شرح فتح المجيد 21

الدرس في شرح فتح المجيد 21، ألقاها

معنى لا إله إلا الله وتفسير العلماء لها

يناقش معنى لا إله إلا الله وتفسير العلماء لها، حيث يشرح الحافظ ابن رجب والعلامة البقاعي والعلامة الطيبي معنى هذه العبارة وأهمية الإذعان والعمل بمقتضاها. يوضح أن صرف العبادة لغير الله عز وجل يعتبر قدحًا في توحيد الشخص وإخلاصه.

جهل المشركين المتأخرين وتأثيره على توحيدهم

المشركون المتأخرون يجهلون معنى لا إله إلا الله ويعتقدون أنها تعني لا خالق إلا الله، مما يجعلهم يشركون بالله في العبادة رغم قولهم لا إله إلا الله. هذا الجهل يؤدي بهم إلى الشرك وعبادة غير الله.

الشرك في الألوهية بين المشركين الأول والمتأخرين

المشركون الأولون كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ويشركون في الألوهية، ويتقربون إلى آلهتهم ليقربوهم إلى الله، وهذا نفس حال المشركين المتأخرين الذين يعبدون أصحاب القبور لتقريبهم إلى الله، فلا فرق بينهم في الشرك.

التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مر معنا كلام الشيخ رحمه الله تعالى حينما ذكر كلام العلماء رحمهم الله تعالى في معنى الإله. فذكر رحمه الله تعالى عن أبي عبد الله القرطبي رحمه الله أنه قال في تفسير «لا إله إلا الله»: أي لا معبود إلا هو. هل معنى هذا: لا معبود إلا هو، أن كل معبود هو الله؟ وأن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى أراد بهذا النقل هذا المعنى؟ أم أراد الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى أن يقرر أن القرطبي رحمه الله تعالى يقول: إن الإله بمعنى المعبود؟ واضحٌ يا جماعة، ها هنا القرطبي يقول: «لا معبود إلا هو»، هل معناه أن كل معبود فهو الله؟ أم أن معنى هذا: أنه لا يستحق العبادة إلا الله؟ هيا يا جماعة، المراد الثاني واضحٌ أم لا؟ لذا الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى ذكر هذا النقل عن أبي عبد الله القرطبي ليقرر هذا الأمر، ليقرر أن الإله يأتي بمعنى المعبود، أن الإله يأتي بمعنى المعبود واضحٌ يا جماعة. ولم يرد ولم يرد أنه «لا معبود إلا هو» معنى أنه «ما عبد إلا الله» واضحٌ يا جماعة. فقول أبي عبد الله القرطبي: «لا معبود» أي حق، واضحٌ يا جماعة. لا، لابد من تقدير، لابد من ماذا؟ من تقدير «حق» إلا هو، إلا فهو. هذا التقدير معلومٌ من ماذا؟ من قرينة الحال، من قرينة هذا الذكر. وإلا فإن أبا عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، وهو المفسر المشهور، يعلم أنه قد عبد مع الله غيره، يعلم أنه قد عبد مع الله غيره. وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله عندما نقل هذا النقل علم مراد أبي عبد الله القرطبي، وأنه أراد بذلك أنه يدلل على أن من عبد من دون الله عز وجل فعبادته ماذا؟ فعبادته باطلة، وأن الله عز وجل هو المعبود الحق. فأراد الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن يذكر عن إمام القرطبي -كما ذكر عن غيره- أن الإله بمعنى المعبود، أن الإله يطلق ويراد به ماذا؟ كل ما عبد، كل ما عبد. لذا قال: «لا إله» أي «لا معبود»، واضحةٌ يا جماعة. ثم قال: «إلا الله»، «لا معبود إلا الله»، والتقدير: «لا معبود حق» أي يستحق العبادة إلا الله عز وجل. وكما تقدم معنا أن المستثنى مخرجٌ من ماذا؟ من المستثنى منه ومن حكمه، واضحةٌ يا جماعة. المستثنى مخرجٌ المستثنى منه ومن حكمه. فقوله: «لا معبود» لا ينصب على ماذا؟ على المستثنى، لا ينصب على المستثنى، ولكن ينصب على ماذا؟ ينصب على خبر المستثنى منه، واضحةٌ يا جماعة. فلا معبود حق، فالنفي ينصب على ماذا؟ ينصب على المستثنى منه وعلى حكمه. فلا معبود حق إلا الله، واضحةٌ يا جماعة. فهذا تنبيهٌ لما تقدم؛ لأن بعضهم قد يشكل عليه هذا المقام فيقول: كيف يقول: «لا معبود إلا هو»؟ فالجواب هذا ما تقدم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلا». وهذه الأمور -كما ترون- من الأعمال الجليلة، من أعمال القلوب، من الأعمال الجليلة من أعمال القلوب. فقال العلامة ابن القيم: «الإله» أي الإله الحق هاهنا، الذي هو المعبود الحق هاهنا، هو الذي لهه القلوب، أي تتعبده، تتعبد إليه القلوب محبة وإجلالًا، أي محبة وتعظيمًا، وإنابة وإكرامًا وتعظيمًا، وذلًا وخضوعًا، وخوفًا ورجاءً وتوكلا. وهذا يدلنا على معاني من معاني العبودية، معاني العبودية، ومن معاني التأله لله رب العالمين. قال ابن رجب رحمه الله: «الإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا ومحبة وخوفًا ورجاءً وتوكلا عليه، وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل». يقول حافظ ابن رجب رحمه الله: «الإله» أي الإله الحق سبحانه وتعالى، هو الذي يطاع فلا يعصى، أي يستحق أن يطاع فلا يعصى. قل: «أطيعوا الله والرسول يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول». فهو الذي يستحق العبادة مطلقًا، وطاعة الرسول من طاعة الله عز وجل، فالطاعة المطلقة لله رب العالمين. قال: «هو الذي يطاع فلا يعصى»، لا يجوز لإنسان أن يعصي ربه عز وجل. قال: «هيبة» -والهيبة كلمة- إجلال ومخافة كلمة إجلال ومخافة، هيبة له وإجلالًا ومحبة، والإجلال التعظيم، ومحبة وخوفًا ورجاءً وتوكلا، وسؤالًا منه، أي سؤالًا يسأل من الله عز وجل حوائجه، لا يسأل من غيره، لا يسأل من غير الله عز وجل، بل يلتجئ في حوائجه وفي أموره، في سؤالها من الله عز وجل، يسألها من الله عز وجل. قال: «ودعاءً له»، أي أن دعاءه إنما يكون لله عز وجل وحده، لا يدعو مع الله أحدًا، لا يدعو مع الله عز وجل أحدًا، دعاء عبادة، دعاء ماذا؟ دعاء العبادة. وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الدعاء هو العبادة». قال رحمه الله: «ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل»، ولا يصلح ذلك كله إلا لله عز وجل، أي الطاعة المطلقة المصحوبة بماذا؟ بالهيبة والإجلال والمحبة والخوف والرجاء والتوكل، لا يكون إلا لماذا؟ لا يكون إلا لله عز وجل. والدعاء كذلك، والسؤال كذلك، لا يكون بهذا المعنى إلا لمن؟ إلا لله رب العالمين، إلا لله رب العالمين. فهي من العبادة الخالصة، فهي من العبادة الخالصة. والعبادة لا تكون إلا لله رب العالمين خالصة، فمن صرف منها شيئًا إلى غير الله عز وجل فقد أشرك بالله عز وجل. لذا قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية» -التي هي من خصائص الإلهية- «كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: "لا إله إلا الله"». وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. يقول حافظ أبو رجب رحمه الله تعالى: فمن صرف -أو قال: فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور- أي من صرف شيئًا من تلكم العبادات التي هي عبادات إلى غير الله عز وجل، إلى غير الله عز وجل، فقد ماذا؟ فقد أشرك بالله عز وجل. لذا قال: «فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية» -التي هي من خصائص ماذا؟ الإلهية- لماذا؟ من خصائص الإلهية؛ لأنها عبادات، والعبادات خالصة لمن؟ خالصة لله عز وجل وحده. فهي من خصائص من خصائص الله عز وجل، العبادة من خصائص الله عز وجل. فلا يصح صرف شيء منها إلى غير الله عز وجل. فمن صرف شيئًا منها إلى غير الله عز وجل، قال الحافظ ابن رجب: «كان ذلك قدحًا في إخلاصه»، معناه: كان ذلك قدحًا في توحيده، كان ذلك قدحًا في ماذا؟ في توحيده، في قوله: «لا إله إلا الله»، واضحٌ يا جماعة. قال: «وكان فيه من عبودية المخلوق» -أي من صرف العبادة من الله عز وجل إلى المخلوق- صار عابدًا لذلك المخلوق بتلك العبادة المعينة، واضحٌ يا جماعة. فإن صرف مثلًا الهيبة والإجلال والمحبة، كان ذلك في المخلوق عبادة، فيكون أشرك بالله عز وجل في هذه العبادات مخلوقًا، واضحٌ يا جماعة. وكذلك إذا صرف التعظيم، غاية التعظيم، وغاية الذل إلى مخلوق، كان فيه من الشرك في التعظيم والذل بحسب ماذا؟ بحسب ما صرفه إلى ذلك المخلوق. وكذلك خضوعًا وخوفًا، إذا صرف الخضوع والخوف إلى مخلوق، كان قد أشرك بالله عز وجل بحسب ماذا؟ بحسب ما صرفه من العبادة إلى غير الله عز وجل. لذا قال الحافظ ابن رجب: «كان ذلك قدحًا في إخلاصه» -كما سمعتم- أي في توحيده، في قوله: «لا إله إلا الله»، في قوله: «لا إله إلا الله». «وكان فيه من عبودية المخلوق» -أي صار عابدًا للمخلوق مع الله عز وجل- صار عابدًا للمخلوق مع الله عز وجل، بحسب ما فيه من ذلك -أي من ذلك الصرف الذي صرفه عن الله عز وجل إلى ماذا؟ إلى غيره- بحسب ذلك، بحسب ما فيه من ذلك -أي من تلك العبودية التي خاصة بالله عز وجل، والتي خالصة لله عز وجل، وصرفها ذلك العبد إلى غير الله عز وجل من المخلوقات- صار عابدًا لذلك المخلوق بتلك العبادة المعينة، وصار بذلك ماذا؟ مشركًا، وقادحًا في توحيده، وقادحًا في ماذا؟ في «لا إله إلا الله»، وضح هذا يا جماعة. قال البقاعي: «لا إله إلا الله» أي: انتفاء عظيمًا أن يكون معبودٌ بحق غير الملك الأعظم -غير الملك الأعظم- الذي هو الله رب العالمين. البقاعي رحمه الله تعالى يفسر معنى «لا إله إلا الله»، فيقول: «لا إله» يقول: أي انتفاء انتفاء عظيمًا أن يكون معبودٌ بحق غير الملك الأعظم، الذي هو الله رب العالمين. قال: «فإن هذا العلم» -أي العلم بلا إله إلا الله- العلم بماذا يا جماعة؟ بلا إله إلا الله. قال: «هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة». وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهلٌ صرف، واضحٌ هذا يا جماعة. يقول العلامة البقاعي رحمه الله تعالى: قال: «فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى» -العلم بماذا؟ بلا إله إلا الله، بمعنى لا إله إلا الله، ومقتضى لا إله إلا الله، ولوازم لا إله إلا الله- يقول: «هو أعظم الذكرى» لماذا؟ قال: «المنجية من أهوال الساعة»؛ لأن الإنسان إذا كان معه التوحيد الخالص كان آمنًا بإذن الله عز وجل، كان آمنًا بإذن الله عز وجل. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وقد تقدم الكلام على هذه الآية قريبًا. قال: «وإنما يكون علمًا» -متى يكون علمًا؟