كتاب التفسير من صحيح البخاري 132

كتاب التفسير من صحيح البخاري 132

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 132، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سلسلة رواة تفسير سورة ص

يستهل الإمام البخاري باب تفسير سورة ص بذكر سلسلة الرواة بدءًا من محمد بن بشار (البندار) وأبي موسى العنزي، ثم غندر (محمد بن جعفر) المشهور بضبطه لكتاب شعبة، وصولًا إلى شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث وأول من فتش عن الرجال في البصرة، وعن العوام بن حوشب الواسطي مع توضيح أصولهم العلمية ومنازلهم في الرواية.

سجدة سورة ص وسببها

يروي سفيان الثوري عن مشايخه البصريين وعن العوام بن حوشب عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة ص اقتداءً بسجود داود عليه السلام عند توبته، وأن هذه السجدة ليست من عزائم السجود الواجبة لكن ثبت فعل النبي لها.

أحكام سجدات التلاوة وعددها

يذكر المقطع أن في القرآن خمس عشرة سجدة، عشر منها متفق عليها من سورة الأعراف إلى فصلت، وخمس مختلف فيها (ص، النجم، الانشقاق، العلق، والثانية في الحج)، ويستعرض أقوال العلماء في السجود فيها داخل الصلاة وخارجها مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في سجود العشاء بسورتي الانشقاق والعلق.

