الدرس في شرح مسائل الجاهلية 76، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل كيف أن أهل الجاهلية وأهل الكتاب يدعون العمل بما عندهم من الحق مع تركه، ويبين رد الله على شبهتهم في رفض الإيمان بالقرآن. يوضح أن القرآن يصدق ما في التوراة والإنجيل.
يتطرق هذا الفصل إلى تفاصيل كيف أن أهل الكتاب يدعون أنهم على الحق، ولكنهم في الحقيقة كفروا بدينهم ودين الرسول، ولم يقيموا دين الحق، ويستشهد بآيات قرآنية لوصف صفاتهم.
يختم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة والستون، دعواهم العمل بما عندهم من الحق، كقولهم: نؤمن بما أنزل علينا مع تركهم إياه. هذا الفقر، إخواني في الله، والتي عبر عنها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: دعواهم، والضمير عائد على أهل الجاهلية ومن كان على منوالهم، ومن أمثالهم من أهل الكتاب. قال: دعواهم العمل بما عندهم، ودعواهم ما أخوه من الدعوة، وهما يدعى به، ويجمع على دعواهم العمل بما عندهم من الحق، يظنون ما عندهم من دين أنه الحق المبين، كقولهم: نؤمن بما أنزل علينا. قال مع تركهم إياه، إذن هذه دعوة عارية عن الصحة، إذ أنهم يدعون أنهم اكتفوا بما عندهم من دين وملة، ومع ذلك هم لم يقوموا به. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى واستدل بهذه الآية: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وهذه الآية تتضح بمعناها أو يتضح معناها بذكر أولها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فهذه الآية بتمامها يتضح المعنى الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، من هؤلاء؟ أهل التفسير ذكروا أنهم اليهود، فهذه الآية تنزلت في وصفهم، وإن كان من أهل التفسير من جعلها على العموم أنها تنطبق على أهل الكتاب ويدخل فيهم النصارى. فقال ربنا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾، وهنا أبهموا، لماذا الإبهام؟ قال علماء: من حكمة الإبهام في هذه الآية أن الله لم يشر إليهم لكي يعم الحكم، يعم الحكم ويدخل في الحكم كل من قال بهذه المقالة، كل من قال بهذه المقالة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، إذا قيل لهم: يا اليهود، ودعوا إلى الإيمان بالله جل وعلا، والإيمان هنا بمعنى التصديق، بالتصديق الذي يقارن بالتطبيق والإذعان، وما يسمى بالإيمان الشرعي. لأن الإيمان، إخواني في الله، يأتي في القرآن أحيانًا يراد منه المعنى اللغوي، ويراد به أحيانًا المعنى الشرعي، المعنى الشرعي. وذكر بعض العلماء من الضوابط الذي تفرق بين هذا وبين ذاك، أنك تنظر في التعدية، فإذا ذكر الإيمان وعدي بحرف الباء، فاعلم أنه الإيمان الشرعي، كهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي الإيمان الشرعي. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآيات، فالإيمان إذا عدي بالباء، فالمقصود به الإيمان الشرعي، فليس المراد هنا من اليهود أنهم فقط يصدقوا برسول الله، وإلا هم قد عرفوا رسول الله وعلموا رسالته، بل هم صدقوا، بل يعلموا أنه هو الرسول الحق. لكن ما نفعهم ذلك؟ ما نفعهم ذلك؟ وليس هذا المراد من الآية أنهم يعرفوا ويتعلموا أو يتعرفوا أو يقروا برسول الله، هم قد أقروا به، بل قال ربنا جل وعلا مبينًا هذه الحقيقة: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، هل بعد النكران من هذا؟ ما في نكران هذا، النكران العظيم، هم يعرفونه ويعرفوا ويعرفوا أنه الرسول الحق عليه الصلاة والسلام، وهم بهذا الإيمان اللغوي قد عرفوه، لكن هذا ليس المراد. المراد هنا بالإيمان أنهم يصدقوا برسول الله، وأن هذا التصديق يقارن بالإذعان والقبول برسالته واتباعه عليه الصلاة والسلام، هذا الذي طلب منهم في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، والمراد هنا بشرع الله، ومرضي القرآن، أنهم أمروا برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام التي وضحت بنزول القرآن. وفي ذلك إثبات لعلو الله سبحانه وتعالى، آيات الإنزال لكتب الله جل وعلا كلها تدل على علو الله سبحانه وتعالى. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، وهذه دعوى اليهود، أمرهم نبينا بالإيمان بما أنزله ربنا جل وعلا عليه من الكتاب، من القرآن، فكان حجتهم أنهم قد استكفوا بما أنزل عليهم. وما الذي أنزل عليهم؟ إن كانت الآية حكمها يتعلق باليهود، فالمقصود بذلك التوراة، وإن كانت الآية على عمومها، فيقصد بذلك التوراة والإنجيل، أن كل واحد منهم اكتفى بما عنده، وجعل ذلك ذريعة في كفره بما أنزله ربنا جل وعلا من القرآن. قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾، ويكفرون بما عدا ذلك، بما سوى ذاك الذي عندهم، فكفروا بالقرآن. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْحَقُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، إذن علمنا أولًا أن أهل الكفر من أهل الجاهلية ومن اليهود والنصارى بالعموم، أنهم تركوا دين الله جل وعلا بهذه الدعوة. ما هي الدعوة؟ أنهم قد اكتفوا بالحق الذي عندهم، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «دعواهم العمل بما عندهم من الحق»، فهذه دعواهم، أي بماذا جئتنا يا محمد بهذا الدين؟ لا حاجة لنا بهذا الدين، لما عندنا ما يكفينا، ما يغنينا عن دينك، هكذا الدعوة، هكذا الدعوة. يقول علماء: أن الله جل وعلا قد رد على هذه المسألة بردين اثنين في هذه الآية، كان الرد على هذه المسألة وعلى هذه الشبهة أو الترهات التي أدل بها اليهود، ومن أشبههم من النصارى، أن الله جل وعلا أرد عليهم بردين. الرد الأول: في قول سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، أي كيف تكفرون بالقرآن، ومع أن القرآن ما هو إلا في الحقيقة تصديق الذي بين أيديكم؟ القرآن في الحقيقة ما هو إلا تصديق للذي بين أيديكم، فإن الكتب المنزلة والشرائع المنزلة هي في الحقيقة كلها من عند الله جل وعلا، كلها من عند الله سبحانه وتعالى، وكلها تدعو إلى أمر واحد. كلها جاءت إلى بتوحيد الله سبحانه وتعالى، ما كان في شريعة موسى، ما كان في شريعة عيسى، ما كان في شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام، ما كان في التوراة، ما كان في الإنجيل، ما كان في القرآن، الكل يدعو إلى دين الله سبحانه وتعالى، إلى توحيد الله، وإلى تقرير مسائل البعث والحساب والنشور، هذا أشياء متفق عليها. فالقرآن يصدق بما في التوراة والإنجيل، والإنجيل يصدق بما في القرآن والتوراة، والتوراة تصدق بما في القرآن والإنجيل. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء إخوة لعلات، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى»، فهو ماذا؟ فشرائع دينهم واحد، لكن اختلفوا في الشرائع، في تشريع الصلاة، ذاك بكيفية وذاك بكيفية، لكن في الأصل دينهم واحد. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْحَقُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، إذا ما في داعي لأنكم تؤمنوا بما عندكم من التوراة، فعليكم أن تؤمنوا بما في القرآن، لأن القرآن هو في الحقيقة مصدق لما في أيديكم من الكتب، سواء ما كان عند اليهود أو ما كان عند النصارى. قال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وهذا الرد الثاني، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أنكم مع دعائكم أنكم لا تريدون بما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، محتجين بذلك على ما عندكم، أن هذا الذي عندكم هو كذلك أنتم قد كفرتم به. وجه ذلك أنكم لم تقوموا به، فهؤلاء اليهود مثلًا الذي ردوا دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، كفروا بما جاء بالقرآن، محتجين بما عندهم، أن هذا الذي عندهم من التوراة هو هو بنفسه، ما قاموا به. ولهذا لقى ربنا: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أهذا هو إيمانكم بالتوراة على حد زعمكم؟ التوراة أتأمركم بإيذاء الأنبياء؟ أتأمركم بالكفر بالأنبياء؟ أتأمركم بقتل الأنبياء؟ كلما جاءكم نبي لا تهوى أنفسكم، كذبتم، استكبرتم، قتلتم، أهذا موجود في كتاب الله؟ في توراتكم؟ هذا ليس موجود. إذن هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «مع تركهم إياه»، وهذا هو الرد الثاني الذي يقول العلماء أن فيه ربنا جل وعلا رد على أهل الكتاب، أنهم كذبوا، أنهم يدعون بأنهم على الحق الذي عندهم، وإذا جئت وتبصر الأطواء إلى هذه الدعوة، رأيت أنها عارية من الحقيقة، إذ أنهم من أول الناس كفرانًا بدينهم. فهم كفروا بدين الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم كذلك كفروا بدينهم الذي ادعوا أنهم قد تمسكوا به، فلا أقاموا دين الحق، ولا أقاموا بالدين الذي بين أيديهم. ومن نظر إلى حال اليهود مع كتابهم المنزل، لا رأى البون الشاسع، ومن نظر إلى النصارى وكيف تعاملهم مع الإنجيل، لا رأيت الأمر العظيم. انظر يا عبد الله إلى مجتمعات، إذا جئت إلى أقرب نصراني في هذه الأزمان، ثم دعوته إلى الإسلام، لأدلى لك بهذه الترهات والشبهات، يقول: ما أنا بحاجة بقرآنكم، ولا بنبيكم، أنا عندنا إنجيل، عندنا اليسوع، عندنا عيسى، عندنا البيوت المقدسة، عندنا الكنائس، عندنا الذي ماذا يريحنا في دنيانا ويدلنا على ربنا، على حد زعمه. ثم إذا تتبعت سيرة هذا المخذول في كفره، لا رأيت أنه من أبعد الناس عن الإنجيل، من أبعد الناس عن اليسوع، عن عيسى عليه السلام، من أبعد الناس عن الكنيسة، بل ربما هو من أكثر الناس بعدًا عن دين الله جل وعلا. بل الآن غالب المجتمعات النصرانية هي في الحقيقة مجتمعات علمانية، غالب النصارى الآن هم علمانيون، لا يعترفون بالكنيسة، بل منهم كحال الملاحدة من أمة الإسلام، من يستهزئ بدينه، منهم من يستهزئ بالكنيسة، من يستهزئ بالصلاة، أي صلاة الأحد، من يستهزئ بعيسى عليه السلام، وهم الذي يدعون أنهم قد اكتفوا بالدين الذي عندهم. وبهذا، إخواني في الله، نعلم ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى. ولهذا نبينا صلوات ربي والسلام عليه، خالف أهل الجاهلية، خالف في هذه المسائل التي كان من عظيم صفات دعواهم العمل بما عندهم مع تركهم إياه. خالف نبينا أهل الجاهلية وأمر من المسلمين جميعًا أنهم يلتزموا بالإسلام بلسانهم، بالدعاء، بالانتماء لهذا الدين، وليس فقط اتباع، وإنما كذلك مع الانصياع، الانصياع لأحكام الشريعة. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم: «أن يقولوا سمعنا وأطعنا»، وأولئك هم المفلحون. هذا من صفات أهل الإيمان، حتى لا تلتبس يا عبد الله بصفات أهل الجاهلية، لا تدعي أنك متبع وأنت لست متبعًا، لأن ستكون دعوة كاذبة، دعوة فاجرة، المؤمن عليه أن ينصع السمع والطاعة. أما من كان على خلافهم من أهل الأهواء، من أهل البدع، من أهل النفاق، من أهل الشقاق، فهم على خلاف ذلك. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، من صفات أهل النفاق أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، الصد والإعراض. مع أن أهل النفاق إذا قيل لهم: ما دينكم؟ لقالوا: دين الإسلام، وهنا نحن مسلمون، انظر البطائق، انظر الأسماء المعبدة: عبد الله، عبد الرحمن، فنحن من عبيد الله، من أمة الإسلام، لكنهم في التطبيق العملي والإذعان لشرع الله، من أبعد الناس. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، هذا الكذب، وهذا من صفة أهل الجاهلية. ومن هنا قال العلماء: من وجد من نفسه أنه يدعى لدين الله جل وعلا ثم يتبرم ثم يتولى، فليعلم أن فيه خصلة من خصال اليهود، أن فيه خصلة من خصال اليهود. أنهم إذا أمروا بالذعان تركوا ما جاء به الدين، ومع ذلك يتولوا عن شرع الله سبحانه وتعالى، فهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «دعواهم العمل بما عندهم من الحق كقولهم نؤمن بما أنزل علينا»، ودلالة واضحة كل الوضوح، قال رحمه الله تعالى: «مع تركهم إياه». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.