الدرس في كتاب البيوع 35، ألقاها
الدرس يتناول أحكام الربا في الأصناف الربوية، ويشدد على وجوب التماثل في الجنس الواحد مثل الذهب والذهب أو التمر والتمر، مع الاستدلال بالأحاديث النبوية. يُبين أن الربا يحرم سواء في القليل أو الكثير.
يناقش المقطع أحكام بيع الذهب والفضة سواء كانت مصوغة أو غير مصوغة، ويشرح آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسائل، ويحدد الصور المسموح بها والممنوعة في هذه البيوع.
المقطع يوضح أحكام الربا في المعاملات المالية، ويشير إلى ضرورة المماثلة في معاملات الجنس الواحد وحرمة التفاضل فيها، كما يفرق بين رباء الفضل ورباء النسيئة ويبين حكم كل منهما.
يتناول حكم التفاضل في بيع جنسين مختلفين مثل الذهب والفضة، ويستند إلى الأحاديث النبوية وأقوال العلماء ليبرهن على جواز التفاضل إذا كان البيع يدًا بيد، ويوضح حكم التأجيل في مثل هذه البيوع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، طيب. مرت معنا بعض المسائل متعلقة بالربا، ونذكر في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا ما تيسر من المسائل. طيب، وأولى مسائل درسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا المسألة الأولى: الربا يجري في الأصناف الربوية في القليل والكثير منها، لا فرق في ذلك، أي لا فرق بين الحب والحبتين منها، ولا بين الحفن والحفنتين، فالكل يدخله الربا الكثير والقليل، وهذا ظاهره. هذا القول هو ظاهر قول الجمهور. استدل الجمهور بظواهر لأدلة مشترطة لتماثل للتماثل والمساواة في الأصناف الربوية، كما في أحاديث الباب وغيرها، تقدمت فيها حيث الباب: «إلا مثلا بمثل، سواء بسواء». وذهب أبو حنيفة إلى الترخيص ببيع الحفن بالحفنتين، والحبة بالحبتين، وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله، ووافق الجمهور في الموزون بالموزون. أما في الكيل فلم يوافقهم، واحتج بأن العلة الكيل، ليس الربا، ولم يوجد في اليسير. يعني يقول: الشيء اليسير، مثلا حبة من التمر، مثلا، بحبتين، أو كذلك من الشعير، الشيء اليسير حفنة بحفنتين، وما شابه هذا، يقول: هذا شيء يسير لا يكال، وما كان كذلك لا يدخله الربا، واضح، بخلاف الموزون إذا كان يوزن فإنه يوافق الجمهور بأنه لا يجوز فيه التفاضل، بل يجب فيه التماثل. والراجح الأول لعموم أحاديث النهي عن التفاضل في الأصناف الرباوية، منها قول الله عليه الصلاة والسلام: «إلا مثلا بمثل، سواء بسواء». وهذه نصوص واضحة صريحة، لم يفرق بين القليل والكثير، لم يفرق صلى الله عليه وسلم بين القليل وبين الكثير. هذه مسألة. مسألة ثانية: تجب المماثلة والمساواة في الأصناف الرباوية ذات الجنس الواحد، ولو اختلفت باعتبار الجودة والرداءة، أو التبر والمضروب، أو الصحيح والمكسور، أو غير ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم، بل حكاه ابن عبد البر في التمهيد عن جميع الفقهاء. بمعنى أنه يجب فيه تماثل. يعني صورة هذه المسألة: مثلا إنسان عنده ذهب رديء، وآخر عنده ذهب جيد، أو واحد عنده ذهب سليم، والآخر عنده ذهب مكسر، هل يجب فيه تماثل؟ أراد هذا أن يشتري ذهب هذا، والآخر ذهب ذاك، هل يشترط فيه تماثل؟ أم أن السليم ثمنه أعظم أو أكثر، فيجب فيه التفاضل؟ الجواب: أن أكثر أهل العلم ذهبوا إلى وجوب المماثلة، بل كما سمعتم، حكاه الإمام ابن عبد البر عن جميع الفقهاء. وذكر أو حكي عن مالك أنه جوز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكر أصحابه ذلك، ونفوه عنه. يعني إمام مالك جوز في المضروب أن يباع بقيمته من جنسه، أي جوز فيه معنى التفاضل، لكن أصحاب مالك أنكروا هذا ونفوه عنه، أي لم يثبت عندهم هذا. وأهل المذهب أعلم بقول إمامهم. وأيضا حكي عن إمام أحمد أنه قال: لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة. قالوا: ولأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف، فيصير كأنه ضم قيمة الصناعة إلى الذهب. يعني ذهب تبر، كما يقال، على ما هو عليه، وذهب آخر مصنع. الآن إذا قلنا بالتماثل، يقول إمام أحمد رحمه الله في الرواية هذه المذكورة عنه: يقول التماثل ها هنا يعني غير متصور. لماذا؟ لأن هذا الذهب على ما هو عليه تبر، أما هذا مصنع، ففيه قيمة دفعت فيه. فكيف يتصور المماثلة؟ وهذا الذهب ودفعت فيه قيمة حتى صار على هيئته، صيغة، حتى صار مثلا قلادة، صار خاتما، صار حلقة، أي شيء غير ذلك. ففيه يقول الآن هذا المعنى، فكيف هذا بهذا؟ إذا لا يجوز. قال: لا يجوز هذا بيع الصحة بالمكسرة. وذكروا أن للصناعة القيمة، إلى آخر ما ذكر. والصحيح الأول لأحاديث الباب، ولحديث عبادة في مسلم: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين. فمن زاد أو ازداد، فقد أربى». وهذا نص واضح صريح في وجوب المماثلة. وفي الحديث قصة، كما في صحيح مسلم، وهي: قال عبادة بن الصامت: غزونا غزاة، وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها، فيعطيها الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذكر الحديث-. الشاهد منه: أن معاوية أمر رجلا أن يبيع هذه الآنية من فضة، أن يبيعها بماذا؟ بأثمان ليست مماثلة لها. فقام عبادة بن الصامت يبين أن هذه الأشياء إذا كانت من نوع واحد، فإنه يجب فيه المماثلة. وذكر هذا الحديث، وهو كما ترون شاهد واضح صريح في هذه المسألة. ها هنا كما يقال مسألة متعلقة بهذه المسألة، وهي: قال ابن قدامة رحمه الله: إن قال إنسان لصائغ: صغ لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثله، وزنه، وأجرتك درهما. قال ابن قدامة: فليس ذلك ببيع درهم بدرهمين. قال: وقال أصحابنا: للصائغين أخذ الدرهمين، أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له. واضح. الصورة: جماعة، يعني يأتي رجل إلى صائغ، يعني أعطيه مثلا الآن في الذهب، أذهب إلى صاحب ذهب، أقول له: يا فلان، اصنع لي ذهبا مقداره مئة جرام، مئة جرام من نوع واحد وعشرين، عيار واحد وعشرين، بالشكل الفلاني، يعطيه الشكل، يقول: مثل شكل، أو عنده شكل مثل، مثل هذا الشكل. فيأتيه: متى تصنعه؟ يقول: سأصنعه خلال أسبوع، أو خلال ثلاثة أيام، على ما يتفق. يقول له: إذا انتهيت، أنا سأتيك، بعد ثلاثة أيام، وأعطيك مقابل ذهبك ذهبا، يعني مقابل مئة جرام، مئة جرام، وسأعطيك مقابل أجرتك مثلا خمسين، أو مئة جرام. واضح. ذكرها هنا كما ترون، ابن قدامة رحمه الله، على الحنابلة: أن هذه الصورة يجوز فيها أن هذه الصورة جائزة. لماذا جائزة؟ يقول: لأن هذا كان الذهب في مقابلة الذهب، والذهب الزائد، أو الثمن الزائد في مقابلة ماذا؟ الأجرة، في مقابلة الأجرة. واضح. هذا جماعة، وهذا هو القول الصحيح. سأتي معنا أن في المسألة خلاف، ذكر السبكي في تتمة المجموع: أن الإمام النووي رحمه الله تعالى شرح إلى كتاب الربا، إلى أبواب الربا، وتوفي رحمه الله تعالى قبل أن يكمل الكتاب، فأكمل السبكي رحمه الله تعالى منه الجزء العاشر، ثم توفي رحمه الله تعالى، وأكمل المطيع بقية الأجزاء. الحاصل: أن السبكي رحمه الله تعالى في تتمة المجموع ذكر هذه المسألة، فقال: إذا قال رجل لصائغ: صغ لي خاتما من فضة، لأعطيك درهما فضة، وأجرة صياغتك. ففعل الصائغ ذلك. واضح. قال: قال القاضي أبو الطيب، ونصر المقدسي وغيرهما -أي من أصحابهم الشافعية-: لم يصح ذلك. وكان الحاكم على ملك السائغ؛ لأنه شراء فضة مجهولة بفضة مجهولة. لماذا يقول هذه الصورة؟ لأن الفضة ما ذكر من أي نوع، الفضة نوع، الجيد، النوع المتوسط، النوع الرديء، يقول: فيه جهالة بالفضة أولا. طيب، هل هذه العلة معتبرة؟ هذه العلة غير معتبرة. لكن سأتي معنا. قال: وتفرقا قبل التقابض. واضح. وشرط العمل في الشراء، وذلك كله يفسد العقد. إذن جعلوا العقد فاسدا لثلاثة أمور: الأمر الأول: أن الفضة مجهولة، أي نوع، كيف الجودة؟ طيب. الأمر الثاني: أنه تفترقا قبل التقابض، وهذا فضة بفضة، يجب التقابض. الأمر الثالث: أنه قال: شرط العمل في الشراء، وعندهم هذا من باب: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط». إذن وقع فيه ثلاثة محاذير عندهم. قالوا: وذلك كله يفسد العقد. قالوا: فإذا أصاغه، فإن أراد أن يشتريه اشتراه بغير جنسه كيف شاء، وبجنسه بمثل وزنه. واضح. جماعة، النتيجة صحيحة. ما هي النتيجة؟ يقولون: العقد فاسد الأول، لكن إن رجع ورأى ذلك الشيء، وحصل عقد جديد، فبماذا؟ يقول: إما أن يشتريه بغير جنسه، مثلا فضة يشتريه بذهب، مما شاء. واضح. وإما أن يشتريه بجنسه، لكن بالمثل، يعني مثلا قيمة القلادة مثلا عشرون جراما، على أن يشتريه بماذا؟ بعشرين جراما من الفضة. واضح. هذا معنى قولي رحمه الله: قال: «فإن أراد أن يشتريه اشتراه بغير جنسه كيف شاء، وبجنسه بمثل وزنه». طيب. قال: وقال الشافعي في كتاب الصرف من الأم: ولا خير فيه أن الرجل يأمر الصائغ فيقول: لو اعمل لي خاتما حتى أعطيك أجرتك. وقاله مالك. انتهى. أين الشافعي يرى أن هذا لا يجوز. أنه قال: لا خير في رجل. وكذلك حكاه عن -من حكاه عن مالك-. قال السبكي: وقالت الحنبلية: للصائغ أخذ الدراهم، أحدهما في مقابلة الخاتم، والثاني أجرة له، فيما إذا قال: صغ لي خاتما وزنه درهم، وأعطيك مثله، وأجرتك درهما. والله أعلم. إذا كانت المسألة ذكرها ابن قدامة، فقال السبكي: قال: فإن أراد أن للصائغ أخذ الدرهمين بحكم العقد الأول، حكم العقد الأول، فهو فاسد. لماذا؟ قال: ما قاله القاضي أبو الطيب من عدم القبض، والشرط. واضح. عدم القبض، الشرط. مسألة خلافية، لكن القبض متفق عليه، فضة بفضة يجب فيه التقابض. ها هنا ليس ثم تقابض، وليس ثم تماثل. قال: وإن أراد بحكم عقد جديد، هذا العقد الأول، وإن أراد بحكم عقد جديد يورده على الخاتم المصوغ بعد صياغته. قال: فهذا عين ما تقدم في المنسوب إلى مالك. بمعنى أنه -فيما حكي عن مالك-: حكي لذكرنا قبل: أنه جواز بين المصوغ وغيره. واضح. فهذا قال: عين المنسوب إلى مالك، فلا اتجاه لهذا الفرع إلا عليه. والله أعلم. واضح. هذا جماعة، وهذا القول الذي ذكره السبكي هو الصحيح. واضح. من أن هذه الصورة لا تجوز. هذه الصورة المذكورة عن الحنابلة، ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى عن الحنابلة: لا تجوز. لماذا؟ لأنه يقع في محظورين: الأول: أنه باع شيئا من جنسه من غير مماثلة، واشترط فيه بيع الربوي بمثله. المماثلة. الأمر الثاني: أنه لم يحصل التقابض في المجلس، واشترط فيه التقابض. ولم يحصل هذا ولا ذاك. فإذا هذا لا يجوز. إذا هذا البيع وهذه الصورة لا تجوز. واضح. ذكر السبكي مسألة أخرى، فقال: قال في الذخائر -أي ذكر بعضهم من أصحاب الشافعية-: قال: وكذا لو قال: يعني صورة أخرى. فقال: وكذا لو قال: بيعني درهما بدرهم، وصفه بدرهم، وأجرتك كذا. وتفرق على ذلك. لم يجوز أيضا؛ لما فيه من التفرق قبل القبض، والشرط، والعمل. واضح. والله أعلم. يعني يقول الآن: لو قالنا مثلا على ما ذكرنا في الصورة السابقة: لو قال له: ذهب من عيار واحد وعشرين، جراما، على أن أعطيك ذهب من عيار واحد وعشرين، جراما، لكن سأعطيك ماذا؟ بعد ثلاث أيام، أكمل العمل، وأنا سأعطيك بعد ثلاث أيام. نستلم كما يقال: يد بيد. واضح. أيش حكم هذا؟ لا يجوز. لماذا؟ لأنه العقد حصل العقد على بيع، ولم يحصل فيه التقابض، مما هو من شرطه التقابض. واضح. وإذا كان كذلك، إذا كان كذلك، فالخلاصة في هذه المسألة، أو في هذه الصورة، نلخصها في أربعة صور، يعني نلخص هذه المسألة في أربعة صور، حتى يتبين لنا ما يجوز مما لا يجوز. واضح. الصورة الأولى: إن قال: تبيعني درهما بما يعادل درهميني مصوغا. فهذا لا يجوز إجماعا، على ما ذكره ابن عبد البر. واضح. يعني أنا أقول: أذهب إلى الصائغ، فأقول له: صغ لي درهما على شكل مثلا خاتم، وسأشتريه منك. سأشتريه منك ببعض درهمين. الحكم: هذا لا يجوز. واضح. الصورة الثانية: إن قال: بيعني درهما مصوغا بدرهم. طيب. درهم بدرهم، ودرهم آخر مقابل الصياغة. فكذلك لا يجوز على الصحيح؛ لعدم التقابض. طيب. وللجهالة بنوع كل درهم. ولو ذهبت للجهالة، يبقى معنا العلة الأخرى، وهي ماذا؟ عدم التقابض. طيب. وأيضا فيه كذلك معنى من معنى التفاضل. عدم التقابض. وفيه كذلك ماذا؟ عدم المساواة. طيب. الصورة الثالثة: إن قال إنسان لصائغ: خذ هذا الدرهم، وصغ لي به خاتما، وسأعطيك أجرة صياغتك درهما. واضح. فالأظهر الجواز. هذا واضح. إذا بلا صاحب ذهب، فقل: أخذ هذه السبيكة الذهبية، واصنع لي فيها مثلا عقد ذهب، أو عقود من ذهب، أو أساور، أو إلى غير ذلك مما تتفقان عليه، وسأعطيك أجرتك كذا وكذا. يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. واضح. أنه صنع الآن يكون أجرة صناعة، ما يكون هناك بيع الشراء. إنما أجرة ماذا؟ أجرة صناعة. طيب. الرابع: أن يشتري الدرهم مصوغا بدرهم غير مصوغ. فهذا جائز. وهذا واضح. فهذا يكون الصور محصورة على التقسيم بهذه الصور المذكورة. محصورة بهذه الصور المذكورة. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب. مسألة ثالثة، أو رابعة: ومن كان معه قطع مكسر من ذهب، يعني عنده قطع مكسر من ذهب، أو فضة، أو نقرة مع النقراء السبيكة، فأراد أن يبيعها بجنسها صحاحا، أو كان معه صحاح، فأراد أن يبيعها بجنسها قطعا. فإما أن يتراضي على المساواة بينهما في الوزن. وهذا واضح. إن تراضيا على المساواة في الوزن، يجوز. إلى التقابض. وإما أن يبيع أحد النقدين بعرضين. يعني يبيع أحد النقدين بماذا؟ بعرضين. يبيعه بشيء من العروض. أي شيء يبيعه، ويتقابض، ثم يشتري بالعرضين من النقد الآخر. فإما مع الزيادة أو النقص، هو الربا. يعني واضح. أم لا؟ يعني هذه صورته: كما جاء في حديث بلال، حينما اشترى صاعين من التمر رديء بصاع من التمر جيد. ماذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم؟ أوه. وحين الربا. قال: «إن أردت أن تفعل ذلك، فبيع الرديء، ثم اشتري بثمنه الجيد». فهذا كذلك. إن اتفق عن المساواة، فالحمد لله. إن لم يتفق: يبيع أحدهما ذلك الذهب، يبيع أحدهما ذلك الذهب، مثلا بفضة، بفضة، ثم يأخذ المال، فماذا؟ أو تلك الفضة، أو الآن أوراق النقدية، فيشتري بها الذهب. واضح. فإن لم يكن كذلك، وإنما تبايعا على الصورة المذكورة، مع وجود تفاضل، فإنه عين الربا. كما جاء في حديث أبي سعيد في قصة بلال. هذا عين الربا. في التمر بالتمر، صاع التمر بالصاعين من التمر. قال السبكي: كذلك. قال: يعني نصر في تهذيبه: قال: وهو مما لا خلاف فيه. قال: وهو مما لا خلاف فيه -أي هذه الصورة-. قال نصر: وهكذا الدينار الرومي، وهكذا الدينار الرومي بالعربي، والخرسانسي بالمغربي. والدرهم، أو الدراهم الرومية مع العربية، والخرسانية. وكذلك في الصيغ مع المصر. وسائر ما يكون من ذلك. يعني معنى هذا: مثلا دينار الآن عندنا، يقول: دينار فرنسي. واضح. ومثلا دينار آخر ذهب بذهب. اشترط فيه أن يكون ماذا؟ المماثلة في الوزن. اشترط فيه المماثلة في ماذا؟ فقال: دينار -يعني عربي- بدينار فرنسي، بدينار عربي، بدينار شامي، بدينار مغربي، إلى غير ذلك. يشترط فيه ماذا؟ كان ذهب بذهب، فيشترط فيه المماثلة. وإن اختلفت. طيب. مسألة أخرى، وهي: قال: وهكذا القول في المطعوم. وهكذا القول في المطعوم بلا خلاف. يعني الكلام الأول في ماذا؟ في الذهب والفضة، في النقد. قالوا: وكذا القول في المطعوم. قالوا: إذا باع صاع حنطة جيدة لها ريع -يعني ريع، أي لها زكاة ونماء، يعني جيدة وافر- بصاع حنطة رديء، ليس له ريع، وافر. قالوا: جاز. يعني رديء بجيد، صاع بصاع، يجوز. صاع من التمر جيد بصاع من التمر رديء، يجوز. ولماذا؟ لأنه حصلت المساواة، المماثلة. قالوا: ولا تجوز الزيادة فيه؛ لأجل الرأي، أي لأجل أنه هذا فيه نماء، وهذا فيه جودة، لا يجوز. قالوا: وكذلك في سائر الحبوب. وهكذا إذا باع صاع صاع صيجان، أو مع القليب، صاع دغل، أو صاع جمع جازة. وإن كان أحدهما أجود من الآخر -أي أنواع البر، أو الشعير، لا أنواع، هذا نوع كذا جيد غالي حتى الثمن، والآخر دونه في الثمن-. هل نقول: هذا ننظر إلى القيمة والثمن، أو ننظر إلى نفس الجنس؟ الجواب: ننظر إلى ماذا؟ إلى نفس الجنس. فيجب فيها المماثلة. طيب. قالوا: وإن كان أحدهما أجود من الآخر. وكذلك في سائر أجناس المطعومات: التمر بالتمر، الشعير بالشعير، الملح بالملح، إلا ما جاء في الحديث. لكنهم يقصدون بالمطعومات ماذا؟ يشيرون إلى العلة؛ لأن عندهم أن الصارف الربوية ماذا؟ معللة. طيب. قالوا: لأن المساواة المأمور بها قد وجدت. فلا يقصد خلافها لأمر آخر. قالوا: كما لو باع دينارا صرفه خمسون درهما بدينار صرفه أربعون درهما، فإنه يصح؛ لما ذكر. والله أعلم. هل هذا ممكن؟ ممكن. دينار يقوم، النوع ماذا؟ يقوم، مثلا جديد نظيف، ودينار آخر رديء ضعيف، فيه ضربات، فيه كذا. هذا يقول: سأشتري من كم؟ خمسون درهما. يجوز؛ لأنه إذا اختلفت هذه الأشياء، فبيعه كيف شئتم. إذا كان يدن بيد الآخر، يقول: أنا سأبيعه بأربعين. من يشتري منه باعه بأربعين. لكن إذا كان الذهب بالذهب، أدينا بالدينار، هذا جيد، هذا رديء، هذا قيمته خمسون درهما، وهذا قيمته أربعون درهما. هل نقول: هذا مع زيادة؟ الجواب: لا يجوز. إذا قال: دينار بدينار، وسأترك، أو سأضع، سأزيدك مثلا عشرة دراهم، قيمة ماذا؟ قيمة حقك الدينار. يجوز؟ لا يجوز. لماذا؟ لأن هذه أصناف، كما يقال: يجب فيها المماثلة. يجب فيها المماثلة. يعني وحنا في هذه الكلمة أشرنا إلى مسألة يذكرها العلماء، يسمونها: مد عجوة. ولعل تأتي معنا، أو نشير إليها إشارة. يعني ماذا؟ ذكرت. يعني صورة مد عجوة: أن يكون إنسان عنده تمر، سموه عجوة، هذا ف يشتري تمر بتمر آخر أجود. يعني تمر جيد، أو تمر بنوع آخر جيد. فيقول: نحن إذن لابد من ماذا؟ من المماثلة. لابد من المماثلة. إذن سأشتري منك ماذا؟ ما يماثل حقك، لكن قيمة الآخر أزيد. فيقول: أعوض، يعني أعوضك عن النقص بماذا؟ بدرهم، أو بدرهمين. وهذا حاله. هذا ما يسميه العلماء: مد عجوة. ومسألة فيها خلاف. الصحيح أنها كذلك من هذا الباب. الصحيح كذلك: أن من هذا الباب؛ بمعنى أنه يشترط فيها المماثلة، ولا يقول: زيادة فيها. زيادة بدراهم. الزيادة في كذلك في ذلك مؤثرة. طيب. فالحاصل: أنه كما ذكر: أنه يشترط فيها المماثلة، ولو كان بعضها أجود من بعض، وأثمن من بعض. يشترط فيها ماذا؟ المماثلة. وإذا كان كذلك، يعني كما يقال: الشيء بالشيء يذكر: بيع الذهب، مثلا في أزماننا هذا، الذهب الذي يقال له: عيار 24، عيار 24، بالذهب آخر، عيار 21. واضح. هل يقبل فيه كذلك المماثلة؟ أم نقول: أن هذا قيمة هذا، ونعطيه الفارق؟ يعني نقوم هذا، مثلا هذا عشرون جراما، وهذا عشرون جراما. عشرون جراما قيمتها مثلا مئة ألف يمني. طيب. والآخر قيمته مثلا خمسون ألفا يمنيا. يعطيه يد بيد، ويزيده خمسون ألفا. يجوز هذا؟ وما يجوز؟ لا يجوز. واضح. هذا من الربا. هذا كذلك من الربا. يشترط فيه أن يكون متماثلين، ولو كان أحدهما أجود من الآخر. يكون يشترط فيه ماذا؟ التماثل. يشترط فيه التماثل. طيب. مسألة كذلك، وهي: قالوا: كل ما حرم فيه التفاضل، حرم فيه النساء بغير خلاف. كل ما حرم فيه التفاضل، حرم فيه النساء بغير خلاف. قالوا: ويحرم التفرق قبل القبض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عينا بعين، وقوله: يدا بيد». قالوا: ولأن تحريم النساء آكد -يعني آكد من تحريم رباء الفضل-. تحريم رباء النسيئة أشد من تحريم رباء الفضل. قالوا: ولذا جرى في الجنسين المختلفين. وضح. يعني بخلاف رباء الفضل: إنما يكون في جنس واحد. أما رباء النسيئة؛ لقوتها، وشدة حرمته، جرى حتى في ماذا؟ في الأجناس المختلفة. جرى في الأجناس المختلفة. إذا قالوا: إذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف شئتم». لكن إيش؟ إذا كان يدا بيد. إذا رباء النسيئة أشد، لذا كرر معنا فيما مضى من دروس: أن بعضهم نص على أن تحريم رباء الفضل، إنما هو تحريم من باب تحريم إيش؟ الوسائل. والنسيئة من تحريم ماذا؟ تحريم الغايات، أو محرم لذاته. والمحرم لذاته أشد حرمة من المحرم تحريم وسيلة. لذا تحريم وسيلة: يجوز للحاجة. بخلاف تحريم المحرم لذاته، فإنه لا يجوز إلا ليش؟ إلا للضرورة. طيب. قالوا: فإذا حرم التفاضل، فالنساء أولى بالتحريم. يعني خلاصته: أن ما حرم فيه التفاضل، فإنه يحرم فيه ماذا؟ النساء. هل العكس صحيح؟ ليس بصحيح. لماذا؟ أنه قد يحرم النساء في الأجناس المختلفة، ولا يحرم فيه ماذا؟ التفاضل. الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فبيعوا كيف شئتم». فإذا اختلفت الأجناس، فبيعوا كيف شئتم. إذا كان يدا بيد. طيب. مسألة بعد هذه المسألة، وهي: قالوا: ما كان من جنسين، فجائز التفاضل فيه، يدا بيد، ولا يجوز نسيئة. يعني ما كان من جنسين مختلفين، مثل الذهب والفضة، أو البر والشعير، التمر والشعير، وهكذا. قال ابن قدامة رحمه الله: لا خلاف في جواز التفاضل في الجنسين، نعلمه، إلا عن سعيد بن جبير: أنه قال: ما يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز التفاضل بينهما. سعيد بن جبير قال: ما يجوز التقارب بينهما -يعني مثل ما هذا سيكون مثل الشعير والبر، الشعير والبر متقاربا-. كذلك الذهب والفضة متقاربا. قال ابن قدامة: وهذا يرده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد». و «بيعوا البر بالتمر كيف شئتم يدا بيد». و «بيعوا الشعير بالتمر كيف شئتم يدا بيد». واضح. عملاء، وهذا الحديث أخرجه الترمذي بإسناد صحيح. وقال الترمذي رحمه الله تعالى بعد إخراجه: قال: «وحديث عبادة حديث حسن صحيح». وقد روى بعضهم هذا الحديث عن خالد -وهو خالد الحذاء، أحد الوات هذا الإسناد- بلفظ: قال: «بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدا بيد». وهذا نص صريح في المسألة. قال الإمام الترمذي: قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون أن يباع البر بالبر إلا مثلا بمثل، والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل. قال: فإذا اختلفت الأصناف، فلا بأس أن يباع متفاضلا إذا كان يدا بيد. قاله: قول أكثر أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. قال الشافعي: والحجة في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بيعوا الشعير بالبر كيف شئتم يدا بيد». قال ترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن تباع الحنطة بالشعير إلا مثلا بمثل. قال: وهو قول مالك بن أنس. وهو قول مالك بن أنس. قال: والقول الأول أصح. وهو كما قال. الماذا؟ لهذا الحديث. «وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل». قال ابن قدامة: ولأنهما جنسان -يعني من حيث النص كما تقدم هذا الحديث-. ومن حيث التعليل. قال ابن قدامة رحمه الله: ولأنهما جنسان، فجاز التفاضل فيهما؛ كما لو تباعدت منافعهما. قال: ولا خلاف في إباحة التفاضل في الذهب والفضة، مع تقارب منافعهما. واضح. يقول: الذهب، الفضة، أنتم قلتم: أن جنسا متقاربان، لا يجوز. ها هو الذهب والفضة، ها هو الذهب والفضة متقاربان في الثمنية، متقاربان في الوزن، وتقاربا في الاستخدام. ومع هذا فإنكم قد اتفقتم على ماذا؟ على جواز التفاضل فيما بينهما إذا كان يد بيد. واضح. فيقول: فأما النساء -يعني هذا انتهى-. قال: فأما النساء -أي رباء النساء، أي النسيئة-. فكل جنسين يجري فيهما الربا -بعلة واحدة- كالمكيل بالمكيل، والموزون بالموزون، والمطعوم بالمطعوم. فإنه يحرم بيع أحدهما بالآخر نساء بغير خلاف نعلمه. وذلك لقوله عليه السلام: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد». وفي لفظ: «لا بأس ببيع الذهب بالفضة بأكثرهما يدا بيد». وأما النسيئة فلا. قال: «وبيعوا البر بالشعير، والشعير بالبر، والشعير أكثرهما يدا بيد». وأما النسيئة فلا. وهذا حديث رواه الإمام أبو داود بإسناد صحيح. رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال ابن قدامة: إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا -يعني هذه مسألة أخرى نبّه عليها-. قال: إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا، والآخر مثمنا. أحد العوضين ثمنا -أي ثمنا أي شيء المراد به؟ من ذهب أو فضة، من ذهب أو فضة، أو نحوها-. قال: والآخر مثمنا -والآخر مثمنا مثل التمر، الشعير-. قال: فإنه يجز النساء بينهما بغير خلاف. يجز النساء بينهما بغير ماذا؟ بغير خلاف. قال: لأن الشرعة أرخص في السلم. يعني مثال هذا: يعني رجل يأتي إلى رجل -رجل يأتي إلى رجل- يعني فيقول له: مثلا في بيع السلم -كان مرة معنا في أبواب السلم-: سأعطيك مثلا مئة، أو سأعطيك مثلا كذا كذا صاع، مثلا من الشعير. سأعطيك عشرة أصع من الشعير، على أن تأتيني بعد شهر بخمسة آصع من البر. واضح. هل يجوز؟ أم لا؟ يقول: من قدامة: في متى الصورة، يجوز. باذا يجوز؟ من غير خلاف. قال: فإنه يجوز النساء بينهما بغير خلاف؛ لأن الشرع أرخص في السلم. والأصف في رأس المال: الدراهم والدنانير. فلو حرّم النساء هنا، لن سدّ باب السلم الموزونات والمكيلات في الغالب. يعني يقول ابن قدامة رحمه الله: في المسألة الصورة المذكورة الأولى واضحة. فالآن يقول: إلا أن يكون أحد العوضين ثمنا -أن يكون أحد العوضين ثمنا-. والآخر ماذا؟ مثمنا. كما سمعتم: أحد العوضين ثمنا -كان يكون مثلا دراهم، أو دنانير، دراهم أو دنانير-. والآخر ماذا؟ مثمنا. تامر، شعير، بر، إلى غير ذلك. ففي مثل هذه الصورة، فإنه قال: يجوز النساء بينهما بغير خلاف. إذا كان الذهب مع ماذا؟ الذهب والفضة مع غيرها. لكن يعني هذه الأصناف المذكورة التي ذكرناها نحن: شعير بماذا؟ بتامر، أو شعير بماذا؟ يعني ببر، أو ما شابه ذلك. هذه اشترط فيها ماذا؟ تقابض. اشترط فيها التقابض. ومن شروط السلم: من شروط السلم متفق عليها: أن السلم يجوز. بشغل أن يكون الثمن والمثمن فيما لا يدخلهما، أو فيما لا يجب فيهما التقابض. لا يجب فيهما التقابض. إذن المثال المذكور أولا في الشعير بالتامر، ليس بالصيغة الصحيحة. نقول ماذا؟ دراهم من ذهب، أو دنانين من دراهم من فضة، أو دنانين من ذهب، بماذا؟ بشعير، أو تمر، أو ما شابه ذلك. فإن هذا يجوز. والله تعالى أعلى وأعلى. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.