الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 22، تابع : نسبه صلى الله عليه وسلم . عمره صلى الله عليه وسلم . رسالته صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ ميلاده وبعض الأحداث عند مولده. نسب النبي إلى عدنان متفق عليه.
نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأربعين، وبدأ في دعوة الناس إلى الله بعد فترة من توقف الوحي. أقام النبي بمكة ثلاث عشرة سنة قبل هجرته.
يشرح المقطع الآيات الأولى من سورة المدثر، ويبين أهميتها في الدعوة إلى التوحيد والنذارة عن الشرك. يتطرق إلى موضوعات الصبر والتطهير من الذنوب.
المقطع يفسر بعض الآيات القرآنية، ويشير إلى البراءة من الأصنام والصبر على طاعة الله. ينتهي المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله «وهاشم من قريش وقريش من العرب»، قال: قريش، والنحى، فإن إليه جماع قريش، ولا خلاف بين العلماء أن هاشم ابن لعبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وما فوقه فيه خلاف. ومعنى هذا أن نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان متفق عليه، وما بعد عدنان مختلف فيه، ولا يشك أن عدنان من ولد إسماعيل. قال: والعرب هنا المراد بهم المستعربة، فإن العرب قسمان: عاربة ومستعربة، والعاربة قحطان، والمستعربة عدنان، يعني هؤلاء يرجعون إلى قحطان، وهؤلاء يرجعون إلى عدنان. قال: «وهم أفضل من العرب العاربة»، كيف؟ ومنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: «إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار». ومعنى أنه «اصطفاني من أشرفي وأرفع أنساب العرب»، فهذا النسب وإن كان فيه ما ليس من نسب العرب الخالص، إلا أنه بشرف وجود الأنبياء صار على ما هو عليه، فهو من أنسب العرب نسبًا. وقوله عليه الصلاة والسلام: «فأنا خيار من خيار»، يعني أن الله عز وجل اصطفى له نسبًا، ولله حكم في ذلك، فإنه يبعث الأنبياء في نسب قومهم؛ لأجل أن لا يطعن في نسبه، وتستنقص، فترد دعوته ورسالته، فكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الذي أشار إليه جاء عن عبد الله بن عمر، رواه الحاكم والطبراني، وجاء كذلك عن أنس، وفي بعض أسانيده ضعف، ففي حماد بن واقد، لكنه توبع، ولهذا ذكره الشيخ الألباني رحمه الله مضعفًا له في «ضعيف الجامع»، لكنه حسن بمجموع طرقه؛ لأنه له شواهد ومتابعات، جاء من حديث بن عمر وأنس. قال: وقال أبو سفيان لهروق لما سأله: «كيف هو فيكم؟» قال: «هو فينا ذو نسب»، قال: «وهكذا الرسل تبعث في أنساب قومها»، يعني في أكرمها أحسابًا. وهذا كما تقدم للعلة التي سبقت؛ حتى لا يطعن في رسالة الأنبياء لأجل نقص نسبها، فكان لله حكمة أن اصطفاه في نسب العرب، فكان «خيار من خيار» عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك فهو القائل عليه الصلاة والسلام: «من لم يسرع به عمله لم ينفعه نسبه»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالعبرة بماذا؟ بالعمل الصالح، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». فالحسب بدون دين لا خير فيه. قال رحمه الله تعالى: قوله «هو العرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام»، قال: وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف أن الخليل من ذرية سام بن نوح. وذكر جمهور المؤرخين أن الخليل عليه السلام ابن تاريخ بن ناحور بن سارو بن راع بن فالع بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهذا ذكر هكذا، وبعضهم ذكر غير هذا في كتب التاريخ كما أشار. ولكن كما تقدم معنا: لبعد الزمان وطوله، وعدم معرفة النقلة، فإن هذا مما يسكت عنه، فلا نستطيع الجزم به. فإذا كان نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدنان متفق عليه، وما بعده مختلف فيه، فكيف بنسب آدم، أو بنسب نوح، أو بنسب حتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ يعني من إبراهيم أقصد إلى آدم، أو إلى نوح عليه الصلاة والسلام؟ فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقفون عند عدنان، فكيف بنسب إبراهيم إلى ما بعد ذلك بكثير إلى نوح أو إلى آدم؟ كما بعضهم يبالغ فيجعل نسبًا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى آدم. قال رحمه الله تعالى: «وله من العمر ثلاث وستون سنة»، قال: «ولد عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين، ثاني عشر ربيع الأول، عام الفيل، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر إلى المدينة، وفيه توفي، صلوات الله وسلام عليه». أما كونه يوم الاثنين فنعم، أما كونه ثاني عشر ربيع الأول فهذا مختلف فيه، وليس هناك شيء صحيح صريح يدل على ذلك. قال: قال صلى الله عليه وسلم: «ذلك يوم ولدت فيه، وأنزل علي فيه»، يعني يوم الاثنين، فهو يحب أن يكون فيه صائمًا. والحديث في مسلم، عن أبي قتادة. قال: وارتجس لمولده صلى الله عليه وسلم إيوان كسرى، وخمدت النيران، وخر كثير من الأصنام. وخبر إيوان كسرى وارتجاجه، وانطفاء النيران، ذكره ابن أبي الدنيا، وعلق عليه الذهبي رحمه الله في «السير»، فقال: هو حديث منكر، يعني ليس له إسناد مستقيم. وأكثر ما يروى من الإرهاصات في ولادة عليه الصلاة والسلام مما لا يعلم له سند مستقيم، ومنه ما ذكره هنا. قال: «وظهر النور حتى أضاءت له قصور الشام»، وهذا كذلك لا يعرف له سند صحيح. قال: «وهتفت به الجن»، كذلك. كتاب «الجن» ذكروا أنه لا يصح. قال: «وجرى من معجزات آياته غير ذلك». وأكثر ذلك كما تقدم مما لا يعلم له أصل صحيح، لكنه ذكر في كتب التاريخ والسير. قال: «وتوفي أبوه وحمل، وكان عند جده ثم عمه أبي طالب، وتزوج خديجة، وله خمس وعشرون سنة». ومنها أولاده إلا إبراهيم، فمن مارية أي القبطية. قال: «وشهد حلف المطيبين». وحلف المطيبين هو الذي يسمى بحلف الفضول، كان في دار عبد الله بن جدعان. وذلك أنه وقعت حرب شديدة بين العرب، بين قريش وكنانة، وقيس وعيلان، سميت حرب الفجار؛ إذ أنهم استباحوا القتال في الأشهر الحرم. ثم بعد ذلك كان الحلف في نصرة المظلوم. من ذلك دعا إلى ذلك جده عبد المطلب. وكما قال أهل التاريخ: لم يشهد النبي صلى الله عليه وسلم القتال والحرب، ولكنه شهد الحلف مع جده، فحضر هذا الحلف في دار عبد الله بن جدعان، كما أخبر هو بذلك عليه الصلاة والسلام: أنه يغتبط بذلك اليوم، وحضور ذلك الحلف؛ لأن فيه نصرة المظلوم، والدفاع عن أهل الضعف، ففرح به عليه الصلاة والسلام. والحديث صحيح، ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في «الصحيحة» في المجلد الرابع. قال: «وبناء الكعبة» كذلك، كما جاء في الصحيح: فإنه ممن شارك في بناء الكعبة حين جددت. قال: «وكان يسمى الأمين قبل مبعثه، صلاة الله وسلامه عليه؛ لكثرة وشدة أمانته عليه الصلاة والسلام، حتى اشتهر به، فكان لقبه الذي يلقب: يقال محمد الأمين». فإذا كان كذلك، فكيف لا يأمنونه على وحي السماء؟ قال رحمه الله تعالى: قوله «منها أربعون قبل النبوة»، قال: عند جماهير أهل العلم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: والنبوة من النبأ، يعني أن هذا معلوم عند أهل السيرة: أنه مكث أربعين سنة قبل النبوة، وبعث بالوحي الذي نزل عليه في غار حراء، وهو على أربعين سنة عليه الصلاة والسلام. وهناك رواية شاذة: أنه على ثلاثين سنة، لكنها شاذة وضعيفة، والصحيح المشهور والمتفق عليه: أربعون سنة كما ذكر. قال: «والنبوة من النبأ»، وهو الخبر؛ لأنه يخبر عن الله، وقيل: من النبوة، وهو الارتفاع؛ لارتفاع