الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 7، ألقاها
ذكر الإمام عبد البر رحمه الله فوائد الرحلة في طلب العلم، منها تحصيل الحديث والعلم وطلب علو الإسناد. كان الصحابة يقطعون المسافات الطويلة لسماع حديث واحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يُظهر حرص الصحابة والسلف على العلم، حيث قطع جابر بن عبد الله مسافات طويلة ليأخذ حديثًا واحدًا. كما يشرح حديثًا نبويًا عن حشر العباد يوم القيامة وضرورة تصفية المظالم.
يذكر حرص السلف الصالح على طلب العلم وتضحياتهم في سبيل تحصيله، واحترامهم وتوقيرهم للعلماء. كانوا يقطعون المسافات الطويلة ويبذلون الجهد للحصول على الحديث الواحد ويعظمون مشايخهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام عبد البر رحمه الله في باب ذكر الرحلة في طلب العلم: وقد ذكر الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله ألف كتابا في هذا واسمه "الرحلة في طلب الحديث". ومن فوائد الرحلة تحصيل الحديث، تحصيل العلم، فإنه يحصل بالرحلة إلى أهله. ومنها أيضا طلب علو الإسناد، فإنه يحصل بالرحلة إلى أهل العلم. ومنها أيضا البحث عن أحوال الرواة، فقد كان السلف من المحققين يرحل الواحد منهم يسأل عن فلان وفلان حتى يعلم حال رواة الحديث. ومنها أيضا مذاكرة العلم، وتكون الرحلة بعد السماع من أهل البلد، فإذا استطاع أن يطلب العلم من أهل بلده ووجد من يعلمه فإنه يبدأ بطلب العلم وأخذ العلم من أهل بلده قبل أن يرحل، فإن لم يكن عنده في بلده أحد فإنه يرحل لطلب العلم. قال عن جابر بن عبد الله: بلغني حديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتعت بعيرا، ثم شددت عليه رحلي، وابتعت شريتا، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس الأنصاري، فأتيت منزله وأرسلت إليه: إن جابرا على الباب. فرجع إلي الرسول: جابر بن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج إلي فالتقنته والتقني، قال: قلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الله تبارك وتعالى العباد -أو قال: الناس، شك همام- وأومى بيده إلى الشام عراة غرلا بغما". قال: قلنا: ما بغما ليس معهم شيء. قال: "ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللقمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللقمة". قال: قلنا له: كيف وإنما نأتي وإنما نأتي الله عراة حفاة غرلا؟ قال: "من الحسنات والسيئات". طيب هذا الأثر أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وفي "خلق أفعال العباد"، وأخرجه غيرهم. وفي رحلة جابر رضي الله تعالى عنه إلى عبد الله بن أُنيس رحل شهرا كاملا وهو على راحلته يقطع المسافات ويقطع الأودية حتى وصل إلى عبد الله بن أُنيس من أجل ماذا؟ من أجل حديث واحد فاته، فحرص رضي الله تعالى عنه أن يأخذ هذا الحديث من عبد الله بن أُنيس سمعه من غيره، وأراد أن يكون له سندا عاليا، أن يكون له سند عالي، فرحل إلى عبد الله بن أُنيس شهرا. وهذا يدل على حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وحرص السلف على العلم، فما حمل جابرا أن يفوته هذا الحديث فقطع هذه المسافات من أجل أن ينال هذا الحديث. وهذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العباد يحشرون إلى الشام عراة غرلا بغما، غرلا أي: غير مختونين، قوله: "بغما" أي: ليس معهم شيء. وأيضا فيه أمر الظلم، فصاحب الجنة الذي هو من أهل الجنة لا يدخل الجنة إذا كان أحد من أهل النار يطالبه بمظلمة من مال أو عرض أو نحو ذلك حتى اللقمة، قال: "حتى اللقمة"، يعني لابد من القصاص، ما يدخل الجنة حتى يأخذ المظلوم منه حقه. وهكذا أيضا لا يدخل صاحب النار النار وأحد من أهل الجنة يطالبه بمظلمة حتى اللقمة، ويكون الجزاء بالحسنات والسيئات كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاته فحمل عليه ثم حمل في النار. قال: إن أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر، فلما قدم