كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 38

كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 38

الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام العوض في المسابقات والمغالبة: النوع الثاني والخلاف في عوض المتسابق

يشرح هذا المحور النوع الثاني من المسابقات الذي يجوز فيه جعل العوض من جهة ثالثة كالحاكم أو متبرع بالإجماع لانتفاء معنى القمار. ويناقش خلاف العلماء في جواز كون العوض من أحد المتسابقين فقط، حيث يرى الجمهور الجواز لانتفاء شبهة الميسر، بينما يرى آخرون كراهيته أو تحريمه لوجود شبهة المقامرة.

حكم بذل العوض في المسابقات العلمية والقياس على سباقات الجهاد

يتناول الخلاف في جواز جعل الجوائز في المسابقات الدينية كحفظ القرآن، مرجحاً رأي ابن القيم بالجواز قياساً على سباقات الخيل والسهام لكون العلم جهاداً. ويؤكد اشتراط النفع العلمي الحقيقي وتجنب المسابقات التافهة، مع القياس على الاستعداد للجهاد.

قياس آليات الحرب المعاصرة على الخيل والإبل في جواز السبق بعوض

يبين أن الدبابات والمركبات العسكرية الحديثة تقاس على الخيل والإبل في جواز السبق عليها بعوض لكونها وسائل حرب وتنقل مشتركة في العلة. ويوضح أن هذا القياس يقوم على وجود العلة المشتركة وهي الاستعداد للجهاد والدفاع.