- يقول: «إذا كان نافعًا» -يكون علمًا إذا كان نافعًا-؛ لأن العلم لأن العلم على قسمين: علمٌ نافع، وعلمٌ ضار. العلم الذي يكون سببًا سببًا للعمل، وسببًا للتقرب من الله عز وجل، والتقرب إلى الله عز وجل، هذا هو العلم النافع، وهذا هو العلم الممدوح، وهذا هو العلم المطلوب، وهذا العلم المزكى. أما العلم الذي ما يزيد صاحبه إلا بعدًا من الله عز وجل، فإنه وبالٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة، وبالٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة. لذا قال رحمه الله: «وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا». قال: «وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه» -أي بما تقتضيه لا إله إلا الله- إنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان، أي التسليم والخضوع والانقياد لله رب العالمين، الانقياد لله رب العالمين لشرعه ودينه وأحكامه سبحانه وتعالى الشرعية والقدرية، هذا هو العلم النافع. قال: «وإلا فهو جهلٌ صرف» -أي ذلك العلم إذا لم يكن سببًا لهذا العمل، وسببًا لهذا الإذعان- فهو ماذا؟ فهو جهلٌ صرف؛ لأنه ماذا؟ لأنه لا ينفع صاحبه، لأنه لا ينفع صاحبه. فحاصل هذا من كلام العلامة البقاعي: أن «لا إله إلا الله» لابد فيها من ماذا؟ إلى جانب النطق، لابد لها من ماذا؟ من علم، وهذا العلم لابد أن يكون ماذا؟ أن يكون نافعًا. وكيف يكون نافعًا؟ يكون نافعًا بالعمل. وكيف يعرف أن العمل نافع، وأن العبد قد عمل بما علم؟ بأن يكون ماذا؟ بأن يكون مذعنًا منقادًا لأمر الله عز وجل ولشرعه، لأمر الله عز وجل ولشرعه. فإن لم يكن كذلك، كان من أجهل الناس بلا إله إلا الله، ولم ينفعه النطق بلا إله إلا الله، وهو لا يعلم معناها، ولا يعمل بمقتضاها. قال الطيبي: «الإله فعال» -الإله فعال بمعنى مفعول- أي اشتقاقه. يقول العلامة الطيبي: «الإله فعال» -أي على وزن فعال- على وزن فعال بمعنى مفعول. قال: «كالكتاب» -بمعنى المكتوب- قال: «من ألها إلهة» -أي عبد عبادة- واضحٌ يا جماعة. يقول العلامة الطيبي رحمه الله: «الإله» اشتقاقه من ماذا؟ يقول: يعود بناؤه إلى ماذا؟ يعود بناؤه إلى «فعال». قال: «بمعنى مفعول»، فهو «فعال» بمعنى ماذا؟ مفعول. قال: «كالكتاب» -بمعنى ماذا؟ مكتوب- واضحٌ يا جماعة. قال: «من ألها إلهة» -أي عبد عبادة- فهو ماذا؟ إله بمعنى ماذا؟ معنى مألوه، واضحٌ يا جماعة. قال الشارح رحمه الله تعالى: «وهذا كثيرٌ في كلام العلماء، وإجماعٌ منهم أن الإله هو المعبود، خلافًا لما يعتقده عباد القبور وجهلة المتكلمين». قوله رحمه الله تعالى: قول الشارح، الظاهر أنه أراد الشيخ سليمان؛ لأنه هو الشارح لهذا الكتاب. وقوله: «وهذا كثيرٌ في كلام العلماء، وإجماعٌ منهم أن الإله هو المعبود» -خلافًا لما يعتقده عباد القبور وجهلة المتكلمين- من أن معناه هو الخالق، والقادر على الاختراع، ونحو ذلك. وفي هذا إشارة في هذا الكلام إشارة إلى أن سبب ذكره معنى «لا إله إلا الله» مع ظهوره، وإطباق أهل اللغة على معناه -من أن الإله بمعنى المألوه، والمألوه بمعنى المعبود- هو ما دخل على المسلمين من الجهل باللغة، والجهل بدينهم. فصار هذا المعنى الذي هو أظهر معنى، وأبين معنى، وأوضح معنى، صار عند كثير من المسلمين، وعند كثير من المنتسبين إلى الإسلام، صار لا يعرف، برصار أعجميًا غريبًا، حتى فسره من فسره بهذا التفسير. فسر «لا إله إلا الله» بأنه: «لا قادر على اختراع» أو «لا مخترع» أو «لا خالق إلا الله». فأبعد المعنى عن اللفظ، وعن مطابقته للفظ، فجرهم ذلك إلى أمور: جرهم ذلك إلى ماذا؟ إلى أمور عدم معرفتهم بحقيقة «لا إله إلا الله»، جرهم إلى ماذا؟ إلى أمور، وهي ماذا؟ وهي أنهم يعتقدون أن «لا إله إلا الله» معناها: «لا قادر على الاختراع إلا الله». فإذا كان كذلك، فهم يقولون: إذا قيل لهم: «من خالقكم؟» قالوا: «الله»، «من رازقكم؟» قالوا: «الله عز وجل». فإذا نظرنا في أحوالهم، وفي أفعالهم، وفي أقوالهم، وفي أعمالهم، نراهم ليلًا ونهارًا يصرفون العبادة بل غير الله عز وجل، لماذا؟ يصرفون العبادة لغير الله عز وجل؛ لأن هذه العبادة -بزعمهم- لا تؤثر على توحيدهم، واضحٌ يا جماعة. لأن التوحيد عندهم ما هو؟ «لا خالق إلا الله»، وهم يقرون بأنه «لا خالق إلا الله»، «لا رازق إلا الله»، «لا مالك إلا الله»، وهم يقرون بذلك، واضحٌ يا جماعة. فسبب ذلك كله، أصل هذا الأمر، هو عدم معرفتهم بمعنى «لا إله إلا الله». لما لم يعرف هؤلاء معنى «لا إله إلا الله» جرهم هذا الجهل إلى جهل أعظم، وهو ماذا؟ وهو فتح باب الشرك على مصرعيه، فتح باب الشرك في العبودية على مصرعيه. ويظنون أنهم ماذا؟ أنهم يحسنون صنعًا، بأنهم موحدون، بأنهم يعتقدون بأن الله هو الرازق وحده لا شريك له، وهو الخالق وحده لا شريك له، وهو الصانع وحده لا شريك له، إلى غير ذلك مما كان يدين به المشركون. لذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «خلافًا لما يعتقده عباد القبور وجهلة المتكلمين» -عباد القبور معلوم منهم- عباد القبور هم الذين يعبدون القبور، ويصرفون العبادات إلى أصحاب القبور، يصرفون العبادات من ذبح ونذر ودعاء وصراف واستعانة وإنابة وخضوع، بل وطواف وسجود إلى غير الله عز وجل من أصحاب القبور. قال: «وجهلة المتكلمين» -ممن انشغلوا بعلم الكلام- غاية أمرهم أن يعرفوا أن الله عز وجل -أن معنى «لا إله إلا الله»: أنه «لا خالق» أو «لا قادر على الاختراع إلا الله» سبحانه وتعالى- جهلٌ أعظم، كلمة بوعثت بها الرسل من أولهم إلى آخرهم، فأوقعهم ذلك الجهل بظلمات بعضها فوق بعض. قال رحمه الله تعالى: «ويظنون» -أي هؤلاء- يظنون ماذا؟ «أنهم إذا قالوها» -أي قالوا «لا إله إلا الله»- الذي معناها عندهم ماذا؟ «لا خالق إلا الله» أو «لا قادر على الاختراع إلا الله» أو نحو ذلك. قال: «إذا قالوها فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى». قالوا: «ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله» -كدعوة الأموات- كما يحصل في كثير من البلاد، تجد الرجل منهم يقول: «لا إله إلا الله»، «يا عيدروس أغذني»، «يا عيدروس أرزقني الولد»، ويذبح له، ويستغيث به، وهكذا «يا فلان»، «يا جيلان»، «يا ست زينب»، إلى غيرها من أصحاب القبول، يدعونها ليلًا ونهارًا، وهم يقولون بألسنتهم ماذا؟ «لا إله إلا الله»، يقولون بألسنتهم «لا إله إلا الله»، ولا يعلمون معنى «لا إله إلا الله»، ولا يعملون بمعنى «لا إله إلا الله» الحقيقي. فكانوا واقعين في الشرك، شعروا أم لم يشعروا. قال رحمه الله تعالى: «والاستغاثة بهم في الكربات، والنذر لهم في الملمات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات». وقوله رحمه الله تعالى: «والاستغاثة بهم في الكربات» -فيه إشارة إلى الفرق بين مشركي زماننا، أو المشركين المتأخرين، وبين المشركين المتقدمين. فإن المشركين المتقدمين كانوا في الضراء يرجعون إلى من؟ يرجعون إلى الله عز وجل. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾، لا يدعون إلا الله، واضحٌ يا جماعة. عملًا. أما المشركون المتأخرون، فإذا أصابهم الضر، ونزل بهم الكرب، التجأوا إلى ماذا؟ إلى أصحاب القبور، التجأوا إلى ماذا؟ إلى أصحاب القبور. فعبدوا غير الله عز وجل عند الشدائد، وعند الرخاء، بخلاف المشركين الأول. فإنهم عبدوا الله مخلصين له الدين عند الشدائد، وأشركوا به عند ماذا؟ عند الرخاء. قال رحمه الله تعالى: «والنذر لهم في الملمات» -كذلك إذا نزلت الملمات والشدائد- رجعوا إلى أولئك، إلى أصحاب القبور. قال: «إلى غير ذلك من أنواع العبادات». قال الشيخ رحمه الله: «وما شعروا أن مشركي العرب» -أن مشركي العرب وغيرهم- «يشاركونهم في الإقرار بهذا المعنى، ويعتقدون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع» -كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَ﴾- الله عز وجل نبىءه صلى الله عليه وسلم: «أنه إذا سألهم: ﴿مَنْ خَالِقُكُمْ﴾، ﴿مَنْ خَالِقُكُمْ﴾، ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾». من هم يا جماعة؟ المشركون. فهذا يدل على ماذا؟ على أن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحصل بينهم ما حصل من الجهاد، وحصل ما حصل من الأمور العظام، إذا سألهم: ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ﴾، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ماذا؟ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فهذا يدل على أنهم يقرون بماذا؟ بأنه «لا خالق إلا الله»، «لا خالق إلا الله». ومع هذا هم مشركون، ومع هذا هم ماذا؟ مشركون؛ لأنهم أشركوا في ماذا؟ في العبادة. وهؤلاء المتأخرون كذلك يقولون: «لا خالق إلا الله»، وأشركوا في ماذا؟ وأشركوا في العبادة. ولكن الفرق بينهم وبين المشركين الأول: أن المشركين الأول عرفوا معنى «لا إله إلا الله»، وحقيقة معنى «لا إله إلا الله»، وأنها تنفي عبادة غير الله عز وجل مطلقًا، وتثبت العبادة لله عز وجل وحده، عرفوا هذه المعنى، عرفوا هذا المعنى من «لا إله إلا الله» بعربيتهم. فامتنعوا عن قولها، بل قالوا ماذا؟ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. أما المتأخرون، بسبب جهلهم، وبعدهم عن اللغة، وكذلك بعدهم عن التوحيد الحق، قالوها بألسنتهم، ولم يعلموا معناها، وعملوا بخلاف معناها الحقيقي، وعملوا بخلاف معناها. فهم يقولون: «لا إله إلا الله»، وهم يشركون بالله عز وجل ليلًا ونهارًا. فلا تنفعهم «لا إله إلا الله»، وهم ينقضونها ليلًا ونهارًا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ويعتقدون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع» -كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَقَالَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ وَالْعَلِيمُ﴾- فهذه قال: «فأخبر تعالى عنهم أنهم اتخذوا الأولياء من دونه، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾». الله عز وجل قال في هذه الآية -كما هو معلوم- ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. فهم عبدوهم لا أنهم يعتقدون فيهم أنهم يملكون شيئًا من السماوات والأرض، أو يملكون شيئًا من النفع والضر، بل كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إذن عبادة المشركين لآلهتهم محصورة، مختصرة على ماذا؟ على تقريبهم إلى الله عز وجل، واضحٌ يا جماعة. قال: «فهم يعبدونهم لأجل ماذا؟ لأجل أن تكون وسائط بينهم وبين الله عز وجل». فتقربوا إلى تلكم الوسائط، إلى تلكم الآلهات بعبادتها، بصرف العبادة لها، لا أنهم يعتقدون أنها تملك النفع والضر، ولكن تقربوا إليها لأجل ماذا؟ لأجل أن تقربهم إلى الله عز وجل. تقربوا إلى تلك المعبودات التي عبدوها لأجل ماذا؟ لأجل أن تقربهم إلى الله. هل يعتقدون فيها أنها تملك شيئًا من النفع والضر؟ الجواب: لا. هل يعتقدون أنها الخالقة، أنها المالكة، أنها الرازقة لشيء من هذا الكون؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا. لذا قالوا بنص الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ -وهذا أسلوب ماذا؟ نفي- واضحٌ يا جماعة. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ -وها هنا أسلوب ماذا؟ النفي أو الإثبات، أو الاستثناء بعد النفي- فيدل ماذا؟ على الحصر، واضحٌ يا جماعة. بل هو كما يقول علماء المعاني: أقوى معاني الحصر، أقوى معاني ماذا؟ الحصر. ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إذن عبادة المشركين لآلهتهم محصورة، مختصرة على ماذا؟ على تقريبهم إلى الله عز وجل، واضحٌ يا جماعة. قال: «فأخبر تعالى أنهم اتخذوا الأولياء من دونه، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾». لماذا؟ أو ماذا؟ أراد الشيخ رحمه الله تعالى من ذكر هذه الآية ها هنا؟ أراد الشيخ رحمه الله تعالى أن يقرر أن المشركين الأول كانوا يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المدبر وحده. وإنما وقع منهم شرك في ماذا؟ في الألوهية، وشرك الوسائط، واضحٌ يا جماعة. أم لا؟ شرك الألوهية، وشرك في ماذا؟ في جعل الوسائط بينهم وبين الله عز وجل. فأي فرق بين المشركين الأول وبين المشركين المتأخرين؟ هيا يا جماعة. أي فرق بين هؤلاء وهؤلاء؟ هؤلاء يعبدون أصحاب القبور في زماننا، يعبدون أصحاب القبور لأجل ماذا؟ لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل زلفى. وهؤلاء يتقربون إلى أصحاب القبور لأجل أن ماذا؟ لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل زلفى. فأي فرق بين هؤلاء وهؤلاء؟ الجواب: لا فرق، واضحٌ يا جماعة. هؤلاء يقرون بتوحيد الربوبية، وهؤلاء يقرون بتوحيد الربوبية. هؤلاء يشركون في الإلهية، وهؤلاء يشركون في ماذا؟ في الإلهية. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فأخبر تعالى أنهم اتخذوا الأولياء من دونه، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾». قال: «فتبا لمن كان أبو جهل ورؤوس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله"». «تبا» -أي- معنى قبحًا، واضحٌ يا جماعة. «تبا» هنا، فقوله رحمه الله تعالى: «فتبا» -أي- قبحًا. وها هنا «تبا» نصب على المصدر بإضمار فعل، أي: ألزمه الله هلاكًا، ألزمه الله هلاكًا، وقبحًا لمن كان أبو جهل ورؤوس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه بمعنى «لا إله إلا الله». ما الدليل على أنهم أعلم؟ كما تقدم معنا في الدرس الماضي في حديث ابن عباس: «أنهم لما قالهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا كلمة تسودون بها العرب، وتخضع لكم العجم» -إلى غير ذلك- «فقالوا ماذا؟ قالهم: "لا إله إلا الله"». فانتفضوا، وهم يقولون ماذا؟ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. وكذلك لما دخل على عمه في مرض موته، وقالوا: «يا عم، قل "لا إله إلا الله" كلمة أحاج لك بها عند الله». ماذا قال أبو جهل وعبد الله بن أمية؟ ماذا قالا؟ قالا: «يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟». من أين استفاد هذا من «لا إله إلا الله»؟ لأن «لا إله إلا الله» مكون من ماذا؟ من جزئين: «لا إله» -إلا معبود حق- نثبت عبادة كل مألوه سوى الله عز وجل. «إلا الله» -فيه إثبات ماذا؟ استحقاق العبادة لمن؟ لله عز وجل وحده- فأبو جهل بعربيته علم أن هذا المعنى: أنها ماذا؟ أنها براءة من ملة الكفر، ومن ملة الشرك، ومن أهله. فقال لأبي طالب: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» قال أبو طالب: «بل أنا على ملة عبد المطلب». فكما قال الشيخ رحمه الله تعالى: «

شاركنا على