رتبته، وإنما كان كذلك؛ لأنه ارتفع على غيره، فالنبوة وحي من الله سبحانه وتعالى، وفيه رفعة، فكل المعنيين صحيح، ولله أنبياء ورسل، كما أخبرنا في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. قال: قوله «وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا»، معناه: مكث بعد ما جاءه الوحي أول مرة ثلاث وعشرون سنة، وهو نبي رسول. فترة نبوة، وفترة رسالة، وسيأتي الكلام على التفريق. قال رحمه الله: قوله «نبي رسولًا»، قال: «والنبي إنسان ذكر، أوحي إليه بشرع، وإن لم يؤمر بتبليغه، وإن أمر بتبليغه فهو رسول». وبينهما عموم وخصوص. فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أصحابها، والنبوة أخص من جهة نفسها، وأعم من جهة أصحابها. فالنبوة جزء من الرسالة؛ إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسول. هذا قول جمهور أهل العلم في التفريق بين النبي والرسول. وقال بعض أهل العلم، وذكره شيخ الإسلام في كتابه «النبوات»، ورجحه الكثير من المحققين من أهل العلم: أن الفرق بين النبي والرسول: أن النبي من جاء متبعًا لشريعة من قبله، وأن الرسول من جاء بشرع جديد. وعلى هذا المعنى لا إشكال، وأما على المعنى الأول فيشكل كون الأنبياء أمروا بالتبليغ. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: «يأتي النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد»، فدل على أنهم أنبياء، ومع ذلك يبلغون؛ حتى يكون لهم أتباع. فإذا قول من قال: «أنه ولم يؤمر بتبليغه» خلاف الصواب، بل الصواب: أنه من أتى متبعًا لشريعة من قبله، فإذا جاء بشرع جديد صار رسولًا نبيًا. والنبي عليه الصلاة والسلام أول ما أنزل إليه: أنزل إليه الوحي، فكان نبيًا من أنبياء الله، هو مأمور بمتابعة شريعة من قبله، ولما أمر بتبليغ ما أمره الله به، وجاءه ما جاءه من وحي الله مما فيه نسخ لشريعة من قبله، فهو نبي الرسول، فهو نبي الرسول. قال رحمه الله تعالى: «وأما العموم الخصوص الذي أشار إليه»، يريد رحمه الله ما أشار إليه في الأخير: أن كل رسول نبي؛ لأن النبوة تدخل في معنى الرسالة، وليس كل نبي رسول؛ لأن معنى النبوة لا يدخل في معنى الرسالة. قال: قوله «نبأ بإقرأ وأرسل بالمدثر»، قال: أي أنزل عليه يوم الاثنين بلا خلاف كما تقدم في الحديث، والمشهور: أنه أنزل عليه في رمضان بغار حراء؛ لأنه أنزل في شهر رمضان القرآن، كما قال الله عز وجل: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن». بل أول ما أنزل كما قال بعض أهل العلم: في ليلة القدر، هل أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام أو إلى السماء الدنيا؟ بهذا خلاف بين أهل العلم. قال: قال: «أنه أنزل عليه في رمضان بغار حراء، صدر سورة إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق». ومعنى «صدر»: يعني أولها. قال: «ففيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وخص الإنسان لما أودعه من عجائب آياته، ومن كرم الله: أن علمه ما لم يعلم، فشرفه بالعلم». والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة في اللسان، وتارة في الكتاب بالبنان. ولهذا قال: «اقرأ، وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم». ورجع بها يرجف فؤاده، فقالت له خديجة: «والله لا يخزيك الله». فقال: «هذا الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى». وكان ورقة ممن علم أهل الكتاب، فعلم أنه الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل. قال: ورجع: «أنه حين يبعث ويرسل ينصره نصرا مؤزرا». قال: «يا ليتني فيها جدعًا»، يعني قويا، فينصر النبي صلى الله عليه وسلم. فالشاهد من هذا: أن ما بعث به عليه الصلاة والسلام، ونبئ به: كان بسورة «اقرأ»، فكان