شرح الأصول الستة  6

شرح الأصول الستة 6

الدرس في شرح الأصول الستة 6، الأصل السادس:رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الأصل السادس ورد الشبه حول القرآن والسنة

ناقش الشيخ الأصل السادس من الأصول الستة، وهو رد الشبه التي يضعها الشيطان لترك القرآن والسنة. وأشار إلى أن الشبهة تتمثل في القول بأن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق.

التقليد في الدين وأنواعه

يناقش المقطع مفهوم التقليد في الدين، ويبين أن التقليد العام محرم بينما يجوز التقليد الخاص في مواضع معينة. كما يوضح أن التفرق إلى مذاهب وجماعات مخالف لدين الإسلام.

الاعتصام بالكتاب والسنة وشروط سؤال أهل العلم

يؤكد على أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة وعدم ردهما لأي معنى، ويشدد على ضرورة الرجوع إلى أهل العلم الذين يعرفون الدليل ويتمتعون بالعلم الحق. يُبين شروط المجتهد وضرورة سؤال أهل العلم.

  • 20 جمادى الأولى 1434هـ - 31/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس السابق الأصل الخامس مما ذكره شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى من الأصول الستة التي أشار إليها رحمه الله. وقد ذكر بعض الإخوة أنه يوجد في بعض النسخ زيادة. أعطِ الكتاب الذي معك؛ يشوف فيه أصل الخامس. نعم، في بعض النسخ زِيادة بعد قوله: «لابد فيهم من ترك متابعة الرسل، ومن تبعهم فليس منهم». زِيادة في بعض النسخ قوله: «ولابد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم، ولابد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم». يا ربنا نسألك العفو والعافية، إنك سميع الدعاء. فهذه الزيادة التي ذكرت في بعض النسخ لعله رحمه الله كانت أثناء قراءته لهذه الرسالة. وتعرفون أحيانًا العالم يكتب شيئًا، فإذا أخرجه مرة أخرى -مثل ما نقول اليوم: الطبعة الثانية- يزيد فيه أو ينقص. ولهذا وردت في كتب بعض أهل العلم نسخ؛ مثل صحيح البخاري، فيه نسخ، في بعض النسخ زيادة ألفاظ، وفي بعضها نقص. وهذا كذلك لعله من هذا الباب، والله تعالى أعلم. ويكون معناه -رحمه الله- تأكيدًا لما ذكرها هنا، وهو أن من كلام أهل زمانه -وهذا كما تقدم- هو من قول أكثر من ابتلي بهذا الباب: باب الضلال في باب العقائد، من عباد القبور، ومن سار بسيرهم ونحى نحوهم، ومنهم المتصوفة، من باطنية وغيرهم، والرافضة. فكثير من هؤلاء عندهم أن منزلة الولاية يتوصل إليها بسقوط هذه التكاليف، أو هذه الواجبات الشرعية التي أوجبها الشرع. ومن ذلك ما أشار إليه: ترك الجهاد، والإيمان، والتقوى. وقد تقدم معنا أنه لا يمكن أن يتحقق إيمان إلا بعمل؛ لأن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. فمن باب أولى أنه لا يمكن أن تتحقق معنى الولاية -سواء بالمعنى العام أو المعنى الخاص- إلا بوجود هذه الواجبات، وتحقيق كمال الانقياد لنصوص الكتاب والسنة. فكلما كمل العبد في عمله بالعلم الذي علمه من دين الإسلام، كانت معاني ولايته أقوى. كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. وقد نص على ذكر الجهاد في سبيل الله لأمرين: أولًا؛ لأن هذا مما يدند به هؤلاء كثيرًا، إذ أن الكثير من هؤلاء هم ممن في الحقيقة يناصر أعداء الدين، فهم مخذلون لأهل الإسلام عن الجهاد في سبيل الله. من الذي أدخل التتار على دولة الإسلام؟ إنهم الرافضة، والذين من مذهبهم وعقيدتهم هذه العقيدة الفاسدة. ولذلك فهم يثبتون عن معنى الجهاد في سبيل الله. ومن الجهاد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك محاربة الشرك والبدع والخرافات. وكل هذا مما لا يحبه هؤلاء، ولذلك يثبطون بكل معنى من معاني الجهاد في سبيل الله؛ سواء الجهاد بالحجة والبرهان، أو الجهاد بالسيف والسنان. والإيمان والتقوى كذلك؛ لأن الإيمان والتقوى هو الذي يتحقق به معنى الولاية كما تقدم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. وقد تقدم معنى أن الله عز وجل، جعل أهل هذا الدين ثلاثة مراتب وطبقات -كما ذكره الإمام- في قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾. طيب، قال رحمه الله تعالى: «الأصل السادس: رد الشبه التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة». وهي -أي الشبه التي وضعها الشيطان- هي: «أن القرآن والسنة لا يعرفها إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصاف -لعلها لا توجد تامة في أبي بكر، عمر- فإن لم يكن الإنسان كذلك، فليعرض عنهما فرضًا حتمًا». ومعنى «فرضًا حتمًا»: يعني أمرًا لازمًا، «لا شك ولا إشكال فيه». ومن طلب الهدى منهما، فهو «إما زنديق، وإما مجنون؛ لأجل صعوبتهما» -يعني: الكتاب والسنة- سبحان الله وبحمده؛ يعني: تنزه الله عن أن ينسب هذا إلى دينه وشرعه. قال: «والأمر برد هذه الشبه الملعون من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات للعامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون». ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَى وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾. آخره: والحمد لله رب العالمين. ومعنى أنه أورد هذه الشبهة والجواب عليها في هذا الأصل؛ لأن هذا مما كان يدور في أهل زمانه، ومما يثبت الناس عن اتباع الحق، وعن البحث عنه، وعن الخروج من الباطل والرد عليه؛ لأنه إذا تقرر مثل هذا الأمر، عطل كل إنسان عقله، وتقاعص، وأعرض عن أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة، فضلًا عن أن يبحث عن الحق فيهما، وفضلًا أن يرد على الباطل بهما. ولأجل هذا كرر الشيخ -رحمه الله- هذا الأصل في مواضع كثيرة من كتبه؛ لخطورة أثره على الناس، وبقائهم على الباطل الذي هم فيه. أصل هذا الأصل: مسألة ذكرها بعض علماء الأصول في كتب أصول الفقه، وهي مسألة خاطئة باطلة، أخطأ فيها بعض من ينتسب إلى العلم، وهي: قضية إغلاق باب الاجتهاد. إغلاق باب الاجتهاد بحجة أن المجتهد المطلق غير موجود، ووضعوا لوصف المجتهد المطلق شروطًا ليست موجودة في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ، ولا أثرت، ولا علمت عن أحد من سلف الأمة، بل ولا نقل معناها حتى عن أحد من الأمة. فلأجل هذا أكثر العلماء في الرد -علماء الكتاب والسنة، أهل الاجتهاد، العلماء المحققون من أهل العلم الذين عرفوا بالإمامة والهداية- في الرد على هذا الباطل، وهذه الشبهة. ومن عظيم أثرها: أن أهل الأهواء والبدع والضلال -ممن ضل في جوانب الاعتقاد أو غيرها- استغل هذه المسألة في القول بأنه يجب على الكل التقليد، وأنه لا يجوز لأحد الاجتهاد، ولا يسع أحد، ولا يمكن أحد النظر في هذه الأدلة. وبهذا استطاعوا أن يصلوا إلى ما يريدون في إبقاء الناس على ما هم عليه من الجهل والبدع والخرافات؛ بحجة أن نصوص الكتاب والسنة صعبة، وثقيلة، لا يستطيع أن يعرفها كل أحد. وأن العلماء -حتى لا يستطيعون النظر في نصوص الكتاب والسنة- حتى زهدوا الناس في نصوص الكتاب والسنة، فأعرضوا عنهما. فمن أين أخذوا دينهم؟ أخذوه من تقليد من يسمونهم «علماء». وهذا الذي يريده أهل البدع والأهواء. فعند ذلك أغلق الناس عقولهم، وسلموا دينهم، وأزمة أمورهم إلى علماء السوء والضلال؛ يقودونهم قودًا، ويجرونهم جرا، كأنهم عميان لا يبصرون، صم لا يسمعون، بكم لا ينطقون. وإذا حدث أحد هؤلاء، قال: «الله تعالى قال، رسول الله ﷺ قال». لك: «لا، لا، لا، أسكت، حرام، لا تقول هذا، لا يجوز لك هذا؛ للمجتهد المطلق، وليس هو موجودًا». وأنت بهذا تفتري على الله. إذن: ماذا نفعل؟ «اتبع هؤلاء خلاص، يبقى الدين عند هذا: اتبع هؤلاء». وبهذا توارث الناس البدع والخرافات والشرك والظلمات جيلًا بعد جيل؛ أعرضوا عن كتاب الله، وعن سنة رسول الله ﷺ، وعما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة. ومن هنا كان هذا من أعظم أسباب الضلال للأمم في كل زمان ومكان. ولهذا صار العلماء ينبهون على هذه المسألة في مواضع كثيرة. وأول بيان هذه المسألة: أن القول بشروط الاجتهاد المطلق -على الوجه الذي وضعه هؤلاء- قول باطل، ترده أدلة الكتاب والسنة. فإن أدلة الكتاب والسنة تدل على أن من عطاه الله عز وجل شيئًا من العلم، وجب عليه أن يأخذ دينه من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﷺ؛ حتى العامي إذا وسعه أن يأخذ دينه من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ، وجب عليه أن يأخذه من كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. والذين آمنوا: من هم؟ هل هم أهل الاجتهاد المطلق؟ الجواب: لا، بل هم كل أهل الإيمان؛ الكبير والصغير، والعالم والجاهل، والذكر والأنثى. كل من يسمع هذا النداء، وهو مؤمن، وجب عليه أن يستجيب. وحين نسمع: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: من المطالب بهذا؟ هم أهل الإسلام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾؛ أي: ادخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه وأبوابه. وهكذا كذلك قول النبي ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا: كتاب الله، وسنة». هذا عام لكل مسلم ومسلمة. وأدلة هذا الباب كثيرة، وقد تقدمت معنا في هذا الكتاب في أوائله وتكررت. ومنها قوله ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» -أي: السنة- يعني: كما تأخذ من القرآن، خذوا من السنة. حديث المقداد بن معد يكرب، رواه أحمد، وأبو داود، بإسناد صحيح. وهكذا في زمن النبي ﷺ؛ لما نزلت الآيات: آيات الصيام، وما يتعلق بها من أحكام، طبقها الصحابة بسماعها؛ كل واحد بنفسه. ومن أخطأ، بين له الخطأ. ومن ذلك ما جاء في نزول قول الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فهم بعض الصحابة أن معناه: أن يجعل خيطين تحت وسادته، فجعل عقالًا أسود، وعقالًا أبيض. كلما مضى من الليل ما مضى، وقرب الفجر، أخرج العقال، ينظر: هل يتبين الأبيض من الأسود؟ فلما سأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «لا، ليس هذا، ولكنه بياض الصبح». فبين له ذلك. ولو كان لا يجوز له أن يفعل مثل هذا، لكان ماذا؟ قد بين له. لكان قد بين له. وهكذا لما نزلت آية الحجاب: ما احتاج الصحابة، ولا النساء من الصحابيات أن يقفوا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. ما احتاج الرجال والنساء أن يقفوا حتى يسألوا النبي ﷺ عن ذلك، ويبينه لهم، ويفصله. بل نزل القرآن بلسان عربي مبين؛ كما قال الله عز وجل في ذلك: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. معناه: نزوله، بيانه لكل من عنده اللغة العربية. والقليل منه مما يحتاج لبيان، تبينه السنة وتوضحه. وما أشكل في ذلك، أرجع فيه إلى أهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فإذن: الأصل أن نصوص الكتاب والسنة من العلم الذي تعبدنا الله بالعمل به جميعًا؛ كل المسلمين. ومن أشكل عليه شيء، سأل أهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، أذاعوا به. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فهناك من العلم ما يخفى -هذا الذي يسأل في أهل العلم- وما لا يخفى؛ فيأخذ من نصوص الكتاب والسنة. ولهذا قال العلماء: «إن التقليد مذموم ومحرم، ولا يجوز في الدين». ومعنى التقليد: اتباع من قوله ليس بحجة بغير حجة. وهو ينقسم إلى قسمين: تقليد عام، وتقليد خاص. أما التقليد العام: فهو أن يتخذ إنسانًا ما يقلد في كل ما جاء به في أمر الدين؛ تقليدًا عامًا في كل أموره. ومنه التقليد المذهبي، والتقليد العقدي. ولهذا صار في اصطلاح بعض من ينتسب إلى العلم من المتأخرين: «أنه يجب أن يكون لكل مسلم مذهب يقلده في العقيدة، وفي الفقه؛ في العقائد، وفي كذلك الفقه -أو ما يسمونه: في الأصول والفروع-». ومن لم يكن كذلك -كما قال المؤلف-: «إما زنديق، وإما مجنون؛ لأنه الذي لا يلتزم بمذهب عندهم، خارج من الدين». فصار الدين عندهم: الالتزام بماذا؟ بمذهب تقلده؛ إما أن تكون أشعريًا، أو معتزليًا، أو ماتريديًا، أو كلابيًا، أو كذا وكذا وكذا من المذاهب العقدية؛ تقلد مذهبًا. وهكذا في الفقه: شافعيًا، أو مالكيًا، أو حنفيًا، أو حنبليًا. فإذا لم تكن كذلك، فأنت: «ليس عندك دين». سبحان الله! صار الدين بالتقليد! ولما رد شيخ الإسلام على هذه المقولة -رحمه الله- قال: «والقول بوجوب لزوم مذهب واحد؛ فيتبع صاحبه دون النبي ﷺ». قال: «هذا قول -بإجماع أهل العلم- أنه محدث، ولا يجوز». أو: «معنى كلامه -رحمه الله- قال: بل القول بجوازه -يعني: الإلزام به- بدعة، والإجماع قام على عدم جواز الإلزام به». بل: «أعظم من هذا؛ يقول: القول بجوازه: أنه يجوز أن تفعل ذلك؛ فيه ما فيه»؛ يعني: معناه: أنه كذلك من المحدثات، والأمور المخالفة للدين. فهذا التقليد العام: هو من أعظم البدع والمحدثات في الدين؛ سببت الضلال العظيم للناس في عقائدهم، وفي عباداتهم، وفي سائر أمورهم. ومنه كذلك أنها سببت التفرق والتمزق. نحن أمة واحدة؛ لنا كتاب واحد، هو كتاب الله، ونبي واحد، هو رسول الله ﷺ، ودين واحد، ودين الإسلام. فالواجب علينا أن نكون أمة واحدة، لا نتفرق إلى مداهب، ولا إلى أحزاب، ولا إلى جماعات. بل هذا التفرق من الشيطان؛ كما قال النبي ﷺ، وهو من سبيل المشركين؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. بل الواجب على أهل الإسلام أن يكونوا أمة واحدة. ﴿وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وغير ذلك من الأدلة الكثيرة. أما المعنى الخاص للتقليد: وهذا يذكر على معنيين. فمنهم من يسميه: «تقليدًا»، ومنهم من يسميه: «متابعة وطاعة لأهل العلم». وهو يجوز في موضعين: الموضع الأول: العامي الذي لا يقدر على استنباط الدليل فيما لم يعلمه