مصر أخبر عقبة، فخرج إليه، قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ستر مؤمنا على فاضية ستر الله عليه يوم القيامة". قال: فات أبو أيوب راحلته فركبها وانصرف إلى المدينة وما حل رحله. وهذه القصة لها طرق لكنها ضعيفة، والمحقق يقول: وهي بمجموع الطرق ترتقي إلى درجة الحسن. وأصل هذا الحديث الصحيح: "لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة". قال: وذكر الحلواني، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثنا ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب أن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان يبلغني الحديث عن الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أشاء أن أرسل إليه حتى يجيء فيحدثني فعلت، ولكني كنت أذهب إليه فأقيم على بابه حتى يخرج إلي فيحدثني. وهذا سند ضعيف، فإن ابن لهيعة ضعيف، وأيضا فيه انقطاع بين ابن شهاب وبين ابن عباس. لكن الحديث لو بأسانيد أخرى صحيحة، والقصة صحيحة في طلب ابن عباس رضي الله تعالى عنه للعلم وحرصه على العلم، فكان يطلب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ويقيل تحت باب أحدهم -أي: في وقت القيلولة- حتى يخرج ثم يسأل عن الحديث. وكان يقول: لو أشاء أن أرسل إليه حتى يحدثني فعلت، يعني لو قلت عنده: عندك حديث كذا وكذا أريده منك، لجاء وأخبرني، لكن مع ذلك كان يذهب إلى عندهم ويأخذ العلم منهم ويذل نفسه لهم. قال: وكان سعيد بن المسيب يقول: "إن كنت لا أسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد". يعني يرحل في طلب الحديث فيقطع الليالي والأيام. أما نحن ما نحتاج أن نقطع ليالي وأياما، نقطع ماذا؟ مسافات يسيرة وقليلة نأتي بها إلى مساجد أهل السنة نتعلم فيها القرآن والسنة. قال: وعن الشعبي قال: "ما علمت أن أحدا من الناس كان أطلب للعلم من مسروق". هو مسروق بن الأجدع. قال: وحدث علي بن مصعب أبي، قال: حدثني الشعبي بحديث، ثم قال لي: "أتعطيني إياه بغير شيء؟ وإن كان الراكب ليركب إلى المدينة فيما دونه". يعني: إن كان الراكب ليرحل إلى المدينة فيما هو أقل من ذلك، فيما هو أقل من هذا الحديث، وأنت الآن تأخذه بمشقة ولا تجد فائدة، فما عليك إلا أن تحرص على هذا الخير. وعن قيس بن عباد قال: "خرجت إلى المدينة أطلب العلم والشرف"، أطلب العلم والشرف، فالسلف رحمهم الله علموا أن الشرف والرفعة هي في طلب العلم، ليست في طلب الدنيا. قال: وعن بسر بن عبيد الله الحضرمي قال: "إن كنت لا أركب إلى المصر من الأمصار في الحديث الواحد لأجل أن أسمعه". يعني يقطع المسافات من أجل حديث واحد حتى يسمع هذا الحديث. قال: هنا المعلق: الأثر عن ابن عباس يعني كيف كان ابن عباس يطلب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ويذل نفسه لهم، فذكر كلاما طيبا في آداب طالب العلم مع مشايخه. قال: أولئك قوم أدركوا جيدا العدل التي يتبلغون بها في طلب العلم، ولا عجب في ذلك، فقد أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم وسار على نهجهم التابعون لهم بإحسان. قال محمد بن سيرين: "رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه ويسودونه ويشرفونه مثل الأمير". قال المسيرين: "رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه ويسودونه ويشرفونه مثل الأمير"، يعني احتراما وتقديرا له وجعلوه في مرتبة الأمير. ويقول أبو عبد الله الموصلي يحيى بن عبد الملك: "رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان أصحابه له من الإعظام له والتوقير له، وإذا رفع أحد صوته صاح به"، يعني ما أحد يرفع صوته عنده احتراما له وتقديرا، والذي يرفع صوته ينكرون عليه. ويقول الإمام البخاري: "ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن يحيى النيسابوري". ويقول المغيرة: "كنا نهاب إبراهيم -يعني النخعي- كما يهاب الأمير". كنا نهاب إبراهيم النخعي كما يهاب الأمير. طيب ونذكر ما تبقى إن شاء الله في مقام آخر. الله تعالى أعلم.