هذا أول وحي نزل عليه عليه الصلاة والسلام، وفيها ما لا يخفى من الأمر بالعلم والاعتناء به. وهذه هي صفة الأنبياء: أنهم يبعثون بالعلم. قال رحمه الله تعالى: «وبلده مكة»، قال: «وأرسل بالمدثر». قبل هذا، قال: أي بصدر سورتي «يا أيها المدثر»، الآيات بعد فترة الوحي. ولما جاء الملك فرق منه، فقال: «دثروني». فأنزل الله: «يا أيها المدثر»، ثم حمي الوحي وتتابع. وكان أول ما أنزل عليه بعد فترة الوحي، وحينئذ شمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ساق العزم، ودعا إلى الله. وهذه القصة رواها البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد الله، كما أن القصة الأولى جاءت كذلك في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، وجاء معناها عن غيرها. قال: قوله «وبلده مكة»، قال: أي ولد بها في شعب علي، ونشأ بها، إلى ما كان منه وهو مع مرضعته السعدية في البرية، ثم رجع إليه في حضانة جده، ثم عمه. وأوحي إليه بها، وبقي بها ثلاث عشرة سنة بعد أن أوحي إليه. ومعنى «أوحي إليه بها»: أي جاءه الوحي عند أن شق صدره، وليس معنى الوحي الرسالة؛ لأنه كما تقدم: إنما بعث إليه بالوحي، أي الدين والقرآن، وهو ابن أربعين على أربعين سنة عليه الصلاة والسلام. قال: قوله «وهاجر إلى المدينة»، قال: أي بعد أن هموا بقتله صلى الله عليه وسلم، فتغيب في الغار، ثم ساره وأبو بكر مهاجرين للمدينة. وقصة الهجرة معروفة في الصحيحين، وفي غيرهما. قال: «وأرخت الأمة من مهاجره صلى الله عليه وسلم». قال: قوله «بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد»، قال: ذكر المصنف رحمه الله جملة مما يعرف به النبي صلى الله عليه وسلم، وعظمها وعلاها: معرفة ما بعث به صلى الله عليه وسلم، وأنه بعث بالنذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد. وقدم المصنف النذارة عن الشرك قبل الدعوة إلى التوحيد؛ لأن هذا مدلول كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، نفي ثم إثبات. قال: «ولأن الآيات تقتضي ذلك، فبدأ بجانب الشرك؛ لكون العبادة لا تصح مع وجود المنافي، فلو وجدت والمنافي لها موجود لم تصح». فكما يقولون: التخلية قبل التحلية، إزالة النجاسة قبل كسب الطهارة، فأنت تزيل النجاسة ثم تكسب الطهارة، وهكذا تزيل الشرك ثم تكسب التوحيد. قال رحمه الله: «فلو وجدت والمنافي لها موجود لم تصح؛ لأنها ستبطله، كالنجاسة مع الطهارة تضره». وهكذا الشرك مع التوحيد: ما يجتمع، بل ما يصح توحيد إلا باجتناب الشرك. قال: «ثم ثنى بالتوحيد؛ لأنه أوجب الواجبات، ولا يرفع عمل إلا به». وتقدم فضائل التوحيد في أول ما ذكر رحمه الله تعالى. ومعنى «بالنذارة»: أي بالإعلام مع التخويف؛ لأن النذارة معناها الإعلام بشدة من شدة الخوف. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا النذير العريان». ومعناه مثل نذير نذيركم الذي تعرفونه إذا جاءكم عريان. قال: قوله «يا أيها المدثر قم فأنذر»، قال: هذه أول آية أرسل بها، وأول أمر طرق سمعه في حال إرساله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الملك الذي جاءه بحراء -غار حراء هو الذي يسمى اليوم بجبل النور- في جبل النور هو جبل حراء، وغار حراء غار صغير في أعلى الجبل- رعب منه، فأتى إلى أهله، فقال: «دثروني». فأنزل الله: «يا أيها المدثر»، أي المتدثر بثيابه، المتغشي بها من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك عند نزول الوحي. قال: قوله «قم فأنذرهم وحذرهم من عذاب ربك إن لم يؤمنوا». وبهذا حصل الإرسال، كما حصل بالأول النبوة. وهذا على ما تقدم، وعلى التفريق والتفصيل الثاني: يكون ما قبل متابع لشريعة من قبله، وبهذا أتي بشرعية جديدة، فكان ابتداء شرعية جديدة بهذه الآيات