من العلم؛ فلا يمكنه الوصول، ولا البحث عن الحق بنفسه؛ لأنه ليس عنده أهلية لذلك في بعض المسائل. والكثير من العلم واضح؛ الأمر بالتوحيد، والتحذير من الشرك، وجوب الصلاة، وجوب الزكاة، وجوب الصيام؛ هذا كله يعلمه العامي. لكن تفاصيل مسائل الصلاة: ما يعلمها العامي جميعًا؛ بعضها يعلمها، وبعضها يحتاج أن يسأل أهل العلم. فهنا قال العلماء: «هذا النوع من سؤال العامي للعالم من التقليد الجائز». ومن أهل العلم من يقول: «لا يصح أن يسمى هذا تقليدًا؛ بل هذا يسمى اتباع العالم في الوجه الذي يجوز اتباعه فيه». فالخلاف لفظي. والنوع الثاني: المجتهد الذي يستطيع الاجتهاد؛ إذا ضاق عليه الوقت في مسألة تعرض عليه. فهنا يضطر أن يسأل: «ماذا قال العلماء في هذه المسألة؟». مثلًا: أنت عندك علم، تستطيع أن تجتهد وتبحث؛ كما تقدم: الواجب على كل من يستطيع أن يصل إلى الحق بنفسه أن يفعل ذلك؛ كما قال شيخ الإسلام: «التقليد كالميتة؛ لا تؤكل إلا عند الضرورة». وكذلك: لا يسع أحدًا يستطيع أن يصل إلى الحق من الكتاب والسنة إلا وجب عليه أن يفعل ذلك. فإذا لم يستطع، فعند ذلك ينتقل إلى ما سبق. فهذا العالم -مثلًا- عالم عنده شيء من العلم -الحمد لله-، ولكن اضطر، وغضيق: «أصيب ابنه بحادث، واحتيج أن ينقل له عضو من الأعضاء»، وهو لم يطلع على كلام أهل العلم في هذه المسألة: «ماذا سيفعل؟» ما عنده وقت أن يبحث في الكتب، وينظر في المسألة؛ يريد منه جواب الآن: «نفعل العملية أو لا نفعل؟». هنا يكفي أن يسأل: يرفع السماعة، ويسأل: «يا أخي فلان؛ هل وقفت على شيء من كلام أهل العلم في هذه المسألة؟». «نعم، أفتى فيها الشيخ فلان بكذا وكذا». فهنا يأخذ قول الشيخ فلان؛ لأنه لا يستطيع البحث في هذا الوقت. وهذا من اتباع أهل العلم. وسماه بعض العلماء: «وجه جائز من أوجه التقليد؛ وجه جائز من أوجه التقليد». فالخلاف لفظي؛ لأنه في الحقيقة: رجوع لأهل العلم، وسؤال الأعلم؛ كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وفوق كل ذي علم عليم. وكان الإمام الشافعي يقول: «إذا لم أجد في المسألة قولًا؛ فإني أرتضي قول الإمام الشافعي -لي قولًا- لماذا؟ لأنه يثق في الإمام الشافعي أنه أعلم، وأنه أحرص على الدليل». وهكذا كان شيخنا محمد صالح عثيمين -رحمه الله- يقول: نحو هذا الكلام؛ فيقول: «إني إذا لم أجد في المسألة قولًا؛ فإني أرتضي قول شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- يقول: أرتضي قوله -لي قولًا-». وهكذا أنت؛ قد تبحث في المسألة، فما تستطيع الوصول إلى الصواب فيها؛ فتثق في إنسان في علمه؛ فترتضي قوله لك قولًا. وهذا ينفع خصوصًا عند أهل التخصص؛ مثلًا: علمت أن الشيخ الألباني ممن مختص بالحديث؛ فترتضي قوله في التصحيح والتضعيف؛ لماذا؟ لأنك علمت أنه أعلم منك في هذا الباب. فهذا يسميه بعض العلماء من التقليد: ماذا؟ «الجائز؛ التقليد الخاص الجائز». لكن لو قلت: «أنا سألتزم ما قال به الشيخ الألباني في كل مسألة؛ عقيدة، وعبادة، وفقه، وأخلاق، ومنهاج، وكل شيء؛ حتى أسلم». هل يجوز هذا؟ الجواب: لا يجوز؛ بل هذا من التقليد المذموم. فليس من الصواب أن نحذر من التقليد للأمة على هذا الوجه المذموم -وهم أعلم وأديا وأشهر إمامة وهداية- ثم ننتقل إلى تقليد من دونهم؛ ننتقل إلى تقليد من دونهم. فهذا التقليد العام هو التقليد المذموم. وقوله -رحمه الله تعالى-: «واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة»؛ يعني: أنهم تركوا الكتاب والسنة إلى تلك البدع والخرافات والمذاهب المختلفة التي تقدمت في العقائد، وفي الفقهيات. وكان هذا سبب ضلالهم. فهذا صوفي، وهذا رافضي، وهذا أشعري، وإلى آخره. قال: «وهي -أي: الشبهة التي وضع الشيطان- هي: أن القرآن والسنة لا يعرفها إلا المجتهد المطلق». وكما تقدم: أن من القرآن والسنة ما يعرف حتى عامة الناس؛ فالناس يعرفون تحريم الخمر بالقرآن، ويعرفون وجوب الصلاة بالقرآن، ويعرفون كذلك أمورًا كثيرة من دينهم بقراءة القرآن. فإن من نصوص الكتاب والسنة ما بلوغه هو فهمه؛ لمن بلغه فهمه. ومنه ما هو خفي؛ يحتاج إلى بيان من العلماء. وقوله: «إلا المجتهد المطلق، والمجتهد الموصوف بكذا وكذا»؛ كما تقدم معنا: أنهم جعلوا النظر في النصوص -الكتاب والسنة- لطائفة خاصة؛ خصوها، لا وجود لهم في الواقع؛ حتى أبو بكر وعمر ما عندهم هذه الصفات. فيجعلون أن يكون: «عالمًا بالقرآن، عالمًا بالقراءات، مطلعًا على كل كتب التفسير». وهكذا كذلك: «عالمًا باللغة، مطلعًا على كل كتب اللغة، حافظًا للحديث، عالمًا بصحيحه وضعيفه ورجاله»؛ إلى آخره. وهذا حتى ما يوجد في الأئمة الكبار؛ فإنه لا أحد يدعي أنه جمع هذا كله من الشروط التي ذكروها. ولهذا قال: «لا توجد تامة في أبي بكر وعمر». وقوله: «فإن لم يكن الإنسان كذلك، فليعرض عنهما»؛ يعني: هذا هو قولهم. وهذا مما كان به إضلال الناس؛ حتى رضي الناس لأنفسهم الجهل والتقليد، والبقاء على الخرافة والبدع والضلال والشرك الذي عليه أكثر الناس؛ إلا من رحم الله. وقوله: «فهو إما زنديق، وإما مجنون»؛ كما تقدم: زنديق؛ لأنه بلا مذهب، ومجنون؛ لأنه خالف الشيء يزعمون أن الأمة قد أجمعت عليه -وهو إجماع كاذب غير صحيح، ولا توافقه نصوص الكتاب والسنة-. وقوله: «لأجل صعوبتهما»؛ يعني: يزعمون أن السبب أن القرآن والسنة صعب. وهذا كذب؛ بل يسر الله عز وجل الذكر: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. ما بقي إلا على الإنسان أن يتعض ويعتبر. والآيات في هذا الباب كثيرة. والأمر برد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى؛ يعني: أن أدلة الكتاب والسنة من تتبعها ونظر فيها وجد الجواب على هذه الشبهة بأوجه كثيرة. ثم ختم فقال آخره: والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة على هذا الوجه المختصر، وكذلك بما يناسب هذا المقام. طيب، هنا في نسخة زيادة؛ يقول الشيخ -رحمه الله- بعد قوله: «فسبحان الله وبحمده»: «كم بين الله سبحانه شرعًا وقدرًا وخلقًا وأمرًا في رد هذه الشبهة الملعونة». ومعناه: أنه -رحمه الله- يؤكد أنها قد بينت في نصوص الكتاب والسنة بيانًا واضحًا جليًا؛ حتى بلغ هذا العلم مبلغ العلم الضروري. وكما قلنا: العلم الضروري الذي لا يقع عن نظر واستدلال؛ بمجرد بلوغه يفهم. فصل، وقال: «كم بين الله سبحانه شرعًا»؛ يعني: في شرعه؛ في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ، وما كان من فعل الصحابة الذي أقر مع نزول الوحي؛ فكله من شرع الله. «وقدرًا»؛ يعني: فيما قدره الله بأوجه كثيرة؛ بإكرام أهل طاعته، وخذلان أهل معصيته، وتوفيق أهل الاعتصام بالكتاب والسنة، وكذلك خذلان وخسارة من أعرض عن الكتاب والسنة. وقوله: «وخلقًا»؛ الخلق تأكيد؛ لما قدره الله عز وجل؛ فيخلق الله عز وجل في عباده ما يشاء من خلقه، ومن أفعال خلقه مما يكون