الدرس في كتاب الطهارة 7، ألقاها
الأصل في الآنية الإباحة، لكن استعمال آنية الذهب والفضة محرم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل التحريم الجنسين.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن استعمال آنية الذهب والفضة لأنها للكفار في الدنيا وللمسلمين في الآخرة، ويشمل التحريم كل استعمال لها.
الأواني المضببة بالذهب والفضة محرمة إلا إذا كانت الضبة يسيرة من الفضة وللحاجة، ويشترط أربعة شروط لجواز تَضبيب الإناء.
عبارة "لغير الحاجة" تُستخدم لتحديد ما هو مباح وما هو غير مباح بناءً على الغرض من الاستخدام، فالزينة لا تعتبر حاجة مباحة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفَّق ابن قدامة رحمه الله في كتابه «عمدة الفقه»: باب الآنية. الآنية جمع إيناء، وجمع الآنية الأواني، فالأواني جمع الجمع، ولا يستعمل إلا فيما كان أكثر من تسعة إلا مجازًا، لا يستعمل في أقل من تسعة إلا مجازًا، ولكن يستعمل فيما كان أكثر من تسعة، ويُستخدم فيما دونه مجازًا. والإيناء إناء معروف، وهو الوعاء، ويدخل فيه كل ما يستخدمه الإنسان، كذلك ما لم يكن ملبوسًا، مثل المُقْلَة والمَحْبَرَة والإبريق ونحوها. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى لباب الآنية هاهنا، مع أن لها تعلُّقًا بباب أو بكتاب الأطعمة، ذكره هاهنا لمُناسبة، وهذه المُناسبة هي أن له صلةً بباب المياه، فإن الماء جوهرٌ سيّالٌ لا يمكن حفظه إلا بإيناء، ولذلك ذكره رحمه الله تعالى بعد باب المياه؛ لأجل هذا المعنى. بعد أن فرغ من الكلام على باب المياه، ذكر ما هي الآنية التي تُستخدم في حفظ ذلك الماء أو يُستعمل منها ذلك الماء، لذا بوَّب بهذا الباب، بقوله: باب الآنية. والأصل في الآنية الحِلُّ؛ لعموم قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فالأصل الحِلُّ والإباحة لعموم هذه الآية، إلا ما دل الدليل على تحريمه، إلا ما دل الدليل على تحريمه. وهو الذي أشار إليه أو صرَّح به المُصنِّف هاهنا رحمه الله تعالى، بقوله: «لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها»؛ لما روى حُذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». والحديث متفق عليه. قال رحمه الله: «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ». قوله رحمه الله تعالى: «لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها»، هذا التحريم في قوله «لا يجوز» هذا التحريم يستوي فيه الرجال والنساء، يستوي فيه الرجال والنساء؛ بخلاف التحلي، فإن التحريم يختص بالرجال، ويُباح للنساء منه أشياء مُستثناةً للحاجة، كما جاء في حديث ذلك الصحابي الذي أذِن له النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعمل أنفًا من ذهب، على قول من حسن ذلك الحديث من أهل العلم. ويباح للنساء الحُلِي، أما الرجال فلا يحل لهم الذهب، والتحلِّي بالفضة إلا ما أُستثني من ذلك، وكل ما يُلبس فيه، إلا ما جاء فيه الدليل، ونحوه مما ليس فيه تشبُّه بالنساء، كاتخاذ الخاتم من الفضة، هذا لا بأس به. أما أن يتحلَّى بالذهب أو الفضة كما تتحلَّى النساء، فهذا لا يجوز؛ للعن النبي صلى الله عليه وسلم متشبِّهين من الرجال بالنساء. قال رحمه الله تعالى: قلنا: إن هذا النهي عام للرجال والنساء؛ بخلاف باب اللباس، فإنهم يُحرَّم على الرجال دون النساء، إلا ما استُثني من ذلك. ويدخل في باب الحلية كل ما يلبسه الإنسان، يُسمَّى حلية، سواء كان سلاحًا أو لباسًا أو ما شابه ذلك. يعني مثلًا عندنا في اليمن الجنبية أو الخنجر، فكل ما لبسه الإنسان فإنه يدخل في هذا المعنى في اللباس. وكل ما لم يكن ملبوسًا مما يستعمله الإنسان، فإنه من باب الآنية، فالملبوس من باب الحلية، وما لم يكن ملبوسًا هو من باب الآنية. وهذه النواهي في الأحاديث المذكورة -أي في قول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما»- في الأكل والشرب. وجاء كذلك في حديث حذيفة -يعني جاء في حديث حذيفة بهذا اللفظ- وجاء كذلك في حديث البراء في الصحيحين، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سبع، وذكر منها آنية الذهب». وجاء كذلك في حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «من يشرب في آنية الذهب والفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم». فالأحاديث كما ترون في الأكل والشرب، فهل هذا الوصف المذكور مقصود أو غير مقصود؟ الصحيح من أقوال العلماء أن هذا اللفظ إنما خرج مخرج الغالب، أي الأكل والشرب؛ لأن الغالب في الآنية أنها تُستخدم في الأكل والشرب، فخرج مخرج الغالب. وإذا كان كذلك، فإنه يدخل فيه جميع الآنية، فكأنه يقول: لا تستعمل آنية الذهب والفضة، سواء كان في أكل، سواء كان في شرب، سواء كان في طهارة، سواء كان في اكتحال، سواء كان في وضع الأقلام، إلى غير ذلك. يكون عامًا؛ لذا قال الإمام الموفق رحمه الله: «لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها». لماذا؟ أخذًا بالعلة التي لأجلها نُهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة؛ إذ العلة فيها -كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى- هو أن في اتخاذها معنى من معاني الصرف، وفي اتخاذ هذه الأواني -وهي من النقد- فيه معنى من الصرف والاستهانة بهذا النقد، وفيه كذلك معنى من معاني الكبر والخيلاء. وهذه كلها معاني مشتركة في استخدامها في الأكل والشرب، أو في الطهارة، أو في غيرها من الاستعمالات. وجاء تعليل منصوص عليه في حديث حذيفة رضي الله عنه وأرضاه، في قوله: «فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة». وقوله: «فإنها» هنا للتعليل، فكان التحريم لأجل هذا المعنى: «فإنها لهم في الدنيا» -أي آنية الذهب والفضة- يأكلون فيها ويشربون فيها ويستعملونها، «ولنا في الآخرة». فهي علة منصوصة في هذا الحديث، إلى جانب ما تقدم ذكره مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى كذلك استنباطًا من أحاديث الباب. والمعاني مشتركة، والعلة إذا وُجدت وُجد معها الحكم؛ إذ الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. لذا قال علماء رحمهم الله تعالى: هذه النواهي في الأحاديث، وإن كانت في الأكل والشرب، إلا أن غيرها من أنواع الاستعمال تدخل كذلك في ضمن هذا النهي؛ لماذا؟ لجامع العلة. هذا أمر. والأمر الثاني: أن في بعض ألفاظ الأحاديث -في حديث حذيفة- في بعض ألفاظه، وكذلك في بعض ألفاظ حديث البراء رضي الله عنهم جميعًا، جاء فيه هذا المعنى -أي إطلاق هذا اللفظ دون ذكر الأكل ولا الشرب- فقد جاء في بعض رواية حديث حذيفة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذهب والحرير والديباج»، وقال: «هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». فقوله: «عن الذهب والحرير والديباج» هذا لفظ عام، ليس فيه تقييد بأكل ولا بشرب. وجاء في حديث البراء في رواية عند البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن آنية الفضة»، «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن آنية الفضة». وهذا عام لم يُقيد، لم يُخصص، فهو عام يبقى على عمومه. فإذا يدخل فيه كل ما كان فيه هذا المعنى مما يُستعمل استعمال آنية، سواء كان في أكل، سواء كان في شرب، سواء كان في طهارة، سواء كان في وضع أقلام، سواء كان في وضع شيء من الأمور مما يستخدمها الإنسان ويستعملها الإنسان، فإنه يدخل في هذا المعنى في الآنية التي نهى عنها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لعمومات الأحاديث المذكورة، وللعلة المشتركة فيما لم يُذكر. والله تعالى أعلى وأعلم. هذا أمر. وأمر آخر: كما أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة، كذلك لا يجوز اتخاذها؛ بمعنى لا يجوز للإنسان أن يتخذها كحرفة وصنعة، أو أن يتخذها كتجارة. كصنعة: أي أن يصنع أواني الذهب والفضة، لا يجوز له أن يفعل ذلك. ولا يجوز كذلك لو أن يشتريها لأجل التجارة -البيع والشراء-؛ لماذا؟ كما قال علماء رحمهم الله تعالى: لأنها في الغالب لا تُصنع إلا للاستعمال، ولا تتخذ إلا للاستعمال. وما لا يتم ترك المحرم إلا به، فتركه واجب. إذن لا يجوز كذلك اتخاذها لا في تجارة، ولا في صنعة، ولا في صياغة، ولا في شيء من ذلك؛ لما تقدم ذكره؛ لما لا يتم ترك المحرم إلا به، فتركه واجب. فهذا من هذا الباب؛ كما قال علماء رحمهم الله تعالى: كتحريم آلات الله لمن يستخدمها في ذلك. وقوله رحمه الله تعالى: قول إمام موفق رحمه الله: «لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها». أما في الطهارة فقد تقدم الكلام عليها، وفي غيرها كذلك تقدم الكلام عليها. لكن نتكلم الآن على المعنى الذي لأجله أورد الإمام الموفق رحمه الله تعالى هذا الباب في هذا الكتاب هاهنا، وهو: هل يجوز استعمال الماء في آنية الذهب والفضة لأجل الطهارة؟ هل يجوز أن يتطهر بماء في آنية ذهب أو فضة، أو لا يصح ذلك التطهر؟ وقبل هذا السؤال سؤال، وقد تقدم الجواب عليه. ما هو هذا السؤال؟ السؤال: هل يجوز أن نتطهر -أن نستعمل آنية الذهب والفضة في الطهارة؟ الجواب: ماذا تقدم؟ ما هو؟ لا يجوز. السؤال الثاني: من استخدم واستعمل آنية الذهب والفضة في الطهارة، هل تصح طهارته أم لا؟ يعني رجل نتصور هذا رجلًا مترفًا كان يتطهر بآنية ذهب أو فضة، يعني يؤتى له بالماء في آنية ذهب أو فضة، يتطهر بذلك الماء الذي في تلك الآنية، وصلى بذلك الوضوء. ما حكم صلاته؟ وما حكم طهارته؟ في المسألة قولان للعلماء، الصحيح منهما صحة تلك الطهارة مع الإثم؛ أي يكون آثمًا وطهارته صحيحة؛ لانفكاك الجهتين؛ إذ أن النهي لا يعود على ذات العبادة -أي لا يعود على ذات الطهارة- ولا يعود على شرطها، ولا يعود على وصفٍ لها ملازمٍ بفسادها تفسد تلك العبادة. بل النهي منفك عن جهة الصحة وجهة الفساد؛ لذا فالطهارة بماء في آنية ذهب أو فضة -من حيث الصحة والفساد- الطهارة صحيحة، ومن حيث الإثم هو آثم، إن كان يعلم الحكم، وإن كان جاهلًا فهو جاهل. قوله رحمه الله تعالى: «لما روى حذيفة»، قوله «لما» هذا خرج مخرج التعليل؛ أي: لماذا لا يجوز؟ يقول: «لما روى حذيفة»، فهذا تعليل لكون استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة وغيرها لا يجوز؛ لماذا؟ لما جاء في الصحيحة من حديث حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة». وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما» تقدم الكلام عليها. وقوله كذلك: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة»؛ فيها تعليل للحكم منه صلى الله عليه وسلم، وفيه رد على نُفاة العلل والأسباب من الأشاعرة والجبرية ونحوهم -نُفاة العلل والأسباب- وكون العلة منصوصًا عليها. هذه العلة -كما يقول العلماء- من أقوى العلل التي يناط بها الحكم، ويدار معها الحكم؛ لماذا؟ أنها علة منصوصة -أي نص عليها الشرع- سواء كان نص عليها ربنا تبارك وتعالى في كتابه، أو نص عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. قوله رحمه الله تعالى: «فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» تقدم الكلام. قال: «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا». وحكم المضبّب بهما حكمهما؛ أي حكمهما من حيث التحريم. ومعنى هذا: أنه لا يجوز أن تُستخدم الآنية المضبّبة بالذهب أو بالفضة. ومعنى المضبّبة: المضبّبة -كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى- لها صِغَرٌ، إما أن توضع الضبّة -أي يُصب الفضة أو الذهب على الآنية- يعني: كما يقول العلماء: أن يُذاب الذهب والفضة، ثم يُلقى فيه ذلك الإناء، فيُلقى فيه ذلك الإناء، فيُسمى ذلك الإناء مضبّبًا -أي مغطى وملبّس بماذا؟ بالذهب أو الفضة- هذا يُسمى مضبّبًا. وهو بخلاف ما كان مطليًا، دونه المطلي -كما يقول- أن يُغطى بغطاء، أما أن يُلبس بهذا التلبيس، هذا يُسمى ماذا؟ يُسمى مضبّبًا. ومن المضبّب أيضًا -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- أن يُوضع على رأس ذلك الإناء ضِبة من ذهب أو فضة؛ أي يُجعل حول رأس ذلك الإناء ضِبة -أي شيء من الذهب أو الفضة- على شكل زينة وحلقة في مكان الشرب أو في مكان الأكل للزينة. هذا كذلك يكون حكمه حكمه. فيقول رحمه الله تعالى: «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»؛ أي في التحريم. ثم قال رحمه الله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ». وقوله: «إِلَّا» هذا استثناء، والاستثناء -كما يقول أصوليون- هو معيار العموم. ومنه يُعلم أن قوله: «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»؛ أي على عمومه. ومعنى هذا: أن كل مضبّب حكمه حكم الآنية من الذهب والفضة، إلا ما استُثني، وهو قولهم: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ». هاهنا ذكر ثلاثة شروط، وأضاف بعض العلماء شرطًا رابعًا في جواز تَضبيب الإناء، وأنه يكون جائزًا. اشترط العلماء -ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لذلك- أربعة شروط: الشرط الأول: أن تكون ضِبة، أو أن يكون ذلك الإناء ما فيه من الذهب والفضة إنما يكون ضِبة. والضِبة -كما يقول العلماء- قد تُطلق على ماذا؟ كما يقال الآن: الخيط في الثوب المرقوع. يعني: رأيت لو انقطع ثوب، فخيطه إنسان، إذا كان في الإناء إذا وُضع هذا الأمر، يُسمى ما يُسمى ضِبة. يقال: ضببه. فهذا الشيء -يعني كما يقال- ما كان فيه معنى اللحام. إن كسر قدح، فلُحم بشيء من الفضة، يقول: لا بأس. هكذا يُسمى ما ضِبة. نسميه اليوم نحن ماذا؟ نسميه لحامًا؛ لحامًا بالفضة. فمثل هذا يقول: لا بأس. فالشرط الأول: أن تكون من ضِبة. الشرط الثاني: أن تكون يسيرة. الشرط الثالث: أن تكون من فضة. الشرط الرابع: أن تكون للحاجة. هذه شروط أربعة. ما الدليل على جوازها؟ الدليل على جواز هذه المذكورة -أن تكون ضِبة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون من فضة، وأن تكون للحاجة- ما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: «إن كسر قدح النبي صلى الله عليه وسلم، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة». فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بحديث أنس هذا على جواز ذلك بهذه الشروط -أن يكون ماذا؟ أن يكون ضِبة- أي شيء يسير، وأن يكون ماذا؟ أن يكون ذلك الشيء يسيرًا؛ لأنه في قدح، والقدح صغير، والضِبة التي ستكون فيه تكون في ماذا؟ في شيء يسير؛ لأنه قال: «سلسلة من فضة». «إن كسر فاتخذ مكان الشعب -يعني الكسر- يسير في ماذا؟ في القدح- القدح من خشب أو نحوه- الذي يُستخدم للشرب من قدح أو نحوه، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من ماذا؟ من فضة». فقوله: «مكان الشعب سلسلة من فضة»؛ استفيد منه الشروط الأربعة المذكورة: الأول أنه ضِبة، الثاني أنه يسير، الثالث أنه من فضة، الرابع أنه للحاجة. قد يقول قائل: أي حاجة في ذلك؟ ألا يستطيع أن يتخذ ضِبة من نحاس، من معدن، من غيرها من الأمور؟ فالجواب هو ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى: أن المقصود بالحاجة هاهنا: ما استُخدم لغير الزينة، ما استُخدم لغير الزينة، فهو استخدام للحاجة. هكذا ضبطه الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: «إذ لو لم يكن كذلك، إذ لو لم يكن هذا معنى الحاجة، وكان معنى الحاجة أنه أن لا يجد غيره -أن لا يجد غيره- قال: هذا لا يكون من باب الحاجة، وإنما يكون من باب الضرورات. والضرورات تبيح المحظورات، فلا يقتضي فقط الفضة، بل يقتضي كذلك الذهب». لكن هذا الباب باب ماذا؟ حاجة، أو ضرورات. باب حاجات. إذن الضابط في الحاجة في هذا الباب: ما استُخدم لغير زينة، ما استُخدم لغير الزينة. فقولهم رحمهم الله تعالى: «وَحُكْمُ الْمُضَبَّبِ بِهِمَا حُكْمُهُمَا»؛ أي على العموم، «إِلَّا أَنْ تَكُونَ الضَّبَّةُ يَسِيرَةً مِنَ الْفِضَّةِ». فإذا إذا لم يكن ضِبة، فلا يجوز. إذا كان كبيرًا كثيرًا، لا يجوز. إذا كان من غير الفضة -من الذهب- لا يجوز. إن كان لغير حاجة كذلك ماذا؟ كذلك لا يجوز؛ أي لغير الحاجة. ما معنى لغير الحاجة في هذا الباب؟ في هذا الباب ما معنى لغير الحاجة؟ للزينة. واضح. لغير الحاجة؛ أي للزينة. ما كان للزينة، فإنه ماذا؟ فإنه لا يباح. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.