الدرس في كتاب المعاملات 31، ألقاها
تناولت المقاطع أنواع الشركات التي تُبنى على العقود، مثل شركة العنان والشركة المضاربة وشركة الوجوه وشركة الأبدان. هذه الشركات تُبنى على عقود جائزة وليست واجبة وتختلف في طبيعة المساهمة ونسبة الربح.
شركة المضاربة تعتمد على دفع أحد الشريكين مالاً للآخر للتجارة به مقابل نسبة من الربح، بينما شركة الوجوه تعتمد على ربح ما يشتريه الشركاء بفضل جاههم وثقتهم. كلا النوعين له شروطه وتفاصيله.
شركة الأبدان تشمل المشاركة في العمل بالبدن وتقتسم الأرباح حسب الاتفاق، بينما الخسارة تكون على قدر المساهمة. يمكن لكل شريك فسخ العقد في أي وقت وتنتهي الشركة بموت أو جنون أحد الشركاء.
المقطع الأخير يشير إلى خاتمة تتضمن التسبيح والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، معبراً عن إكمال الموضوع بالتقرب إلى الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، المسألة الثانية من الباب العاشر في الشركة. المسألة الثانية: أنواع شركة العقود، أي الشركات التي مبناها على العقود. وكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن العقود في الشركات من العقود الجائزة، أي ليست من العقود الواجبة الملزمة لأحد الطرفين، بمعنى أن لأحد الشريكين أن يفسخ الشركة متى شاء، لكن بشرط أن لا يسبب لشريكه ضررا. أولا: شركة العنان، وهي أن يشترك اثنان فأكثر في مال يتجران فيه، وسميت بذلك لاستواء الشريكين فيها في المال والتصرف، كاستواء عنان فرسيهما إذا استويا في السير. ويشترط في صحتها كون رأس المال من كل منهما أو منهم -أي إن كان أكثر من اثنين- نقدا معلوما حاضرا، وأن يحدد لكل واحد منهما جزءا معلوما من الربح مشاعا. لابد أن يكون الربح معلوما وأن يكون مشاعا. فشركة العنان، كما ذكر صورتها، أن يشترك اثنان فصاعدا بمال وعمل. يعني مثلا إنسان يدفع أو يأتي إلى إنسان يقول: ما رأيك نعمل أنا وأنت شركة، أنت بجهدك وأنا بجهدي، وأنت تدفع مثلا مليون وأنا أدفع مليون ريال يمني، ونفتح عملا والنسبة فيما بيننا النصف. فيضعان المال ويحددان العمل، ثم يبدآ في ذلك العمل. فما اكتسبه كان بينهما على حسب الاتفاق. ففي مثل هذه الصورة، في النصف يكون في النصف. فهذا النوع من الشركات يسمى شركة العنان، وهي من الشركات الجائزة كما سمعتم، بالشروط المذكورة. ثانيا: الشركة المضاربة، وهي الأكثر شيوعا بين الناس. وهي أن يدفع أحد الشريكين للآخر مالا يتجر به بجزء معلوم من الربح، أيضا مشاع. لا يحدد الربح أو جزءا من الربح. فمثال هذه الصورة أن يشترك اثنان، كما تقدم معنا. بعض الناس قد يكون عنده مال وما عنده خبرة في إدارة الأعمال، وآخر عنده خبرة في إدارة الأعمال وليس عنده مال. فيدفع صاحب المال لهذا الذي عنده خبرة مالا يتجر به، ويعمل به، يسمى الآخر مضارب أو يسمى عامل أو يسمى أجيرا، أسماء لمسمى واحد وهو المضارب. فيدفع له ذلك المال ويشترطان وعلى أن لهما نسبة معينة، كان يقول النصف بيننا، نصف بنصف، أو ثلثان بثلث، أو ثلاثة أرباع بربع، أو ما شابه ذلك على ما يتفقان عليه. لابد أن يكون شيء مشاع. ثم إنهما في الربح قل أو كثر يقتسمان بالنسبة التي اتفقا عليها. والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرون شروطا وقيودا ومسائلا تحت هذا النوع. ثالثا: شركة الوجوه، وهي أن يشترك في ربح ما يشتريان بجاهيهما دون أن يكون لهما رأس مال، اعتمادا على ثقة تجارتهما. هذا النوع الثالث من أنواع الشركات، وهي شركة الوجوه. كما ذكر، ليس بين الشريكين أو الشركاء مال، ما هناك مال، لكن بينهم ماذا؟ وجوه، أي بجاه. كأن يكون مثلا على سبيل المثال، شركة مقاولات معروفون في سوق أن هذا شركة فلان ابن فلان وفلان ابن فلان. فيأتي أصحاب الأعمال إليهما، رجل يريد أن يبني عمارة فيأتي إلى هذه الشركة أريد كذا وكذا وكذا. ما عندهما يقول نعم، فيجهزان العمل ويفعلان ما يفعلان بوجوههم. يذهبان إلى صاحب الإسمنت يأخذون منه ما يأخذون، صاحب الحديد يأخذون منه ما يأخذون إلى غير ذلك. ثم يقتسمان ويتحاصان على ما اتفق عليه. هذا النوع من الشركات تسمى شركة الوجوه. ما عندهم مال، لكن يتعاملان بالوجه، عندهم جاه. رابعا: شركة الأبدان، وهي أن يشترك فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح كالاحتشاش والاستياد والمعدن والاحتطاب، أو يشترك فيما يتقابلان في ذمامهما من العمل كنسج وخياطة ونحوها. يقول: العمل فيما للبدن. كذلك ما عندهم مال، لكن بالبدن. يعني مثلا أربعة أو خمسة أو ثلاثة أو اثنان يدخلان البحر، صياد وصياد يقول: ندخل البحر أنا وأنت في القارب، أو هذا عنده قارب والآخر عنده قارب، ويقولان: ما ربحناه فنقسمه بيننا بسوية. نقسمه بيننا بسوية، كان اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك. هذا النوع من الشركة يسمى شركة ماذا؟ الأبدان. والفرق بينها وبين الشركة الأولى الذي هي شركة الوجوه، شركة الوجوه يأخذان السلع يأخذان الأشياء بالوجوه بالوجه، ما هناك عمل. إنما يأخذان ما يأخذان بالوجه، يكونوا معروفين عند أصحاب المحلات عند التجار. يذهب فلان يقول فلان يريده كذا وكذا يقول له خذ، فيأخذ بوجهه والآخر يأخذ بوجهه ويتجران على هذا أنه ما عندهما رأس مال. أما شركة الأبدان هناك عمل. هذا يعمل وهذا يعمل. قالوا: يوزع الربح بين الشركاء على حسب ما يتفقان عليه، وكذلك الخسارة تكون بينهما على قدر ما ليهما. أي إن كان على الصورة الأولى كذلك أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة. بمعنى أن الربح يقتسمانه، والخسارة إن كانت خسارة فالأمر واضح من الجميع. لكن خسارة تتصور في ماذا؟ في الشركة الأولى وفي الشركة الثانية. الشركة الثانية إن وقعت خسارة -الذي هي الشركة المضاربة- فإن كان الخسارة في الربح فعليهما، وإن كانت في رأس المال ولم يكن هناك تعد أو تفريط فعلى صاحب المال. قالوا: ولكل منهما فسخ عقد الشركة متى شاء، لماذا؟ لأنه من عقود الجائزة. كما تنفسخ بموت أحدهما أو جنونه. والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.