الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 55، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح حديث السبع الموبقات وتحليل معنى الشرك بالله، حيث يُعرّف الشرك على أنه جعل ند لله في العبادة أو المسألة. يُبين أن الشرك بالله هو أعظم الموبقات.
يناقش التحذير من الشرك الأكبر وقتل النفس بغير حق، مشيرًا إلى أن الشرك الأكبر لا يغفره الله، بينما يمكن للقتل العمد أن يكون له توبة إذا تاب صاحبه توبة صادقة. يُظهر أهمية العبادة لله وحده.
يتناول تفسير الآية الكريمة حول قتل المؤمن عمدا وتوبة القاتل، موضحًا أن ابن عباس نفى في البداية التوبة عن القاتل ثم رجع عن ذلك، مع توضيح الفرق بين عدم التوبة والخلود في النار.
يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه، معبرًا عن توبة صادقة واعتراف بالذنب ورغبة في التكفير عنه، مما يعكس تقوى وخشوع الداعي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله جميعاً، في كتابه «قرة عيون الموحدين»، حاشية كتاب التوحيد، في الكلام على باب ما جاء في السحر، قال رحمه الله تعالى: قوله، أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، في كتابه «التوحيد»: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». قال: هكذا أورده المصنف رحمه الله تعالى غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم، أي لم يذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من رواه. والحديث كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم. قوله رحمه الله تعالى: قوله صلى الله عليه وسلم «اجتنبوا» أي ابتعدوا، وهو أبلغ من قوله «دعوا» أو «اتركوا»، لأن النهي عن القربان أبلغ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وهذا من الشارح رحمه الله تعالى تنبيه إلى المعنى الذي تضمنه قوله صلى الله عليه وسلم «اجتنبوا»، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل «دعوا» أو «اتركوا» أو ما شابه ذلك من العبارات، ولكن قال «اجتنبوا»، لأن لفظ «اجتنبوا» دال على الترك والزجر والنهي، مع زيادة ما يقتضي أن يبتعد الإنسان عن موارد هذه الأشياء وعن القرب منها، لأنها من الموبقات. قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث «السبع الموبقات» ليس معناه أن الموبقات محصورة مقصورة في هذه السبع دون غيرها، ولكن تذكر مثل هذه التقييدات بأعداد معينة لأهمية تلك الأشياء المذكورة، لا للحصر. على الصحيح من أقوال الأصوليين رحمهم الله تعالى، في مسألة مفهوم العدد، أي هل للعدد مفهوم إذا ذكر؟ والأصل أن يقال: بأن العدد إذا كان مراداً بقرينة، فإن له مفهوماً، إذا كان مراداً ودلت القرينة على أنه مراد، فإن له مفهوماً. وأما إذا لم يكن كذلك، فلا يكون كذلك. قوله «الموبقات» بموحدة وقاف موحدة، أي بالباء وقاف، أي المهلكات. وسميت هذه الموبقات لأنها تهلك فاعلها في الدنيا، بما يترتب عليها من العقوبات، وفي الآخرة من العذاب، فهي سبب من أسباب سخط الله جل وعلا وغضبه على من فعل ووقع في شيء من هذه الموبقات. وفي حديث ابن عمر عند البخاري في «الأدب المفرد»، وهو كما ذكر أنه روي مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف صحيح، قال: «الكبائر تسع»، وذكر السبعة المذكورة، والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين. وهذا يدل على ماذا؟ على أن الحصر بالسبعة ليس له مفهوم، ليس له مفهوم. قوله «الشرك بالله» هو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله. وقوله رحمه الله تعالى: «الشرك بالله هو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله» ليس مقصود الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن أن الشرك محصور مقصور في الدعاء فحسب، ولكنه أراد رحمه الله تعالى بقوله «يدعوه» ما هو أعم من ذلك، أي لم يرد بالدعاء مجرد دعاء المسألة، وإنما أراد الدعاء بنوعيه، أي دعاء العبادة ودعاء المسألة. فمعنى قوله رحمه الله تعالى: «هو أن يجعل لله نداً يدعوه» أي دعاء عبادة، يتقرب إليه ويتوجه إليه ويلتفت إليه ويتعلق قلبه به، وكذلك يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. هذا هو الشرك بالله جل وعلا. والشرك كما مر معنا مراراً، يعرف بتعريف عام يشمل أنواعه ثلاثة، وأحياناً يعرف بتعريف خاص، وهو تعريفه بتعريف الشرك في الألوهية، لأنه هو الذي وقع فيه الشرك وظهر وانتشر. وأن معناه العام وتعريفه العام هو: أن يشرك مع الله جل وعلا غيره في شيء من خصائص الله جل وعلا وحقوقه التي لا يستحقها إلا الله. الشرك بالله جل وعلا أن يسوى غير الله جل وعلا بالله جل وعلا في حقوقه وخصائصه. قال الله جل وعلا عن المشركين: ﴿إِنَّ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فحقيقة الشرك بالله جل وعلا: تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا. وأما تعريفه الخاص، الذي هو الشرك في العبادة، فهو: أن يصرف شيئاً من العبادة لغير الله جل وعلا. وهذا الأخير هو الذي يعنى به ويكثر من ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في تعريفهم للشرك بالله جل وعلا، لأنه هو الذي ظهر في الزمن الأول وما زال مستمراً، وهو الذي أرسل الله لأجله الرسل وأنزل لأجله الكتب، وحصل ما حصل بين الرسل وأتباعهم وبين أعدائهم، لأجل هذا النوع من التوحيد، ولأجل وقوع من وقع في هذا النوع من الشرك بالله جل وعلا، أي الشرك في عبادة الله جل وعلا، بأن يعبد غير الله جل وعلا، عبادة أن يعبد مع الله جل وعلا غيره. قال رحمه الله تعالى: «ويرجوه كما يرجو الله». قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والشرك فاحذره، فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران، وهو اتخاذ الند للرحمن، أياً كان، من حجر أو إنسان، يدعوه أو يرجوه، ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان». وهذا كما ترون تعريف وضابط من العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى للشرك بالله جل وعلا، وتحذير من الوقوع فيه. فقال رحمه الله: «والشرك فاحذره»، لماذا؟ فاحذره لأنه أعظم ذنب عصي الله جل وعلا به. فالله جل وعلا يغفر الذنوب جميعاً إلى الشرك به سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. قال: «فشرك ظاهر»، ومقصوده هنا بالشرك الظاهر، أي الشرك الأكبر. وإلا فالشرك قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً. لكن مقصوده رحمه الله تعالى شرك ظاهر، أي ظاهر أدلته وحكمه، وأن من وقع فيه فقد أشرك بالله جل وعلا الشرك الأكبر. قال رحمه الله تعالى: «ذا القسم ليس بقابل الغفران»، لأن الله لا يغفر الشرك الأكبر، وهو اتخاذ الند للرحمن، أي والند، أي النظير والمساوي، أن تجعل لله نداً وهو خلقك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الذنب أعظم؟» حينما سئل في حديث ابن مسعود: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك». ومعنى الند، أي النظير والمساوي والمثيل. وقد قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فمن سوى غير الله جل وعلا بالله جل وعلا، فقد وقع في الشرك الأكبر والعياذ بالله، أيا كان ذلك الغير، كان نبياً مرسلاً أو ملكاً مقرباً أو شجراً أو حجراً أو شمساً أو قمراً أو غير ذلك. تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا شرك أكبر. قال: «يدعوه أو يرجوه، ثم يخافه ويحبه»، وهذه هي حقيقة العبادة، لأن العبادة قطبان: غاية المحبة وغاية الخوف والذل. فمن قام بقلبه ذلك لله جل وعلا، فهو عابد لله جل وعلا. ومن قام بقلبه ذلك، أي هذا المعنى، غاية الحب وغاية الخوف، وغاية الخوف لغير الله جل وعلا، فقد أشرك بالله جل وعلا كائناً من كان ذلك الغير. قال: «ويحبه كمحبة الديان»، أي حب شرك. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله. هذا شرك الأولين. يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله. فحب العبادة لا يجوز أن يكون إلا لله جل وعلا. فمن صرفه لغير الله جل وعلا، كائناً من كان، فقد أشرك بالله جل وعلا. لذا قال بعض العلماء: إن أحداً لا يحب لذاته إلا الله جل وعلا. وكل ما سواه، فإنه يحب لله رب العالمين جل وعلا. فلا يحب أحد لذاته، أي حب عبادة، ولكن يحب لأجل الله، طاعة لله، وقربة لله، ومحبة لله. فيحب العبد ما يحبه الله جل وعلا، يحب ما يحبه الله جل وعلا. فكل ما سوى الله جل وعلا، فإنه يحب لا لذاته، ولكن يحب لله رب العالمين جل وعلا، لأنه محبة لله. قوله «والسحر» تقدم تعريفه. قوله: «وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»، أي نفس المسلم المعصوم. وقتل المعاهد يقال: معاهد ومعاهد، معاهد باعتبار أن غيره عاهده، ومعاهد باعتبار أنه هو عاهده للإسلام. وقتل المعاهد كما في الحديث: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فقتل المسلم محرم لا يجوز، وقتل المعاهد كذلك لا يجوز، لأنهم دخلا بعهد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». إذا كان من قتل المعاهد لم يرح رائحة الجنة، فكيف بمن قتل مسلماً متعمداً بغير حق؟ قال: «وذهب ابن عباس رضي الله عنه وأبو هريرة إلى أنه لا توبة لمن قتل مؤمناً متعمداً». وذهب جمهور الأمة سلفاً وخلفاً إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله. فإن تاب وأناب وعمل صالحاً، بدل الله سيئاته حسنات، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وهذا هو الصحيح: أن قاتل النفس، من قتل مؤمناً متعمداً، ثم تاب وصدق في توبته، وتاب التوبة الصادقة النصوح، فإن الله جل وعلا يقبل التوبة، يقبل التوبة. قال الله جل وعلا في الآية السابقة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾. وهذا نص في المسألة، إلى جانب قول الله جل وعلا: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. والآيات في ذلك كثيرة. وربنا جل وعلا قد وعد المشرك، وذنبه أعظم، بأنه إذا تاب، تاب الله جل وعلا عليه. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾. وأما ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى: إلى أن هذا كان قولاً لابن عباس رضي الله عنهما، ثم رجع عنه. ويدل على هذا ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتابه «الأدب المفرد»: أن رجلاً جاء إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال له: يا ابن عباس، إني خطبت امرأة فأبت، وخطبها غيري فقبلت، فاغرت فقتلتها، فهل من توبة؟ فقال له ابن عباس رضي الله عنهما: ألك أم؟ قال: لا، قد ماتت. فقال له ابن عباس: «فاذهب فتب إلى الله جل وعلا واستغفر»، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. قال عطاء بن أبي رباح، أو ابن يسار، وكان حاضراً: «ما قولك له؟ ألك أم أو أحية أمك؟» قال ابن عباس: «فإني لا أعلم عملاً أبر أو أقرب إلى الله جل وعلا من بر الوالدين». وهذا دليل على أن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن قوله. هذا أمر، أمر آخر، نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو: أن ابن عباس رضي الله عنهما إنما كان كلامه في منع توبة القاتل، لا في تخليده في النار. وفرق بين المسألتين. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذب من نسب إليه الثاني». يعني ننتبه إلى هذا الأمر: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل بأن قاتل النفس مخلد في نار جهنم، كما هو ظاهر الآية. لأن الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. فابن عباس رضي الله عنهما، أثبت عنه في صحيح مسلم وغيره: أنه لما سئل: هل لقاتل النفس من توبة؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أن له التوبة». وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ إلى آخر الآية. فابن عباس رضي الله عنهما، في قوله الأول، إنما