الدرس في كتاب البيوع 73، ألقاها
إذا التقط الإنسان شيئاً سريع التلف، فهو مخير بين أكله أو بيعه وحفظ ثمنه، ولا يجوز إبقاؤه لأنه يتلف. فإن تركه حتى تلف فهو من ضمانه.
يتناول المقطع أحكام الوديعة واللقطة وضماناتها، حيث يشرح الشروط التي تجعل المودع أمينا أو ضامنا، كما يتطرق إلى آراء مختلف الفقهاء في هذه المسائل.
يتناول حكم التقاط ضالة الإبل والبقر والحمر، حيث يرى بعض العلماء أن الإبل لا تلتقط لامتناعها، بينما يرى آخرون أن البقر والحمر يلحقان بالإبل أو بالغنم حسب قوتهما.
يدعو المقطع إلى الله بالتسبيح والاستغفار والتوبة، ويعبر عن التضرع والاعتراف بالذنوب واللجوء إلى الله طلباً للغفران.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، بعض المسألة المتعلقة في أبواب اللقطة، وكان آخر مسألة الثامنة، وهي أن من وجد أو التقط اللقطة فإنه -أي شاة ونحوها- فإنه مخير بين ثلاثة أمور: إما أن يأكلها، وإما أن يبيعها ويحتفظ بثمنها، وإما أن يحتفظ بها وينفق عليها حتى يأتي صاحبها. المسألة التاسعة: هل تعرف الشاة أم لا؟ أي الشاة وما كان في معناها، هل يعرف كما تعرف العين من الذهب والورق أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء. فذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنها لا تعرف، واستدل على قوله بحديث زيد بن خالد الجوهني رضي الله عنه وأرضاه، حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشاة، فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». قالوا: فإنه لم يأمره بتعريفها النبي صلى الله عليه وسلم كما أمره بالتعريف في الذهب والورق. قالوا: فإذا كانت الشاة ونحوها فإنها لا تعرف، وهو ظاهر مذهب الحنابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تعرف كغيرها من اللقطات التي لها شأن. قال ابن قدامة رحمه الله: وهذا القول اختاره الإمام ابن قدامة، وقال: ولنا أنها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها كالمطعوم الكثير. وإنما ترك ذكر تعريفها -أي في الحديث- لأنه ذكرها بعد بيانه التعريف ما سواها، فاستغنى بذلك عن ذكره فيها. فالتعرف كما يعرف الذهب والفضة في المجامع أو لا؟ هذا الظاهر ما ذهب إليه العلامة أو الإمام ابن قدامة رحمه الله. وقال رحمه الله: ولا يلزم من جواز التصرف فيها في الحول سقوط التعريف. فالحاصل أن هذا الذي اختاره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى، والقول فيه محتمل. المسألة العاشرة: وإذا التقط ما لا يبقى عاماً، قالوا: فذلك نوعان. يعني واضحة المسألة: ما لا يبقى عاماً، بمعنى أنه إذا التقط الإنسان شيئاً لا يبقى مدة عام، بل يفسد قبل ذلك أو يذهب أو يحصل له شيء قبل ذلك. فما الحكم في ذلك؟ قالوا: فذلك نوعان: إذا التقط ما لا يبقى عاماً، فذلك نوعان، أي على قسمين أو هما نوعان. أحدهما: ما لا يبقى بعلاج ولا غيره، أي يفسد على جميع الأحوال. قالوا: كالطبيخ والبطيخ والفاكهة التي لا تجفف والخضروات. قالوا: فهو مخير بين أكله وبيعه وحفظ ثمنه. ولا يجوز إبقاؤه لأنه يتلف. قالوا: فإن تركه حتى تلف فهو من ضمانه. يعني بعد الالتقاط، أخذ مثلاً طعاماً تركه حتى يتلف، أو أخذ فاكهة تركه حتى تتلف، أو أخذ خضروات مثل طماطم، أخذها حتى تلف. قالوا: لأنه فرط في حفظه، فلزمه ضمانه كالوديعة. قالوا: فإن أكله ثبتت القيمة في ذمته على ما ذكرنا في اللقطة الغنم. وإن باعه وحفظ ثمنه جاز. واضح. يعني يقول هذا ويقول هذا. قالوا: وهذا ظاهر مذهب الشافعي ومذهب الحنابلة. قالوا: وله أن يتولى بيعه بنفسه. واضح هذا يا إخوان، بمعنى الآن إنسان وجد شيئاً من الشيء الذي يطرأ عليه الفساد، فماذا يصنع؟ الجواب: إن التقطه ويخشى عليه الفساد، فهو مخير بين أن يأكله وتبقى القيمة في ذمته متى جاء صاحبها دفعها له، وإما أن يبيعه ويحتفظ بثمنه حتى يأتي صاحبها. فإن لم يأت خلال عام، فشأنه بتلك اللقطة شأن غيرها من اللقطات. واضح. جماعة طيب، ها هنا تفريعة: هل له أن يتولى بيعه بنفسه أم لا بد أن يكون بإذن الإمام؟ قولان لأهل العلم. فبعض أهل العلم قال: له أن يتولى ذلك بنفسه. وبعض أهل العلم قال: لا بد أن يكون إلا بإذن الإمام. ومنهم من فصل، الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: له بيع اليسير، وإن كان كثيراً دفعه إلى السلطان. وضع فرق بين اليسير يقول: له أن يبيعه، وأما الكثير فإنهم يدفعوه إلى السلطان، فالسلطان يتولى بيعه. وقال أصحاب الشافعي: ليس له بيعه -يعني سواء كان كثيراً أو قليلاً- إلا بإذن الحاكم. قالوا: فإن عجز عنهم -أي عجز إما عن الوصول إلى الحاكم أو أنه يخشى إذا تأخر حتى يصل إلى الحاكم يفسد ذلك الطعام أو تلك اللقطة- قالوا: ففي هذه الحالة يجوز بيعه لأنه يكون في حكم الضرورات. قالوا: فإن عجز عنه جاز البيع بنفسه لأنه حال ضرورة. فأما مع القدرة على استئذانه فلا يجوز من غير إذنه، لماذا؟ قال: لأنه مال معصوم لا ولاية له عليه. واضح. طيب، فلم يجوز لغير حاكم بيعه كغير اللقطة. مثل ما لا غير اللقطة فيما مر معنا مسائل المفلس. ما المفلس؟ هل يبيعه الغرماء؟ الجواب: لا يبيعه، من يحبه من الحاكم. قالوا: فهذا كذلك. طيب والأظهر والله أعلى وأعلم: الجواز، لأنه مال أبيح للملتقط أكله. أبيح للملتقط أكله، وإذا أكله ثبتت القيمة. واضح. واضح. كأنه باعه. قالوا: أكله فأبيح له بيعه كماله. ولأنه مال أبيح له بيعه عند العجز عن الحاكم، فجاز عند القدرة عليه كماله. واضح. هذا. جماعة. قالوا: ثم عرفه عاماً. فإذا جاء صاحبه، فإن كان قد باعه وحفظ ثمنه دفعه إليه، وإن كان قد أكله أو تلف ثمنه غرمه له بقيمته يوم أكله. واضح. بقيمته يوم أكله، لا يوم أن يجيء صاحبها. وإن أكله وإن تلفت ثمن بغير تفريط قبل تملكه أو قبل تملكه أو نقص أو نقص أو تلفت العين أو نقصت من غير تفريط، فلا ضمان على الملتقط. واضح. يعني حصل له حفظ المال، فحصل المال من غير يتعدى منه ولا تفريط، من غير يتعدى منه ولا تفريط، فلا شيء عليه. لماذا؟ لأنه في هذه الحالة حكمه حكم الأمين. والأمين إذا تلف المال في يده من غير تعد فلا شيء عليه. يعني كالوديعة. لأن المال حقيقة في هذه الحالة يكون كالوديعة. فالإنسان إذا وضع وديعة عند إنسان آخر، فتلفت تلك الوديعة من غير تعد، فما الحكم؟ الحكم أنه لا شيء على المودع عنده تلك الوديعة، أنه أمين ما دام أميناً. وهذا كذلك. قالوا: وإن تلفت أو نقص الثمن لتفريطه، فعلى الملتقط ضمانه. قالوا: وكذلك إن تلف الثمن بعد تملكه أو نقص، ضمنه. طيب. يعني يقول: وكذلك إن تلف الثمن بعد تملكه أو نقص، ضمنه. يعني ما الفرق بين الصورة الأولى والثانية؟ يقول: إن تملك الثمن -يعني باعها- باع مثلاً وجد مثلاً فاكهة فباعها بسوق بألف ريال. قلنا: إما أن يبقيها على حالها، إن أبقاها محفوظة ما تملكها. يقول: هذه حق فلان، سأحفظها لفلان. تلفت هذه الألف -حرقت، سرقت- من غير تعد ولا تفريط، ما الحكم؟ ها هنا لا شيء عليه. الصورة الثانية: أن يبيعها ويقول: هذه الألف سأتملكها، ومتى ما جاء سأعطيه ألفاً. تملكها، وضعها في مكان، تلفت هذه الألف، سرقت. هل يضمن أم لا؟ يضمن. واضح. لماذا؟ أنه في هذه الصورة ليس بأمين، لأنه ليس بوديعة الآن، بل صارت في ملكه، والمال صار في ذمته، ولم يكن متعلقاً بذلك الشيء الذي قد تلف. واضح. هذا. فيفرق بين هذا وذاك. وهذا كذلك في الوديعة. وسأتي -يعني لعل ما تأتي مسألة الوديعة- من ودائع يعني في الوديعة كذلك ينبه العلماء على أمر، وهو أن الرجل يكون أميناً إذا لم تتعدى يده ولم تمس المال، فإن مست المال فإنه لا يكون أميناً. يعني مثال ذلك: إنسان زيد وضع مثلاً مئة ألف عنده عمر، عمر جاءه إنسان فقال له: يا عمر أريد مالاً ضروري، أنا في ضرورة، وهذا الشيك -يعني في الليل مثلاً البنك مغلق- هذا الشيك بكرة الصباح خذ، يعطني مئة ألف وأخذ مكانه مئة ألف. هذا الشيك -يعني بدلاً عن ماذا- عما أقرضني ضروري. واضح. جماعة. أعطاه المئة ألف، قال: يوم الثاني سأذهب إلى البنك، ذهب اليوم الثاني إلى البنك مثلاً وآخذ المئة ألف، وضع في المكان. فتلفت. واضح يا أخوان، أم لا؟ في هذه الحالة يكون من ضمان من؟ من كانت عنده الوديعة. لماذا؟ لأنه تعدى في هذه الحال، تعدى بماذا؟ تصرف بالمال من غير إذن، تصرف المال من غير إذن من غير إذن صاحبه. واضح. هذا. جماعة. ولو ألف ريال أخذ ألف ريال ثم ردها، يكون تعدى. لم يكن أميناً. الأمين ما يتصرف بشيء إلا بإذن، إن أذن له صاحب المال. قاله: لا، بس اعطيه. يكون ها هنا حكم حكم الوكيل. واضح. أي: إن رجع المال، عاد الحكم. واضح. لكن إذا كان بغير إذن، يكون تصرف ولم يكن أميناً. فإن حصل تعد يكون ماذا؟ يكون ضامناً. فننتبه لهذا الأمر، ولو قال الرجل مثلاً: سأخذ الآن الألف وسأعطيه ألف من حق الدكان. واضح. جماعة. يعني مثلاً جاء إنسان طالبه بمال، قال: أخذ هذه الألف، وقال: سأخذها بالدكان الحقي وأرد مكان الألف ألفاً. يكون في هذه الحالة ماذا؟ تعدى. ولو ردها في نفس المكان وفي نفس الصندوق المحروز، يكون بهذا المال تعدى. ولم يكن أميناً. واضح. جماعة. فلا ينفع قوله فقط، يكون متعدياً في هذه الحال. طيب والأمر ها هنا، هذه مسألة كما يقال: هي متعلقة في مسائل الودائع والضمانات، لكن ذكرناها لأننا -يعني ما سأتي- إذا خرجنا من هذا الباب نكون سنخرج من أبواب المعاملات، سندخل في أبواب معاملات أخرى: أنكحة ونحوها. نسأل الله عز وجل أن يعين. قلنا: هذا النوع الأول. النوع الثاني، قالوا: ما يمكن إبقاؤه بالعلاج -يعني ما لا يبقى عاماً كما ذكر- على قسمين أو على نوعين: نوع لا يبقى بعلاج ولا بغيره -يعني بمعالجة- النوع الأول تقدم ذكره: كفاكهة تفسد أو طعام، طبيخ كذلك يفسد، ونحو ذلك. النوع الثاني: ما يبقى عاماً فأكثر، لكن يحتاج إلى ماذا؟ معالجة. قالوا: كالعنب والرطب. فما لا يصنع فيه، قالوا: فينظر ما فيه الحظ لصاحبه. ينظر ما فيه الحظ لصاحبه. فإن كان فيه التجفيف -يعني الحظ في التجفيف- جففه، ولم يكن له إلا ذلك -أي لم يكن له من التصرفات أي الملتقط إلا ذلك- يغففه، لأنه مال الأحظ لصاحبه. قال: لأنه مال غيره، فلزمهم ما فيه الحظ لصاحبه كولي اليتيم. طيب. قالوا: وإن احتاج في التجفيف إلى غرامة، باع بعضه في ذلك. واضح. وإن كان الحظ في بيعه -يعني مثلاً إذا جففه يحتاج إلى تكلفة كبيرة، وإن باعه سيخرج بثمن جيد- مثلاً على سبيل المثال: وجد عنباً قيمته مثلاً إذا باعه الآن تسوى مئة ألف، وإذا جففه ثم باعه يسوى مثلاً ثمانون ألفاً. ماذا يفعل؟ الأحظ: أشيء الأحظ البيع، يبيعه. واضح. قالوا: وإن كان الأحظ في بيعه باعه وحفظ ثمنه كالطعام والرطب. فإن تعذر بيعه -إن تعذر بيعه ولم يمكن تجفيفه- واضحة جماعة: تعذر بيعه، مثلاً الناس ما يريدون هذه البضاعة ما يعجبهم، وفي نفس الوقت ما يستطيع ماذا؟ أن يجففه، مثلاً أمطار وكذا ما يستطيع أن يجففه. فماذا يصنع في هذه الحال؟ قالوا: تعين أكله. كالطيخ. أي: في هذه الحال يأكله. قالوا: وإن أكله، وإن كان أكلهم أنفع لصاحبه، فلو أكله أيضاً لأنه لأن الحظ فيه. قال: ومقتضى قول حنابلة: أن العروض -يعني كثياب وكذلك السلاح نحوها- لا تملك. وأن هذا المذكور كله لا يجوز له أكله -متقدم ذكره على النوعين- لكن يخير بين الصدقة به وبين بيعه. واضح. على النوعين يقول: هو بالخيار إما أن يبيعه وإما أن ماذا؟ أن يتصدق به. هو لا يأكلهم. وقال أحمد: يعرفه، فإن خشي فساده تصدق به. فإن جاء صاحبه غرمه. يعني يتصدق به بالنهاية عن صاحبه، فإن جاء صاحبه غرمه. قال: وكذلك قال مالك وأصحاب الرأي في لقطة ما لا يبقى سنة، يتصدق به. وقال الثوري: يبيعه ويتصدق بثمنه. والأظهر جواز أكله. والأظهر جواز أكله لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الغنم: «خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب». وهذا تجويز الأكل. فإذا جاز فيما هو محفوظ بنفسه -أي كشاة- ففيما يفسد ببقائه أو لا؟ واضح. هذا. جمع. طيب. المسألة الحادية عشرة: أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السبع -صغار السبع مثل ماذا؟ مثل أولاد الأسد والذئب والثعلب وما شابه ذلك- طيب. أن كل حيوان يقوى على امتناع من صغار السبع، وورود الماء، لا يجوز التقاطه. لا يجوز التقاطه، ولا يتعرض له. سواء كان لكبر جثته كالإبل والخيل، أو لطيرانه كالطيور كلها، أو لسرعته كالضباع والصيود. الصيود مثل ماذا؟ جماعة: جميع الأشياء التي تستطاد، مثل أرنب، أرنب سريع العدو وهكذا. أو بنابه كالكلاب والفهود. هذه لا تُلتقط. يعني هل ممكن فهد أن يكون لقطة؟ الجواب: نعم، لأنه ماذا؟ يروض للصيد، يروض للصيد. يعني يكون الإنسان يعرف أن هذا مملوك، يكون مثلاً عليه حزام في رقبته أو شيء، يعلم أنه مملوك، ولكن ظل على صاحبه. هل لو أن يلتقط يقول: لقطة؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه يمتنع عن كبار -يمتنع عن صغار السباع- بماذا؟ يعني بنابه، مثل الأسود والفهود، مثل الفهود والكلاب يمتنعون بنابه. والفهود كذلك بسرعته. الفهود كذلك بسرعته. طيب. وقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «من أخذ ضالة فهو ضال». وسأتي معنا كذا، كأن هذا قد جاء فيه حديث قد مر معنا: «لا يضال الضال إلا ضال». طيب. وبهذا قال الشافعي والاوزعي وأبو عبيد. واضح. جماعة: أنه تلحق هذه الأشياء بماذا؟ بالإبل، في ماذا؟ في الامتناع، وفي القدرة على ماذا؟ على الشرب والطعام. وقال مالك والليث: في ضالة الإبل، من وجدها في القرى عرفها -ما معنى عرفها؟ أن يلتقطوها ويعرفوها- ومن وجدها في الصحراء لا يقربها. يعني حملوا الحديث على ما على الصحراء دون القرى. ورواه المزني عن الشافعي -أي هذا القول- وكان الزهري يقول: من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة. قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة. وكأنه رحمه الله تعالى ذكر هذا في مسألة ماذا؟ في مسألة الحج، البدنة في ماذا؟ في الحج. وقال أبو حنيفة: في لفظ: يباح التقاطها -أي الإبل- لماذا؟ قال: إنها لقطة أشبهت الغنم. واضح: لقطة أشبهت الغنم. والصحيح ما تقدم ذكره: أنها لا تلتقط، لما جاء في حديث زيد بن خالد الجوهني رضي الله عنه، حديث الباب، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ضالة الإبل، قال: «دعها، ما لك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجرة حتى يجدها ربها». واضح. فهذا واضح، نص صريح واضح من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الإبل، ويلحق فيها كذلك ما كان في معناها. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله، إن نصيب هوام الإبل -وهذا نص واضح- هوام الإبل، أي إبل تهيم في الصحراء. نصيب هوام الإبل، قال: «ضالة المسلم حرق -أو حرق النار- ضالة المسلم حرق النار». وتقدم معنا هذا الحديث أنه صحيح. حيث الجارود. وعن جليل بن عبد الله: أنه أمر بطرد بقرة لحقت ببقرة حتى توارث. وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يؤوي الضالة إلا ضال». رواه أبو داود. بمعنى: رواه أبو داود. معه. وتقدم معنا أيضاً هذا المعنى: «لا يؤوي الضال إلا ضال». وأنه حديث ثابت. طيب. وقياسهم -أي الإبل- على الغنم يعارض صريح النص. وكما قيل: أفسد القياس الذي يعارض ماذا؟ النص. القياس في مقابلة النص. قال: وكيف يجوز ترك نص النبي صلى الله عليه وسلم وصريح قوله، بقياس نصه في قياس نصه في موضع آخر. على أن الإبل تفارق الغنم لضعفها وقلة صبرها عن الماء. واضح. جماعة. فالحاصل أنه لا يجوز التقاطها للإبل، ولا ما كان في معنى الإبل من حيث القوة والامتناع. طيب. على ما تقدم ذكره. طيب. مسألة: المسألة اللي تلي هذه المسألة، قالوا: فإن كانت الصيود مستوحشة -إذا كانت الصيود مستوحشة- إذا تركت رجعت إلى الصحراء، وعجز عنها صاحبها، جاز التقاطها، لأنه تركها أضيع لها من سائر الأموال، والمقصود حفظها لصاحبها، لا حفظها في نفسها. ولو كان المقصود حفظها في أنفسها لما جاز التقاط الاثمان. فإن الدينار دينار حيث ما كان. وها تنبيه جيد: أن يستثنى مما ذكر يستثنى مما ذكر ما كان مستوحشاً. طبعاً يعني مثلاً الحمار وحشي أو جاموس وحشي، لكن صار له مالك، فخرج، فرأوه مثلاً متجهاً إلى الصحراء وينطلق إلى الصحراء، سيرجع إلى طبيعته المستوحشة. فاليترك حتى يذهب على صاحبه. الجواب: قال لا، له أن يأخذه وأن يحتفظ به، حفاظاً على مال المسلم. واضح. والعمل بالنيات. يعني إن أخذه لاجل هذا المعنى النبيل، فهو أقل أحوال أن يكون مستحباً. وإن أخذه لحبه يكون آثماً. والضال إلى ماذا؟ إلا ضال. وكما جاء في حديث آخر: «ضالة المسلم حرق -أو حرق النار-». طيب. مسألة أخيرة، وبها نختم هذا الدرس باذن الله جل وعلا. قالوا: البقر كالإبل. يعني هل البقر كالإبل في هذا الحكم؟ أي يستوي الحكم في البقر والإبل أم لا؟ نص أحمد رحمه الله تعالى والشافعي وأبو عبيد -أو نص أحمد- أن البقر كالإبل، وهو قول الشافعي وأبي عبيد. وحكي عن مالك أن البقر تكشاه. استدل الحنابلة على قولهم بما جاء في قصة جرير: أنه طرد البقرة ولم يأخذها. طرد البقرة ولم يأخذها. قال: ولأنها تمتنع من صغار السباع. ولأنها تمتنع من صغار السباع، وتجزئ في الأضحية والهدي عن سبعة، فأشبهت الإبل. قال: وكذلك الحكم في الخيل والبغال. طيب. والأظهر والله أعلى وأعلم في هذا التفصيل: بأن يقال: إن كانت البقرة مما يمتنع عن صغار السباع، وكذلك لها القدرة والصبر على الماء كالإبل، فإنها تأخذ حكم الإبل، فلا تلتقط. وإن كان ليس لها قوة ولا قدرة على الامتناع من صغار السباع، أو ليس عندها صبر على الماء، تعطش وربما هلكت، ولا كذلك على تناول الطعام كالإبل، فإنها تلحق في هذه الحالة بالشاة. تلحق بهذه الحالة بماذا؟ بالشاة. وهذا يعني يكون متصوراً بتصور الأبقار أولاً، وبئتها. يعني بعض الأبقار كبيرة ضخمة تمتنع بنفسها، وفي بعض الأماكن الأبقار ماذا؟ صغيرة هزيلة ما تستطيع أن تمتنع بنفسها. فإذا نقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما. فمتى وجدت العلة التي لأجلها أبيح أخذ الشاة، ألحقت بالشاة. ومتى وجدت العلة التي لأجلها منع التقاط الإبل، فتأخذ حكم ماذا؟ الإبل. لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما. هذا التفصيل هو الأظهر، والله أعلى وأعلم. بقي الحمر -الحمير- هل يلحق كذلك بالشاء أو بالإبل؟ ذهب بعض أهل العلم، وهو قول جماعة من الحنابلة، إلى أنها تلحق بالإبل. قولي: أن أجسامها كبيرة عظيمة مقاربة لأجسام الإبل، فتلحق بالإبل. وكذلك هي أشبه بالبغال والخيل. والبغال والخيل ماذا؟ مما يلحق بالإبل. فإذا تلحق بهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تلحق بالشاة. إلى أنها تلحق بالشاة. وهذا القول هو الذي اختاره الإمام ابن قدامة رحمه الله، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل الإبل بأن معها حذاءها وسقاءها -يعني يريد شدة صبرها على الماء- لكثرة ما توعي في بطونها منه، وقوتها على وروده. وعلل في إباحة ضالة الغنم بأنها معرضة لأخذ الذئب إياها، بقوله: «لك أو لأخيك أو للذئب». قال: والحمر مساوية للشاة علتها. الحمر مساوية للشاة علتها. فإن لا تمتنع من الذئب. الحمير لا تمتنع من الذئب، ولا من الضباع. بل يذكرون بأن الحمار إذا سمع الضبع، قالوا: ما يتحرك، ما يتحرك. وهذا ذلنا على ماذا؟ يعني شدة خوفه إذا سمع صوت الضبع، حتى يضرب به مثال. يعني صار مثل الإنسان الجبان شديد الجبن، يقولون: كأنه حمار رأى ضبعاً. رأى ضبعاً ما يتحرك، لا يدفع عن نفسه، ولا شيء، ينتظر حتى يأكله. فالحاصل من هذا: أنه لا يمتنع، ليس فيه معنى ماذا؟ الامتناع من صغار ماذا؟ السباع. إذا «هي لك أو لأخيك أو للذئب». فالحاقه بالشاة أولى من إلحاقه بماذا؟ بالإبل، للعلة المذكرة في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». هذا هو الأصح في هذه المسألة، والله أعلى وأعلم. والله أعلى وأعلم. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.