خاتمة الدرس والتفويض لله

يُعلن المتحدث عن انتهاء الحديث أو الدرس في هذه النقطة، مختتماً بالتفويض إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «سورة ص»، ومعنى تفسير أو ما جاء من الحديث في تفسير سورة ص. قال: حدثنا محمد بن بشار، محمد بن بشار العبدي أبو بكر البصري الملقب ببندار، وكان لُقب ببندار لجمعه حديث أهل بلده. فهو البندار، الحافظ الكبير، وكان حافظًا، وكان أيضًا ممن ينشر الحديث وممن يرحل إليه، رحل الناس إليه، وهو من التسعة الذين رووا لهم أهل الكتب الستة، وكذلك أحمد والدارمي وأبو يعلى وغيرهم، فحديثه منتشر. وكذلك أبو موسى العنزي، محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي البصري. كذلك قال: حدثنا غندر، غندر هو محمد بن جعفر أبو بكر بغدادي، ولقب بغندر، الغندر بمعنى المشاغب، ويقال إن أول من لقبه بغندر هو ابن جريج، لما جاء إلى البصرة فكان غندر يرفع صوته ويشاغب، فقال: «اسكت يا غندر»، فأخذوا هذا اللقب فقيل له غندر. وكان ضابطًا لكتابه حتى قال ابن مهدي وغيره: إن الناس يرجعون إلى حديث شعبة إلى كتاب غندر، فهو حكم في أصحاب شعبة، حديث غندر أو كتاب غندر حكم في أصحاب شعبة، فكان حافظًا كبيرًا خاصة في كتبه، وإلا ففيه غفلة من ناحية تصرفاته، ولهذا كان شعبة رحمه الله لا يكتب عنده أحد ولا يحب أحد أن يكتب في مجلسه، لكن غندر كان يكتب، بل يكتب ويريه شعبة. قال الإمام محمد: وهذا من غفلته، هذا من غفلته أنه يريه شعبة. وكذلك أيضًا كان رحمه الله متيقنًا من كتبه حتى قال ليحيى بن معين: «أنتم تقولون إن محمد بن جعفر ثبت في شعبة ولا يعرف حديث غيره»، أو «لا يعرف حديث غيره»، «انظروا هذه»، فأخرج قطمرين، معنا حزم من الكتب، قال: «انظر هذا حديث سفيان بن عيينة»، فانظر، أترى؟ أو قال ليحيى بن معين: «رأيت فيه خطأ واحدًا فأنت... أنت... أنا... أنت الذي تعرف هذا العلم». قال يحيى: فأخذت كتابه وقرأت القنطار الأول، قال: فلم أرى فيه شيئًا، ثم أخذت الثاني فكدت، أو قال: كدت أن أقول إنه ليس فيه شيء حتى وجدت حديثًا خطأ، فقلت: «هذا الحديث خطأ». فقال غندر: «هذا ليس مني، وإنما هو من سفيان بن عيينة، فانظر في هذا الكتاب ستجده مرة أخرى صحيحًا». قال: فمررت به صحيحًا. هذا يدل على ضبطه رحمه الله، كان يضبط الأحاديث على طريقة أهل البصرة أو أهل العراق جميعًا. قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن حجاج بن الورد العتكي الأزدي أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، أول من فتش عن الرجال في البصرة. قال: عن العوام، وهو ابن حوشب الواسطي. وشعبة أصله أيضًا واسط، لكنه بعد ذلك سكن البصرة، وعلمه كوفي كما ذكرنا قبل: شعبة واسطي وسكن البصرة وعلمه كوفي، وهو عكس سفيان الثوري، سفيان الثوري كوفي لكن علمه بصري. كيف علمه؟ أي مشايخه الذين أخذ عنهم العلم، أول ما أخذ العلم عن مشايخ الكوفة: شعبة أخذ عن مشايخ الكوفة، الأعمش وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم من مشايخ الكوفة، جامع بن شداد وطلحة اليامي وكذلك الزبيدي، فأكثر تجد مشايخ شعبة من أهل الكوفة. وكذلك سفيان، سفيان أصله كوفي لكن أكثر مشايخه الذين أخذ عنهم العلم والحديث أكثرهم من البصرة: أيوب السختياني، وكذلك يونس بن عبيد، وكذلك ابن عون، وسليمان التيمي وغيرهم من البصرة، حتى قال سفيان الثوري: «لولا هؤلاء لما عرفت العلم ولما عرفت الحديث». قال: عن العوام، أي ابن حوشب الواسطي، قال: سألتم مجاهدًا عن السجدة في ص. مجاهد ابن جبر أبو الحجاج المكي، مولى امرأة من قريش، كان إمامًا في التفسير. قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير من مجاهد فحسبك به». كان مجاهد رحمه الله آية في التفسير، ولهذا كان تفسيره مقرًا بتفسير ابن عباس. قال: سألتم مجاهدًا عن السجدة في ص، قال: سئل ابن عباس، فقال: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾، وكان ابن عباس يسجد فيها. أي: يريد أن ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد هذه السجدة لقول الله عز وجل: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾، عن أن داود عليه السلام سجد في ذلك المكان، فسجد النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك المكان، وإلا فهي توبة نبي، أن الله عز وجل ذكر سجود داود وأنه خر راكعًا وأناب، راكعًا هنا ساجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها اقتداءً بداود. قال: وحدثني محمد بن عبد الله، محمد بن عبد الله هو ابن خالد ابن فارس، الهدى الذهلي، إمام أهل نيسابور، محمد بن يحيى، لكن البخاري لا يذكره باسمه، هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي، الذهلي