كان كلامه على أن قاتل النفس المتعمد لا توبة له، لا أنه يخلد في النار. فننتبه إلى الفرق، فرق بين أن يقال: بأن ابن عباس يقول: بأن قاتل النفس مخلد في نار جهنم. وبين أن يقال: بأن ابن عباس يقول: لا توبة له. لأن الأول، أي أنه خالد مخلد في نار جهنم، هذا لا يتأتى على مذهب أهل السنة والجماعة، لأن أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الذنوب لا تخلد صاحبها في نار جهنم إلا الكفر بالله جل وعلا. إلا الكفر بالله جل وعلا. وأما ما سوى الكفر والشرك بالله جل وعلا، فإنها داخلة تحت مشيئة الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فما سوى الكفر والشرك بالله جل وعلا من الذنوب، فإنها داخلة تحت مشيئة الله جل وعلا. إذا ننتبه بين قول القائل: بأن ابن عباس يقول: بأن القاتل لا توبة له. وبين قول القائل: بأن ابن عباس يقول: بأن القاتل مخلد في نار جهنم. وعلى القول بأنه يقول: بأنه لا توبة له، كما سمعتم ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لكلامه تخريجات: منهم من قال: بأنه قال هذا في أول الأمر ثم رجع، كما تقدم. ومنهم من قال: إنه قال هذا على سبيل الزجر، أنه قال هذا على سبيل الزجر في قاتل النفس، حتى لا يتمادى الناس في قتل بعضهم بعضاً. ومنهم من قال: بأن مراد ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: بأن له توبة، أي لا توبة له، لأن المقتول له حق. لأن المقتول له حق، وقد مات، فكيف تكون له توبة؟ وعليه حق عند المقتول. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في حديث ابن مسعود، وجاء كذلك عن ابن عباس: أنه «أول ما يقضى يوم القيامة، أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء». فكأن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه نظر إلى هذا المعنى، إلى أن للمقتول حقاً على القاتل، لا يستوفي إلا يوم القيامة. فلو أنه تاب، تكون التوبة فيما بينه وبين الله جل وعلا. أما حق المقتول لا زال قائماً، حتى يستوفيه يوم القيامة، يوم أن يقفوا جميعاً بين يدي الله جل وعلا. ويؤيد هذا المعنى ويقويه ما جاء في صحيح مسلم: أن ابن عباس حينما سئل: هل لقاتل المؤمن متعمداً من توبة؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «وأن له ذلك». وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى بالمقتول يوم القيامة، وأوداجه تشخب دماً، وآخذ برأسه بأحد يديه، وبيده الأخرى آخذ بيد قاتله، ويقول: يا رب، سل هذا فيما قتلني؟» إذن لابد من حق يستوفيه المقتول من القاتل يوم القيامة. فلعل ابن عباس رضي الله عنه نظر إلى هذا المعنى، نظر إلى هذا المعنى، فقال ما قال. بقي إشكال آخر ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في الآية، وهي في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ مع قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». قال العلماء رحمهم الله تعالى: أو ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تخريجات كثيرة. وأحسنها، والله أعلى وأعلم، ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. وحاصل جواب العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أنه قال: هذا حكم من الله رب العالمين جل وعلا على من قتل نفساً متعمداً بغير حق. قال: «والحكم لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع». قال: «وأما مع عدم وجود بعض الشروط أو وجود بعض الموانع، فإن الحكم لا يكون قائماً». قال: «وأعظم مانع من الخلود في النار هو الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله». لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا الجواب منه رحمه الله تعالى يعد أسد جواب، وهو كذلك. أي هذا القول هو الذي اختاره العلامة السعدي رحمه الله تعالى، العلامة السعدي بكسر السين، في كتابه «التفسير». والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.