تعريف الغصب وحكمه واختتام الدرس بتأجيل الاستكمال

يعرف الغصب بأنه الاستيلاء على مال الغير قهرًا وجهرًا بغير حق، مميزًا إياه عن السرقة والاختلاس، ويؤكد تحريمه بأدلة من القرآن والسنة متوعداً آكل المال بالباطل بالعذاب الشديد. ويختتم المحاضر الدرس بإعلان انتهاء الوقت وتأجيل استكمال الباب إلى درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. صلى الله عليه وسلم وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: نذكر تتمة لكتاب المسابقات والمغالبة فيما يتعلق بالعوض، وكذلك المسابقة بالمال أو نحوه. المسألة الأولى: أخذنا في النوع الأول من أنواع المغالبات والمسابقات، نوع يجوز بعوض وغيره. طيب، النوع الثاني: النوع يجوز بلا عوض. طبعًا مرادهم بلا عوض من المتسابقين، أو من المتسابقين، بمعنى: لا تقول: سأجري أنا وأنت إلى هنا، وكل واحد يضع مالًا، ومن يسبق يأخذ هذا المال. طيب، هذا لا يجوز في غير الثلاث التي ذكرت في الحديث. مسألة هنا: إذا كان العوض من جهة ثالثة غير المتسابقين، أو من المتسابقين، هل يجوز أو لا يجوز؟ يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: "الجعل من الإمام يجوز من غير خلاف". قال: "فأما المسابقة بعوض فجائزة بالإجماع، بشرط أن يكون العوض من غير المتسابقين". نعم، يكون العوض من غير المتسابقين، أو من المتسابقين. فإذا كان العوض من غير المتسابقين فلا بأس. مثلا: إنسان يأتي ويقول: يشجع مثلا على السباحة، تمام، يقول: هيا، من يسبق في السباحة فله مني عشرون ألفًا. فيأتي ثلاثة أو أربعة يتسابقون، والذي يسبق يعطيه عشرين ألفًا. هذا لا بأس به؛ لأن ما فيه معنى المقامرة. ولماذا نهي عن العوض في النوع الثاني؟ حتى لا يدخل في باب القمار. والقمار فسروه: كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب. وهذا منتفي في هذا، يعني: المال ما يأخذه الغالب من المغلوب، وإنما يأخذه الغالب من غير المغلوب. فهذا ليس فيه معنى المقامرة، ليس فيه معنى المقامرة، فلا يدخل في النهي. فلا يدخل في أن... أو كان من ولي الأمر، من الحاكم. قال الحاكم: أنا سأعمل مسابقة رياضية مثلا، والفريق الذي يفوز سأعطيه كذا وكذا من المال. لا بأس، هذا يجوز؛ لأن العوض ليس من المتسابقين، وإنما من جهة ثالثة، وإنما هو من جهة أخرى، فليس فيه معنى القمار أو الميسر، ليس فيه معنى القمار أو الميسر. مسألة ثانية أيضًا ذكرها العلماء: إذا كان الجعل من أحد المتسابقين. إيه صورته؟ صورته: مثلا أقول للأخ أبي طاهر: سأتسابق أنا وأنت، تمام. إن سبقتني فلك عشرون ألفًا. طيب، وإن سبقتك ليس عليك شيء. سلمتم. هذا الآن يعني: لا يضع الثاني شيئًا من المال، المال يكون من إحدى المتسابقين، أو من إحدى المتسابقين. فهل هذا يجوز أو لا يجوز؟ هذه الصورة اختلف فيها أهل العلم. فجمهور أهل العلم على جوازها لانتفاء شبهة القمار والميسر. قالوا: لأن القمار هو... هو كل لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب. وهذا المال ما أخذه الغالب من المغلوب على وجه المقامرة. ومعنى المقامرة يعني: أن الثاني إذا لم يسبق أخذ من ماله. هذا يعني قول. والقول الآخر: أن فيه معنى المقامرة. ما هي المقامرة؟ المقامرة: أن الثاني أخذ مال المغلوب، وإن لم يشترط المغلوب أن يضع الغالب مالًا، ففيه شبهة المقامرة. فالأولى والله أعلم في مثل هذه الابتعاد عنها لوجود الشبهة في ذلك، لوجود الشبهة في ذلك. لأن هذا والله أعلم ينطبق عليه شيء من معنى المقامرة، فهو لعب على مال يأخذه الغالب من المغلوب. يعني: الذي وضع المال إذا كان مغلوبًا أخذ ماله. صح. فهنا صار له شيء من المقامرة. لكن الجمهور قال: هو ما قصد المقامرة؛ لأنه لو قصد المقامرة لألزم خصمه أن يدفع شيئًا من المال. صح. فقال الأول: أصلًا لما وضع المال كأنه أراد أن يهنئ بهذا المال. لكن قد يقول قائل: أراد أن يتحدى ويشعر خصمه أنه سينتصر