وهو مشهور، محمد بن يحيى الذهلي أبو يحيى، كان إمام أهل نيسابور، لكن حصلت تلك المشكلة بينه وبين البخاري، فلهذا البخاري تجد أنه لا يصرح باسمه، فأحيانًا يقول: محمد بن عبد الله، وأحيانًا يقول: محمد بن خالد، وأحيانًا يقول: محمد، ولا يقول: محمد بن يحيى. قال: حدثني محمد بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن عبيد، وهو أيضًا محمد بن عبيد الطنافسي، كوفي، تقدم معنا أنه معه إخوة: يعلى وعمر، وكلهم رواة الحديث. قال: عن العوام، أي ابن حوشب، قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص، فقال: سألت ابن عباس: «من أين سجدت؟» أنا كيف سجدت في ص؟ فقال: «أو ما تقرأ: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾، فكان داود من أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم من يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». وجاء أيضًا كذلك في الحديث أن ابن عباس قال: «ص ليست من عزائم السجود، ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد عليها» أو «يسجد فيها»، فسجدت. في هذا الحديث أن سجد ص مما يسجد فيها، وسجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم السجود فيها، وإن كانت هي ليست من عزائم السجود، من عزائم السجود أي مما يعزم فيه السجود ويؤمر فيه بالسجود، فهذه ليست من ذلك لأنه لم يأمر بالسجود، وإنما ذكر فعل نبي الله داود لما تبين له أنه أخطأ وأن الله عز وجل ابتلاه فخر راكعًا وأناب، فلذلك فهي توبة نبي، سجد فيها فسجد النبي عليه الصلاة والسلام اقتداءً بداود، سجدها شكرًا، ونحن نسجدها عبادة. وقال ابن عباس رضي الله عنه، والمهم أن هذه السجدة ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد اتفق العلماء وأجمعوا على عشر سجدات في القرآن، أنا أجمع على أنه يسجد فيها، واختلفوا في أربع. القرآن فيه خمس عشرة سجدة، خمس عشرة سجدة، عشر منها وهي الأولى، بدايتها سورة الأعراف، السجدة التي في سورة الأعراف إلى السجدة التي في سورة فصلت، فهذه كلها يسجد فيها. وأما السجدة التي في ص والنجم وكذلك الانشقاق وأيضًا العلق، فهذه مختلف فيها، الأربع الأخيرة، مع أنها ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام كلها، أي هذه الأربع، واختلفوا فيها. سجدة الحج الثانية، فالحج فيها سجدتان: سجدة في بداية السورة وسجدة في آخرها، فاختلفوا في السجدة الأخيرة، وأما السجدة الأولى فهي من المتفق عليه. فهي الآن خمس عشرة سجدة، الصحيح أنها كلها ثابتة إما بالسنة أو بالإجماع، كلها ثابتة بالسنة أو بالإجماع، خمس عشرة سجدة. فمن سجد فيهما أو سجد فيها في الصلاة فله ذلك، وقد كان بعض السلف يسجدون فيها، وقد قال أيضًا الشافعي إنه يسجد فيها، وهو قول أيضًا مالك، إلا أنه جاء عن مالك رواية أنه يسجد في النوافل ولا يسجد في الفرائض، والمشهور من قول الإمام أحمد أيضًا أنه يسجد فيها في الصلاة وخارجها، وجاءت رواية عن الإمام أحمد أنه لا يسجد فيها في الصلاة، ذكر بعض أصحابه رواية عنه أنه لا يسجد فيها في الصلاة وإنما يسجد فيها في خارج الصلاة. لكن قد سجد النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، صلاة الفريضة، كما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم، أن أبا رافع قال: «صلينا مع أبي هريرة فقرأ الانشقاق فسجد فيها، قال: فتعجبنا لذلك»، وهذا يدل على أن المدينة ما كان يسجدون، فقلنا: يا أبا هريرة، من أين هذا السجود؟ قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا أدعها حتى... قال: فلا أدعها حتى يواري جسدي هذا التراب»، أي يقول: لا أدع هذا السجود حتى أموت. فتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها، سجد فيها في الصلاة. لكن هل بالفرض؟ ظاهر حديث أبي هريرة يدل على أنه سجد فيها في العشاء. وكذلك سورة العلق أيضًا جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها في صلاة العشاء. وأما ص فلم يثبت أنه سجد فيها في الصلاة، وكذلك النجم لم يثبت أنه سجد فيها في الصلاة، وإنما سجد عندما كان في مكة فقرأها فسجد، وسجد أهل مكة، حتى أن إلا رجلًا واحدًا أخذ كفا من تراب ووضعه في جبهته وقال: «يكفيني هذا»، وهو يقال إنه أمية بن خلف، ويقال أبي بن خلف هو أخوه. فسجد أهل مكة أيضًا كذلك، حتى أن بعض من أهل الحبشة ممن هاجر الحبشة لما سمع هذا الخبر ظن أن أهل مكة أسلموا، فجاءوا من الحبشة، ومنهم عبد الله المفعود، رضي الله عنهم جميعًا. هذا خلاص ما يذكر في السجدات وما جاء في القرآن، وهذه منها سجدة ص، منها. طيب، نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.