الدرس في الجواب الكافي 43، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يؤكد النص على أهمية التأمل في آيات الله الظاهرة والباطنة كدليل على التوحيد وصدق رسله. التأمل في خلق الله والنعم الظاهرة والباطنة يعزز الإيمان ويقوي اليقين.
آيات الله الظاهرة والباطنة في الكون وفي النفس تدل على وحدانية الله جل وعلا. العباد مفطورون على الإيمان بوحدانية الله، ولكن قد تنتكس هذه الفطرة بسبب الجحود والمعصية.
تحقيق التوحيد لله عز وجل هو أول ما يجب على العباد، والتأمل في آيات الله يأتي لتعزيز الإيمان وتقوية اليقين. الرسل لم يدعوا إلى التأمل أولًا، بل إلى عبادة الله وحده.
الدرس ينتهي بالتأكيد على أهمية ما سبق ويشير إلى درس قادم. يُختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المقيم رحمه الله تعالى: ولو تأمل العبد حق التأمل لكان كل ما يبصره وما لا يبصره دليلا له على التوحيد والنبوة والمعاد، وأن القرآن كلامه. قد ذكرنا وجه الاستدلال لذلك في كتاب «أيمان القرآن» عند قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾، وذكرنا طرفا من ذلك عند قوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. وأن الإنسان دليل على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات الصفات كماله. فقد بان أن المضيع مغرور. على التقدير، تقدير تصديقه ويقينه، تقدير تكذيبه وشكه. ذكر رحمه الله تعالى هنا في هذا الموضع أن العبد إذا تأمل حق التأمل لا وجد كل ما يبصره من الأمور وما لا يبصره. فالعبد يبصره من الأمور ولا يبصره منها. فما يبصره ما يراه، ما يراه في نفسه، الأمور الظاهرة، وما يراه في ملكوت الله سبحانه وتعالى من الأمور التي يراها ببصره. وهناك أمور لا يبصرها، وهي الأمور الباطنة. هناك أمور باطنة لا يبصرها الأعضاء التي داخل جسم الإنسان، لا يبصرها الإنسان، الأحشاء والقلب والكبد والبنكرياس والرئة وغير ذلك، أشياء وأجهزة عظيمة دقيقة في جسم الإنسان لا يراها. فالأمور ظاهرة وباطنة، والنعم ظاهرة وباطنة. النعم الظاهرة يراها الإنسان، والنعم الباطنة لا يراها ولكن يعلمها ويشعر بها. قال عز وجل: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾. من هذه النعم الآيات الكونية الظاهرة، ومن هذه النعم الظاهرة النعم التي يراها الإنسان ظاهرة يبصرها. والنعم الباطنة هي التي لا يبصرها. فكل هذه الآيات وكل هذه النعم الظاهرة والباطنة دالة على توحيد الله عز وجل، ودالة على صدق رسله، ودالة على وجوده سبحانه وتعالى. لكن هذا يحتاج إلى تأمل، لا تأمل، وإلى تدبر وإلى تفكر. فإذا تأمل الإنسان وتدبر ظهر له ذلك. ولذلك الله عز وجل أمر بهذا وحث على هذا، أن يتأمل العبد في ما هو ظاهر يراه وما هو باطن فيعتذر به، لأن هذا من أعظم دلائل وحدانيته جل وعلا وصدق رسله. وكذلك ما يتعلق بأمر معاده جل وعلا، وأن القرآن كلامه حق، وكل ما جاء فيه حق. قال جل وعلا: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾، أقسم الله بكل ما نبصر وبكل ما لا نبصر. فلا أقسم، والمعنى أقسم بما تبصرون. أكد هذا الأمر، أكد الله جل وعلا كأنه قال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، لأن «لا» هنا صلة زيدت للتوكيد. فالصلة هذه التي يقال عنها زائدة هي زائدة في لفظها، لكن ليس في القرآن شيء زائد لا معنى له. قد يكون زائدا من جهة الإعراب، لكن من جهة المعنى له معنى. لو لم يوجد هذا اللفظ لم يوجد هذا المعنى الذي دل عليه هذا اللفظ. فإذا قال: أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، ليس مثل قوله جل وعلا: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. هذا مؤكد لهذه الصلة التي أكدت هذا الكلام. فلا أقسم مثل ذلك قوله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ليس كمثله شيء. الكاف في إعرابها يقولون زائدة، لكن هل معناها أنها زائدة وجودها وعدمها سواء؟ لا، وإنما زائدة في الإعراب، لكن لها معنى. إذا قلت: ليس مثله شيء، هذا ليس مثل قوله جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء﴾، لأن ليس كمثله شيء معناه ليس مثله شيء، وهو السميع البصير، ليس مثله شيء، لمجيء الكاف التي هي صلة زيدت للتوكيد. استفيد منها العربي الذي هذه لغته هذا التوكيد. فالله جل وعلا أكد هذا الأمر وحث عليه مؤكدا، وأقسم به كذلك مكررا. أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، كل هذا للدلالة على التأمل والحرص على التفكر والتدبر فيما يبصره الإنسان وفيما لا يبصره. ولذلك فيما نقيم محمد تعالى، كما ذكر هنا أنه ذكر شيئا ما يتعلق بهذا في كتابه «أيمان القرآن»، يعني فيما جاء في الإقسامات هناك في القرآن. أقسم الله جل وعلا في المواضع من كتابه. ابن قيم جمع هذه، ومنها هذا، هذه الآية التي فيها أيضا القسم. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، يعني في أنفسكم آيات، آيات عظيمات ظاهرة وباطنة، أفلا تبصرون. ومعناه أبصروا، أبصروا هذه، تفكروا فيها. في أنفسكم ما هي بعيدة، في أنفسكم. وفي أنفسكم أفلا تبصروا؟ في نفسك العينان، في نفسك الأنف، في نفسك اللسان، في نفسك الرأس والشعر، نعم والأجفان والآذان والأصابع والأظافر والشعر والأثنان واللعاب، عدد هذه في أنفسنا أفلا نبصر ذلك فنعتبر؟ وكل هذه دالة على وحدانيته جل وعلا، وأنه الخالق وحده جل وعلا، وعلى وجوده سبحانه وتعالى، إذ المخلوق دليل على وجود خالقه. قال الله جل وجل أيضا في الآيات الأخرى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾. الله جل وعلا أرانا الآيات في الآفاق، في الآفاق في السماء والأرض، في الجبال، كل هذه آيات في ملكوت الله جل وعلا. سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم، إذن آيات الله جل وعلا منها في الآفاق، وهكذا في أنفسنا. لماذا جعل الله جل وعلا هذه الآيات في الآفاق وهذه الآيات في أنفسنا؟ ليتبين لهم أنه الحق، هذه الحكمة، وهذه العلم، حتى نتبين أنه جل وعلا هو الحق، بمعنى المعبود الذي استحق العبادة وحده. فهذه الآيات العظيمات دالة على وحدانيته سبحانه وتعالى، وأنه الحق جل وعلا الذي يستحق العبودية، والذي له الخلق والأمر والتقدير والملك. قال القائل: تأمر سطور الكائنات فإنها ... من الملك الأعلى إليك رسائل قد خط فيها لو تأملت خطها ... ألا كل ما خلق الله باطل فصامتها يهدي، وقبل هذا تشير ... بإثبات الصفات لربها فصامتها يهدي. ومن هو قائل؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل ما خلق الله باطل». ومعناه أن كل ما سوى الله هو الباطل، وأن الله هو الحق. ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل. فالحق هو الله جل وعلا سبحانه وتعالى. ولذلك قال الآخر: فأعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فأعجبا كيف يعصى الإله، كيف يعصى العبد ربه سبحانه وتعالى؟ وكيف يعصى هذا الإله جل وعلا؟ فأعجبا كيف يعصى الإله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. فأعجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد، كيف يجحد هذا الجاحد وحدانيته سبحانه وتعالى، ولا يعترف ولا يقر بربوبيته سبحانه وتعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته؟ هذا جحود. فأعجبا كيف يعصى الإله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. السماء تدل على أنه جل وعلا واحد، والأرضون كذلك، والجبال كذلك، والدواب كذلك، والإنس والجن، والأشجار، والعصافير، والبحر، والسمك، والحجر، كل شيء يدل على وحدانيته سبحانه وتعالى. فإذا تأمل الإنسان في آيات الله الأفقية، وفي آيات الله جل وعلا الظاهرة، وفي آيات الله جل وعلا الباطنة، وفي نفسه، علم ذلك، ودله ذلك على وحدانيته سبحانه وتعالى. العباد مفطورون على هذا، لكن قد تنتكس الفطرة. وإلا فبحمد الله قد فطر الله العباد على هذا. ولذلك الرسل حين أرسلت ما دعت إلى هذا. الرسل حين أرسلت ما دعت إلى التأمل في هذه الآيات، بخلاف ما قال الفلاسفة وغيرهم، وممن تأثر به من الأشاعرة. فأول ما يجب على العبد أن يتفكر، وأن يتأمل في آيات الله الأفقية، وهكذا النعم، وغير ذلك، وفي ملكوت الله. أول ما يجب، وهذا ليس بصحيح، بل هو خطأ. ليس هذا أول ما يجب على العباد. لماذا؟ لأن هذا قد فطر عليه العباد. ولو كان هذا أول ما يجب على العباد، لكانت دعوات الرسل الدعوة إلى هذا. لكان كل رسول يقول لقومه: تأملوا في آيات الله، تفكروا في آيات الله. لكن ما جاءت الرسل بالدعوة إلى هذا أول ما جاءت بالدعوة إليه. وإنما كان يقولون: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. لماذا؟ أن تأملوا؟ لا. أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهذا أمر مطلوب، نعم. التأمل في آيات الله هذا أمر مطلوب. لماذا؟ لأن الإنسان قد يحصل عنده من الضعف، ومن الشك، ومن وسوسة الشياطين، ومن اجتيال الشياطين له، هذا يحتاج إلى أن يقوى، أن يقوى في إيمانه، فيؤمر بالنظر في آيات الله، وفي ملكوت الله سبحانه وتعالى ليتذكر. وإلا فأول ما يجب على العباد تحقيق التوحيد لله عز وجل. وأما التأمل في ملكوت الله للدلالة على ربوبيته جل وعلا، فأصل ربوبيته جل وعلا قد فطر العباد عليه. كل مولود يولد على الفطرة، قبول الحق، وأيضا الإقرار بربوبيته جل وعلا، أنه سبحانه وتعالى الرب الذي خلق، وله الملك. ومن أنكر، من أنكر إنما لجحود. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. استيقنوه لماذا؟ لأنه يوافق الفطرة. لأنه يوافق الفطرة، لكنهم جحدوا ذلك وردوا. وإلا فهم موافقون للفطرة. وذلك كان النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما في أمر إفراده جل وعلا بالعبودية. قال رحمه الله تعالى: وأن الإنسان دليل على وجود خالقه وتوحيده وصدق رسله وإثبات صفات كماله. أعرابي قيل له: بم عرفت ربك؟ قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، والسماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل على السميع البصير؟ بعرة تدل على بعير، ما يمكن تكون بعرة من غير بعير. من أين البعرة؟ لابد من بعير. طيب أثر، هكذا لابد أن يكون مسير. كيف يوجد أثر من غير مسير؟ ما يمكن. إذن مدام أنه أثر، إذن فيه مسير. طيب وهذه السماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والبحار ذات الأمواج، ما تدل على شيء؟ وجود بعرة دلت على بعير. وهذه السماوات وما تدل على شيء؟ هذه العظيمة، إيش نسبة البعرة إلى هذه السماوات؟ وهي بعرة دلت على شيء، تدل على السميع البصير. السماوات والبحار والجبال والأرض، كلام عظيم من هذا الأعرابي الذي هو على الفطرة السليمة، وما عنده فلسفة المتفلسفين، ولا تحذلق المتحذلقين. كلام سهل وبسيط خير من كلام عشرات يكتفي، عشرات الأوراق، كلام فلسفة عشرات الأوراق ومئات الأوراق وتخرج منه بلا فائدة. كما يقول المصريون: خرج من المولد بلا حنبس. لأنهم يوزعون في المولد الحنبس، إذا ما في حنبس معنى ما في فائدة. إذا ما في حنبس معنى ما فيه إلا صياح، ما فيه دسم ولا فيه حنبس، ولا فيه شيء. أقل شيء الحنبس. بعض الناس يحتاج حتى الحنبس. لكن إذا مولد بلا حنبس ما فيه. قال رحمه الله تعالى: كيف يجتمع اليقين بالمعاد والتخلف عن العمل؟ طيب هذا فصل آخر نذكره إن شاء الله في درس آخر، صلى الله عليه وسلم مبارك، وعلى آله وصحبه أجمعين.