عليه، سينتصر عليه، كأنه يتحداه، ففيه معنى المغالبة، ففيه معنى المغالبة. المهم: المسألة هذه فيها شيء من الشبهة، فيها شيء من الشبهة. فالأولى والأفضل أن تجتنب، الأولى والأفضل أن تجتنب إذا كانت من إحدى المتسابقين دون الآخر. أما إذا كانت من... يعني جهة خارجة سباق، فهذا لا شيء فيها بالإجماع، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى، لانتفاء معنى المقامرة، لانتفاء معنى المقامرة. والله تعالى أعلم. طيب، مسألة أخرى أيضًا تكلم فيها العلماء، وهي مسألة المسابقات العلمية. المسابقات العلمية: اختلف أهل العلم في بذل العوض في المسابقات الدينية، كالمسابقة على حفظ القرآن، أو الأحاديث، أو كتابة بحث علمي. يقال مثلا: كل واحد يكتب بحثًا علميًا في مثلا وجوب الصلاة، أو في مثلا أهمية طلب العلم، والبحث الذي هو أطيبها وأفضلها وأجمعها نعطيه جائزة. أو ما يفعل الآن مثلا في حفظ القرآن: تختار مواضع، وكل واحد يختبر في هذه المواضع، فمن لم يخطئ من هؤلاء يعطى جائزة، يعطى جائزة. هل هذا يجوز أو لا يجوز؟ تكلم ابن القيم عن هذه المسألة في كتابه "الفروسية"، وخلاصة ما ذكره نقرأه عليكم، وهو تحقيق طيب، وكذلك ترجيح جيد من شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى. يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى: "المسألة الحادية عشرة: المسابقة على حفظ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة، والإصابة في المسائل، هل تجوز بعوض؟ وضع هذا على جهة سؤال، فأجاب: منعه أصحاب مالك وأحمد والشافعي، وجوزه أصحاب أبي حنيفة، وشيخنا - يريد شيخ الإسلام ابن تيمية - وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي". القول الأول، اللي هو المنع، عن أصحابه. طيب، لكن هذا القول نقله ابن عبد البر عن الشافعي نفسه، وهو أولى من الشباك، يعني: مسابقة الشباك والصراع، يعني: المصارع والسباحة. فمن جوز المسابقة عليها بعوض، يعني: جوز المسابقة بعوض في الصراع والسباحة، فالمسابقة على العلم أولى بالجواز. فإن الدين قيامه بالحجة والجهاد، فإن جازت المراهنة على آلات الجهاد فهي في العلم أولى بالجواز. وهذا القول هو الراجح. يعني: المسألة فيها سعة. فمن رأى الجواز قاس هذا على ما يكون من السباق في الفرس والإبل والسهام، والسهام، فجعل ذلك من هذا الباب، من هذا الباب. فإن شاء الله لا بأس، لكن بشرط أن تكون هذه المسابقة فيها نفع، فيها نفع. بعض الناس مثلا يعمل مسابقة في ثقافة عامة، أيش الفائدة من الثقافة العامة هذه؟ مثلا يقول لك: كم مثلا قارات العالم؟ أيش فائدة من هذا السؤال؟ يقول لكم: مسابقات ثقافية، يعني: أسئلة تافهة. لا يكون السباق في مسائل العلم، ما فيه ضبط العلم وحفظ العلم، كضبط القرآن والتشجيع على حفظ الأحاديث وتحقيق المسائل العلمية. أما الأشياء التافهة فهذا لا يجوز فيها مثل هذا؛ لأنها أشبه باللهو واللعب، لا بالفائدة. وكذلك التنافس في العلم، التنافس في العلم. والله تعالى أعلم. طيب، مسألة أيضًا أخرى عصرية: وهي هل يقاس مثلا في زماننا هذا على الرمح؟ لأنه جاء في الحديث: السباق بالرمح، المغالبة في الرمح. هل يقاس عليها اليوم مثلا السباق في الآلي؟ الآن ما في رمح، الآن في معنى آليات حديثة، آليات حديثة مثل البنادق، هذه الآليات. فهل الرمي فيها، السباق في ذلك بعوض يجوز أو لا يجوز، قياسًا على السهام؟ الجواب: نعم؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. في الزمان الحالي الآن الرمي لا يكون بالسهام، صح، لا يكون بالسهام، إنما يكونوا بماذا؟ يكونوا بالآليات الحديثة، بالآلي، أو بالدشكة، أو بالصواريخ، أو نحو ذلك، صح. فإذا كان هناك سباق في هذه الآليات الحديثة فهي في الحقيقة بمعنى السهام في ذاك الزمان، والحق: والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فلو جاء اثنان مثلا معهم آليات، قالوا: سنجعل غرضًا على الجبل، ومن يصيبه له كذا وكذا، كل واحد يدفع عشرين ألفًا، هذا يجوز؛ لأنه بمعنى إيش؟ بمعنى السهام. وهو الآن يعد المستخدم في الحروب المعاصرة. الحروب المعاصرة بماذا الآن يتقاتل الجيوش؟ بماذا تتقاتل؟ بالآليات، بالدشكات، بالطائرات، صح. فهذا أيضًا بمعنى ما ذكر في هذا الحديث. مثلا: السباق بالدبابات، الدبابات الآن تعتبر يعني من وسائل الحرب. هل تقاس على الإبل والفرس؟ نعم. بالشاصات، سيارات التي تكون في الحروب، سباق بها، هل يجوز بعوض، ولو من المتسابقين؟ نعم يجوز، قياسًا على الإبل والفرس. واضح هذا الآن. فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. الشيء الذي يستخدم في الحرب، في سرعة، في كر، في فر، في يعني انتقال من موقع إلى آخر، فهذا يكون حكمه... فذلك حكم الخيل والإبل. وكذلك أدوات أو آليات الرمي اليوم، وهي من قوة الحرب في هذا الزمان، كذلك تقاس على السهام، تقاس على السهام. والله تعالى أعلم. طيب، قال المؤلف: ننتقل إن شاء الله إلى الباب الذي بعده. قال: "باب الغصب، وهو الاستيلاء على مال الغير بغير حق". عرف العلماء الغصب: هو الاستيلاء على حق الغير قهرًا. زادوا لفظة "قهرًا" بغير حق. لماذا زادوا لفظة "قهرًا"؟ حتى يخرجوا لو استولى على المال خلسة أو سرقة. خلسة أو سرقة، إيش معنى خلسة؟ معنى خلسة: أنه أخذ المال جهرًا جهارًا، لكن في غفلة من صاحبه. أنت الآن جالس عندي، جوالك بجانبك، أنا جيت وأخذت الجوال دون أن تشعر. هل هذا يسمى غصبًا؟ لا، هذا لا يسمى غصبًا؛ لأن الغصب تأخذ مال الغير قهرًا، وهو لا يستطيع رده. جيت أنت معك جوال، أخذت جوالك أمامك، ولقوة عضلاتي ما تستطيع أن تأخذه مني إذا أردت أن تأخذه، ضربتك وغلبتك. فأنت يعني: أخذ منك هذا المال قهرًا. بخلاف الجوال هذا، لو علمت أنك أخذته ربما أتضارب أنا وأنت، صح، ما تستطيع تقهرني على أخذه، لكن أخذته خلسة. واضح هذا؟ هذا ما يدخل في باب الغصب. الغصب لا بد أن يكون قهرًا. ومثله السرقة: السرقة تكون بالخفي، أن تستولي على هذا المال يعني خفية دون أن يعلم صاحب المال. لكن الغصب: أن تأخذه وهو يعلم قهرًا، لا يستطيع رد هذا المال لقوتك، أو لوجاهتك، أو نحو ذلك مما لا يستطاع من خلاله رد الحقوق. واضح هذا الآن؟ هذا هو الغصب، وهو محرم. قال: وهو محرم، لحديث: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، ظلمًا، يعني: قهرًا بغير حق، طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين". من اقتطع، يعني: من أخذ شبرًا، هذا كناية على أن هذا المأخوذ ولو كان... ولو كان شيئًا يسيرًا. الشبر هذا في الأرض، ماذا عسى أن ينتفع به صاحبه؟ لكن هذا فيه كناية على أن أخذ أي مال، ولو كان هذا المال يسيرًا، لا يجوز، محرم. نعم، فمن أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه الله به يوم القيامة، يعني: جعله عليه مثل الطوق. الطوق يعني: الشيء المحاط، يحاط هذا الشبر من الأرض بصاحبه إلى سبع أراضين، يعني: مسافة طويلة، كل الأرض، وهو محاط بهذا، يعذب به، يعذب بهذا الشبر. فكيف لو أخذ أشبارًا؟ كيف لو أخذ أمتارًا؟ كيف لو أخذ مساحات كبيرة؟ يكون العذاب على حسب ما أخذ، يطوق بهذه الأراضي كلها التي أخذها. فهذا لا شك يدل على تحريم، بل هو كبير من كبائر الذنوب؛ لأنه جاء فيه هذا الوعيد. وهناك آيات من القرآن أيضًا تحرم أخذ مال المسلم بغير حق، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، وقوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ يعني: بالظلم والغصب ونحوه. وهكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، بذلك المجمع العظيم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". وكل هذه الأدلة تبين حرمة أخذ مال المسلم بغير حق، بغير حق، أي: غصبًا وظلما، غصبًا وظلما. لعلنا نكتفي اليوم بهذا، انتهاء الوقت، ونكمل هذا الباب إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.