وما بعدها. قال: قوله «وربك فكبر»، أي عظم ربك عما يقوله عبدة الأوثان. فهي عامة، وأول ما يدخل فيها هذا المعنى: تنزيه الرب سبحانه وتعالى عما ينافي عظمته وكبرياءه مما وقع من الناس من الشرك؛ فإنهم عظموا غير الله، وهذا هو الواقع. قال: قوله «وثيابك فطهر»، أي نفسك، طهرها عن الذنوب. كناية عن النفس بالثوب؛ لأنها تشتمل عليه. وهذا قول المحققين من أهل التفسير. أو عملك فأصلح. وفسر بغير ذلك. قال: وهو كما قال رحمه الله: قول المحققين المفسرين: أن المراد بالتطهير ها هنا التطهير المعنوي. وذكر التطهير الحسي: هو من باب الإشارة إلى ما هو أولى. قال: قوله «والرجز فهجر»، أي أترك الأوثان ولا تقربها. والرجز القذر، مثل الرجز. وهي لغة. وقيل: أنه حصل فيها شيء من القلب. قال: وقال تعالى: «فاجتنب الرجز من الأوثان». بل فسر المصنف رحمه الله هذه الآيات بما فيه كفاية؛ يعني أنه ذكر التفسير بعد كل مقطع من الآيات كما سيأتي. قال: قوله «تستكثر»، أي لا تعطي مالك مصانعة لتعطى أكثر منه، أو لا تمن على الله بعملك فتستكثره، أو لا يكثر من عملك في عينك، أو لا تضعف أن تستكثر من الخير. وكلها معاني مطلوبة، فهي عامة. قال: قوله «ولربك فاصبر»، قال: أي على طاعته وأوامره، أو على ما أوذيت في الله. وهو يشمل جميع أنواع الصبر: الصبر على الطاعة، والصبر عما نهي عنه، والصبر على ما ابتلي به. وهو أمر له ولأمته من بعده. قال: قوله «ومعنا قم ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد»، قال: فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، ولا يرفع معه عمل، والتوحيد أوجب الواجبات، وأول دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال الله تعالى: يعني عن عدد من أنبيائه ورسله: «ما لكم من إله غيره». فشمر صلى الله عليه وسلم عن ساق العزم، وأنذر الناس، وعم وخص، وأوذي على ذلك. ومعنى «عم وخص»: يعني داع الناس عامة، وخص أهله خاصة؛ حتى نادى عمه وعمته وابنته، يدعوهم جميعًا إلى توحيد الله وعبادته. قال: هو ومن اتبع وجرى للمصنف مجدد هذه الدعوة رحمه الله نحو مما جرى عليه صلى الله عليه وسلم: هو وأصحابه، وصبروا، وكانت لهم العاقبة، وأظهر الله الدين بعد دروسه على يديه وأتباعه، فلله الحمد والمنة، وجزاه الله ومن آواه ونصر عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء. قال: قوله «وربك فكبر»، أي عظمه بالتوحيد، فهو سبحانه الإله الحق، لا ند له ولا مثل له، فلا شريك له في إلهيته ولا في ربوبيته، بل هو المستحق أن يعبد وحده لا يشرك معه أحد في عبادته؛ فإن الشرك مع كون أظلم الظلم، فهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين. قال: قوله «وثيابك فطهر»، أي طهر أعمالك عن الشرك، قال: وهو أعظم ذنب عصي الله به. أو طهر نفسك مما يستقذر من الأقوال والأفعال. قال: قوله «والرجز فهجر»، أي الرجز الأصنام، وهجرها تركها، والبراءة منها وأهلها. قال: قوله «تستكثر»، أي لا تمن على الله بعملك، ولا تعطي مالك مصانعة لتعطى أكثر منه. قال: قوله «ولربك فاصبر»، أي على طاعته وأوامره، وعلى ما أوذيت في الله. قال: ومعنى «قم ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد»: فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به، ولا يرفع معه عمل، والتوحيد أوجب الواجبات، وأول دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال: قوله «وربك فكبر»، أي عظمه بالتوحيد. قال: قوله «وثيابك فطهر»، أي طهر أعمالك عن الشرك. قال: قوله «والرجز فهجر»، أي الرجز الأصنام، وهجرها تركها والبراءة منها وأهلها. قال: قوله «ولربك فاصبر»، أي على طاعته وأوامره وعلى ما أوذيت في الله. نقف إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.