محل عظة وعبرة. ومن ذلك ما كان عليه أهل الاعتصام بالكتاب والسنة، وما كان عليه أهل حرمان الكتاب والسنة؛ فهو محل آية في اجتماع أهل الكتاب والسنة، وتفرق أهل البدعة والفرقة، وتوفيق أهل الكتاب والسنة للتوحيد الخالص، والعبادة الكاملة، وغير ذلك من معاني الكمال والخير والبر في الدنيا؛ فضلًا عما ينتظرهم بفضل الله وعظيم عطائه في الآخرة. «وأمرًا»؛ يعني: أمرًا شرعيًا، وأمرًا كونيًا؛ مما أمر الله عز وجل به المؤمنين بأخذ ما في الكتاب والسنة، والعمل بما فيهما. وقد بين العلماء في هذا الباب أشياء كثيرة. وتعرفون بعضها؛ فيها شيء من البسط؛ حتى أن بعض شراح هذه الرسالة بسط القول في ذكر بعض ما يتعلق في هذا الباب، وكلام أهل العلم فيما عليه حال أهل الباطل حين خروجهم عن هذا الأصل. فالواجب -باختصار- أن يلتزم المسلم بالكتاب والسنة، وأن لا يردهما لأي معنى من المعاني؛ لا عقل، ولا ذوق، ولا رأي، ولا رؤى ومنامات، ولا غير ذلك مما عليه حال أهل البدع والأهواء. فإن الفارق من تدين أهل التدين الحق، وأهل التدين الباطل: هو الاعتصام بالكتاب والسنة؛ علمًا وعملًا؛ كما روي عن الأئمة السلف الصالح بهذا الباب من الأدلة الكثيرة. فالعلم: إما آية ناطقة، وإما سنة ماضية، وإما «لا أدري»؛ كما يروى عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، ونحوه عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصحابة، والأئمة في هذا الباب. فإذا لم يكن الدين: الكتاب والسنة؛ فما هو الدين؟ وهؤلاء الذين يقلدون: من أين أخذوا دينهم؟ إذا لم يأخذوه من الكتاب والسنة. فالواجب هو الرجوع إلى الكتاب والسنة. وكما تقدم: إذا عجز الإنسان؛ رجع إلى أهل العلم؛ فسألهم. وسألهم؛ لأنهم يعرفون الدليل. ولهذا لم يجز أن يسأل من لا يعرف الدليل؛ حتى ذكر العلماء: «أن الذي يسأل؛ ينبغي أن يكون مجتهدًا، عنده أهلية الاجتهاد». ومن شروط المجتهد: ليس تلك الشروط التعجيزية التي يضعها أهل الهواء؛ ولكن شروط دلت عليها النصوص الشرعية: «أن يكون عالما بالكتاب والسنة؛ علما يستطيع به أن يجتهد في معرفة حكم المسألة». «وأن يكون سليما في معتقده، ومنهجه»؛ لماذا؟ «حتى لا يحرف هذه النصوص». ولأن أهل الأهواء: ليس لهم محل أمانة؛ فيسألون. فالله عز وجل أمر بسؤال أهل العلم الذين هم بالعلم الحق عاملون، وهم العلماء الربانيون. ومن ذلك ما ذكره العلماء من الشروط: «وجود التحقيق والنظر، أن يكونوا من أهل الاستنباط»؛ كما ذكر الله عز وجل: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. ومن ذلك ما ذكره العلماء من لازم هذا العلم: ما يلحق به من معرفة الناسخ والمنسوخ، وما يحتاج إليه من العربية، وما يحتاج إليه من معرفة العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وغير ذلك من علوم تعين المجتهد على الصواب في اجتهاده؛ كعلم الحديث، وبعض مباحث الفقه التي لا يستغنى عنها. وليس من شرط ذلك: استيعاب كل مسائل العلوم؛ فهذا لا يستطيعه أحد؛ بل هذا من التعجيز الذي اشترطه بعض الناس. ومنه: معرفة الإجماع، مواضع الإجماع والاختلاف. وهذا في الغالب أمر نسبي؛ يتفاوت الناس فيه. ولهذا بعد هذا الاجتهاد: إن أخطأ؛ فهو «أصاب وأخطأ؛ بين الأجر والأجرين»؛ كما تقدم. أما تلك الشروط التعجيزية؛ فهذا من الباطل الذي صرف الناس به عن دين الله عز وجل. طيب، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.