلى قتادة رحمه الله تعالى. وفيه: أن مثل المؤمن هذا المثل، مع حاله مع الدعاء، أو في حاله مع الدعاء، كرجل في البحر على خشبة. لو أن رجلا في البحر على خشبة، يخشى الهلاك، يخشى الهلاك. ماذا يقول؟ وماذا يفعل؟ يقول: «يا رب، يا رب»، لعل الله عز وجل أن ينجيه. فأنت هكذا في هذه الدنيا كالرجل الذي هو في بحر على خشبة. كيف ينجو؟ أنت في الدنيا كأنك على خشبة في بحر. تخيل هكذا، استحضر هذا: أنك على خشبة، وفي بحر. لا شك تريد النجاة؛ لأن في البحر أمواجا، وفي البحر كذا وكذا. ويعرف الصيادون كثيرا ما في البحر. طيب وهكذا الدنيا، كم فيها من الفتن؟ كم فيها من المصائب؟ وكم فيها؟ وكم فيها؟ وكم فيها؟ إذن كيف تنجو من هذه الأمواج المتلاطمة؟ نعم، فأنت بحاجة إلى أن تدعو الله عز وجل، وتكثر في ذلك؛ لعل الله ينجيك. ينجيك من هذه الفتن، ومن هذه البلايا. فما أحسن هذا المثل الذي قاله مورق رحمه الله تعالى في مثل المؤمن الذي ينبغي أن يكون في الجنة على هذا الحال. حال الرجل الذي في البحر على خشبة. فلا شك أنه على ابتلاء عظيم، وعلى محنة عظيمة. وهكذا يتخيل نفسه في هذه الدنيا. فما أنفع له من الدعاء أن يرجع إلى ربه جل وعلا، وتضرع له؛ لعل الله أن ينجيه. ثم قال رحمه الله تعالى: فصل من آفات الدعاء. قالوا: من الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه: أن يستعجل العبد، ويستبطئ الإجابة، فيستحسر، ويدع الدعاء. فيستحسر، ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذرا، أو غرس غرسا، فجعل يتعاهده، ويسقيه، فلما استبطأ كماله، وإدراكه، تركه، وأهمله. وفي «صحيح البخاري»، وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل». يقول: «دعوت، فلم يستجب لي». وفي «صحيح مسلم» عنه: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». قل: «يا رسول الله، وما الاستعجال؟» قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء». وفي «مسند أحمد» من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل». قالوا: «يا رسول الله، كيف يستعجل؟» قال: «يقول: قد دعوت، قد دعوت ربي، فلم يستجب لي». هذا الفصل ذكر لبيان بعض آفات الدعاء. هناك الكثير من الناس من يدعو، من يدعو الله جل وعلا، إلى أدعية كثيرة، لكن هناك آفات، هناك آفات لا ينتبه لها حال الدعاء. فحرمان الإجابة من الله جل وعلا قد يكون بسبب هذه الآفات، بسبب هذه الآفات. وإلا لو تفطن الإنسان لهذه الآفات، وانتبه لها، لكان ذلك من إجابة دعائه من الله جل وعلا؛ الذي هو سبحانه وتعالى له الملك كله جل وعلا، ويحب من عباده أن يدعوه سبحانه وتعالى. من هذه الآفات: الاستعجال. من هذه الآفات: الاستعجال. فالاستعجال آفة. الاستعجال آفة، سبب لمنع ترتب أثر الدعاء، وهي الإجابة من الله جل وعلا. بعض الناس يزرع اليوم، أو يبذر اليوم، ويلقى الثمر الساعة. هذا لا يمكن. تبذر أول الصباح، وتريد الثمر العصر، لا. هذا ينافي الحكمة. حكمة الله جل وعلا أن جعل في ملكوته ما يكون سببا لحصول الخير. الولد ما يأتي، وبتتزوج الليلة، وغدا الولد، ما يمكن، ما يمكن، نعم. وهكذا الأمراض الحسية، نعم. عندك مرض، تريد الشفاء الآن. تشرب الدواء في الحال، لا. حكمة الله جل وعلا أن تكون الأمور بالتدرج، تحصل بالتدرج. هذه حكمة. تأملوا في خلق السماوات، وفي خلق الأراضين، في خلق الجبال، في خلق البحار، وفي خلق الإنس والجان، هل كان في يوم واحد؟ الله جل وعلا قادر أن يقول: «كن فيكون» كل شيء، لا. يعزز شيء. السماوات والأراضون، والإنس والجان، كله يكون بكلمة واحدة: «كن». لكن الله الحكمة البالغة، كان الملكوت بتدرج. فالتدرج حكمة لله عز وجل في كثير من الأمور. فلذلك الشفاء كذلك يحتاج إلى أن تأخذ بأسباب الشفاء منه، يعني المرض. تأخذ بأسباب الشفاء منه، وتصبر، ولا تستعجل. ولعل هذا المقام يحتاج إلى مزيد بيان، وتفصيل، وتعليق. قد انتهى الوقت، نتركه للدرس اللاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أكبر. شكرا للمشاهدة، شكرا للمشاهدة، شكرا للمشاهدة.